طرحت الأحداث والتطورات الأخيرة في المنطقة مجموعة من علامات الاستفهام المعقدة حول مستقبل مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التي ترعاها الولايات المتحدة الأميركية، ووصلت الأمور إلى حد أوشك معه الجميع على الاعتقاد بأن المفاوضات انتهت إلى غير رجعة، بعد حادثة اعتداء الجنود الإسرائيليين على أسطول الحرية خلال انطلاقه إلى قطاع غزة، غير أن السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية تبدوان مصممتين على المضي قدماً في تلك المفاوضات، رغم كل المصاعب.

ورغم تلك الجريمة الإسرائيلية التي راح ضحيتها تسعة من ناشطي أسطول الحرية الذين كانوا يعتزمون كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، ورغم أن الفلسطينيين لا يميلون للتفاوض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تحديداً، حتى أنهم أوقفوا المفاوضات التي كانت قائمة في عهد يهود أولمرت عام 2008 عندما تولى نتنياهو رئاسة الوزراء، في مارس 2009.

وتحاول الولايات المتحدة وإسرائيل جاهدتين الآن على التغطية على نتائج الاعتداء على أسطول الحرية وستر الجريمة ما أمكن، حتى لا تؤثر على مستقبل المفاوضات بين الطرفين ضمن أمور أخرى، لهذا دعا وزير الدفاع الإسرائيلي يهود أولمرت الفلسطينيين إلى التركيز على المفاوضات، وأن لا يسمحوا لحدث «استفزازي غير مسؤول» مثل هذا، على حد قوله، أن يؤثر على فرصة قيام سلام في المنطقة.

رغم كل هذا إلا أن الطرفين يبديان اهتماماً باستمرارية المفاوضات، إذ أجرى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أخيراً مكالمة هاتفية مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أخبره فيها قراره مواصلة المحادثات.

أما الجانب الإسرائيلي فقد صدرت عنه أيضاً بعض الإشارات الدالة على رغبته في مواصلة المفاوضات، فحكومة نتنياهو تنظر هذه الأيام في تمديد قرار تجميد بناء المستوطنات في الضفة الغربية، الذي كان يمتد لعشرة أشهر.

رؤية المراقبين

لكن ورغم تلك الإشارات إلا أن إسرائيل لم تتوقف عن البناء في القدس الشرقية، وهذا جلب عليها المزيد من الانتقاد الإقليمي والعالمي في هذه الفترة الحساسة، خاصة في ضوء رفض التنازل عن القدس الشرقية التي يؤكدون تصميمهم على أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية التي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة.

لكن هناك من المراقبين من يرون مجالاً للتفاؤل والأمل، خاصة مع تزايد التنسيق والتعاون الأمني بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، والذي يصفونه بأنه يشكل أحد أهم العوامل المتوقع لها أن تسهم في ترسيخ الاستقرار في المنطقة، كما أن الإدارة الفلسطينية أثبتت خطأ افتراض الوزراء الإسرائيليين الذين شككوا في مقدرة السلطة الفلسطينية على إدارة دولة شؤون دولة مستقلة.

وتجري تدريبات لقوات عسكرية فلسطينية في مركز تدريب الشرطة الدولية في العاصمة الأردنية، عمّان، على شكل دفعات، كل دفعة مكونة من 500 جندي، ترسل بهم السلطة الفلسطينية تحت إشراف أميركي من جانب المنسق الأمني الأميركي جنرال كيث دايتون. وقد تم نشر خمس كتائب من تلك القوات المدربة في الضفة الغربية في مدن مثل أريحا ونابلس وجنين والخليل ،وبحلول العام 2011 ستكون خمس كتائب أخرى قد أتمت التدريب.

جرى تسليح تلك القوات ببنادق آلية من طراز «أيه كيه ـ 47» وبمعدات لمقاومة الشغب، وكانت هناك مطالبات من الجانب الفلسطيني للحصول على قدرات تفجيرية مثل القنابل التي يتم إطلاقها بالصواريخ، لكن إسرائيل رفضت هذا الطلب، ولم تمانع بالمقابل في أن يتزود الجانب الفلسطيني بعدد من ناقلات الجنود الروسية المدرعة من طراز «بي تي آر ـ 70» ثُمانية الدفع 88.

توجس أمني

التنسيق الأمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين يثلج صدور الإسرائيليين لأن الأمن الفلسطيني الآن صار يقوم بالمهمة عنهم، حتى أن 2009 كانت أول سنة لم تشهد تفجيراً انتحارياً داخل المدن الإسرائيلية، واستمر الحال كذلك في العام 2010 حتى اللحظة.

ويزعم الإسرائيليون أنهم بالمقابل قاموا بتخفيف بعض إجراءات المنع والحظر التي كانوا يفرضونها على الفلسطينيين بالحديد والنار، هذا بالإضافة إلى أن نجاح قوات الأمن الفلسطينية في قمع حماس ومنعها من تكوين قوة داخل أراضي الضفة الغربية، أدى إلى قيام قنوات اتصال وتشارك في المعلومات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لكن رغم كل هذه الجهود والنتائج، تظل إسرائيل تتوجس خيفة من أن المفاوضات بين الجانبين إذا ما انهارت فإن بنادق القوات الفلسطينية المدربة ستتوجه نحوها، غير أن التخوف الحقيقي لدى الإسرائيليين يتعلق بالاضطرار للتنازل للفلسطينيين عن مزيد من الحقوق بضغط متزايد من الولايات المتحدة، وأن إسرائيل إذا لم تفعل ذلك فستزداد احتمالات توتر العلاقات الإستراتيجية بين أميركا وإسرائيل.

إعداد ـ يوسف جباعته