في غابات مدينة عين دراهم الشاسعة، «60 كيلومتراً شمال غرب تونس»، حيث تصطف الأشجار يميناً ويساراً مشكلة أجمل لوحة طبيعية يمكن أن يشاهدها الإنسان، تقع غابات شديدة الخضرة تبدو من بعيد كأنها رداء مخملي، تسكنها أنواع مختلفة من الأشجار منها الفرنان والزان والبندق والصنوبر، ونباتات عديدة منها الريحان الذي ذكر في القرآن الكريم في مناسبتين الأولى في سورة الرحمن الآية 12 .

حيث قال تعالى «والحب ذو العصف والريحان، فبأي آلاء ربكما تكذبان» وفي سورة الواقعة أية رقم 89 حيث قال عز وجل: «فإما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم»، فلنبتة الريحان فوائد جمة على صحة الإنسان وجماله، وتعد تونس من بين أهم الدول المصدرة لزيت الريحان في العالم، ويتوزع نبات الريحان على مساحات شاسعة من الغابات.

حيث ينبت ويترعرع، مصدراً تلك الرائحة الزكية، وفاكهة تسمى «العذارى» ينتظرها سكان الجبل في فصل الخريف، حيث يوجد لها فوائد صحية كبيرة على مستوى المعدة والأمعاء.

وخلال تجولنا في غابة عين دراهم بعد أن علمنا بحلول موسم تقطير الريحان، لفتنا مشهد رجل يجر حماره المحمل بكمية كبيرة من نبات الريحان، استوقفناه لسؤاله عن وجهته فأخبرنا أنه متجه نحو عمال التقطير الذين يشترون منه تلك الكمية حتى يستخدمونها في التقطير.

وحول طريقة جمعه للريحان يقول الحاج «المنصف» أصحوا قبل شروق الشمس مع زوجتي وأولادي ونتوجه للغابة لاختيار نبات الريحان الذي يكون معرضاً أكثر من غيره للشمس لأنه عادة ما يكون أفضل من الذي يوجد في قلب الغابة ومغطى بظلال الأشجار الأخرى، ونقطع الأغصان حتى نجمع الكمية اللازمة.

ومن ثم نقوم بغسلها ووربطها فوق الحمار، وأتوجه بها نحو عمال التقطير لأبيعهم تلك الكمية، وفي اليوم الواحد أقوم ببيع من 250 إلى 500 كيلوغرام من الريحان.

وحول السعر الذي يبيع به الريحان للعمال يقول: «السعر قليل جداً أي 60 فرنكاً تونسياً للكيلوغرام الواحد، أي أنني أجمع ما يقارب 30 ديناراً تونسياً «25 دولاراً أميركياً تقريباً» في حال بعت في اليوم الواحد 500 كيلوغرام».

وبعد مسافة تزيد على الكيلو متر وجدنا عمال التقطير، يسخنون قدورهم الكبيرة على الحطب، منتظرين كمية جديدة من نبات الريحان الذي يجلبه لهم سكان الغابة، وعند سؤالنا عن طريقة التقطير أجابنا المسؤول عن عمال التقطير صادق الخميري بقوله: «يعتبر هذا الموسم هو موسم تقطير الريحان، فتقوم إدارة الغابات بالسماح للمزارعين الذين يعيشون في الغابات بجمع الريحان لبيعه لنا لنقوم بتقطيره.

ومن ثم بيع الزيت لدول الاتحاد الأوروبي بالعملة الصعبة، والريحان يدر على تونس الكثير من الأموال لأن استخداماته كبيرة خاصة في ميدان الطب والتجميل، وتكمن طريقة التقطير بوضع كمية كبيرة من الريحان في قدور مليئة بالماء وتطبخ على نار هادئة لمدة يوم كامل، حتى يظهر الزيت المراد استخراجه.

ويمكن أن نستخرج من كل 500 كيلوغرام من الريحان كيلوغراماً واحداً من الزيت، ولذلك يعتبر الزيت غالياً جداً، حيث يتجاوز سعر الكيلوغرام الواحد 500 دولار تقريباً.

ومن أهم المناطق المعروفة بالريحان الجيد منطقة «عرقوب الريحان»، ومنطقة «الفروحة»، وهي من المناطق الجبلية المرتفعة، وهاتان المنطقتان تنتجان زيتاً ذا جودة عالية، لأن الريحان الذي ينبت فيهما يكون معرض للشمس.

مهنة متوارثة

وحول ما إذا كانت هذه المهنة متوارثة عن أجدادهم يقول صادق الخميري: «نقوم بهذه المهنة منذ زمن طويل وهي مهنة سكان الغابة بصفة عامة، وقد اكتشفنا التقطير من خلال الأوروبيين وحسب معلوماتي المتواضعة فإن الأوروبيين اكتشفوا فوائد زيت الريحان منذ القرن السابع عشر.

حيث استعملوه لعلاج نزلات البرد ولمعالجة البثور ولمشاكل المعدة، كما توجد فيه مواد تنشط جهاز المناعة لدى الإنسان، هذا عدى عن فوائده الجمالية للوجه والبشرة والعطور، ومع أننا نقطره سنوياً إلا أننا لا نستفيد منه بطريقة مباشرة بل نفضل بيعه لأوروبا حتى نستفيد من مدخوله».

اللافت أن موسم تقطير الريحان يستمر لمدة شهرين تقريباً، بعمل أكثر من 12 ساعة في اليوم الواحد، ومع أن حرارة الجو تتحد مع حرارة الحطب الخاص بتسخين ماء القدور الضخمة الخاصة بالتقطير إلا أن العمال يتحملون كل ذلك من أجل توفير لقمة العيش ويقول مراد عبد الجليل، أحد العمال، بأنه ينسى التعب والإرهاق فور أن يرى شكل الزيت ويشم رائحته الزكية.

ويضيف: «تعودت منذ صغري على الالتحاق بعمال التقطير ونحن نعتبر أن التقطير عبارة عن احتفال فنغني ونأكل ونستمتع بأجواء التقطير، ويأتي الصغار ليتعلموا كيفية التقطير وتزورنا النسوة آخر النهار للاطمئنان على المحصول».

وإن كان تقطير الريحان فيه أي ضرر على الثروة الغابية المنتشرة هنا وهناك يقول: «بالعكس نحن نستغل الريحان الذي يمكن أن ينشف من تأثير أشعة الشمس ويتسبب في الحرائق ولذلك نحرص على تشبيبه بقص الورق غير النافع، ونقطره، وبتلك الطريقة نحافظ على نبتة الريحان من جهة ونحافظ على الثروة الغابية من جهة أخرى، كما أن تونس تقنن موضوع التقطير فتقوم بعمل مزادات للتقطير لفتح مورد رزق لسكان الغابات».

وحول ما إذا كانوا يستعملون أدوات حديثة في عملية التقطير، يقول ماهر السعيدي، أحد العمال: «الأدوات تقليدية بحتة، فنحن نقوم بالتقطير في قدور كبيرة ونقوم بالعملية بشكل بدائي،هكذا تعودنا، ونحن نؤمن بالطرق البدائية في التقطير، لأن كل شيء قديم يمتلك روحاً خاصة به».

ربما يكون التقطير عملاً منهكاً ومتعباً، إلا أن سكان الغابة يعتبرونه تقليداً راسخاً على مر العصور، فلكل مكان حكاية وحكاية غابات خمير يبوح بها سكانها الذين أكدوا لنا أن غاباتهم مليئة بالمفاجآت والأسرار التي يجهلها أهل المدينة، فهم يعتبرون الغابة كنزهم المدفون، فشرفهم يكمن في خدمة غابتهم.

تونس ـ ضحى السعفي