هذه الهواية تعشقها المرأة بكل جوارحها، وفي شتى مراحلها العمرية صغيرة كانت أم كبيرة، بينما يكرهها الرجل بكل خلية من خلاياه، لاسيما حينما يجد نفسه مضطرًا لدفع العديد من الفواتير المرهقة التي ترى فيها المرأة مقياسًا لمدى الحب الذي يكنَّه الرجل لها، ولا غرابة أن تؤكد العديد من الدراسات الأسرية أن كثيرًا من حالات الطلاق والشقاق الأسري كانت بسبب الرغبة الدائمة للمرأة في التسوق.

ومن خلال النهم الشرائي بداعٍ وبدون داعٍ، ما يمثل ضغطًا رهيبًا على إمكانات أغلبية الرجال؛ لذلك كانت الحاجة الماسَّة إلى أن تتعلم المرأة كيف تضبط نفسها أمام إغراءات العروض التجارية التي تجذبها، وكيف ترشد طلباتها وفق الإمكانات المتاحة، وكيف تكون ذات ثقافة وسطية في اختياراتها.. السطور التالية تجيبكم عن هذه التساؤلات. في الوقت الذي أكدت فيه تجارب سابقة أجراها عالم النفس «ديفيد لويس» حول أثر التسوق على الرجال والنساء، أن التسوق يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكورتيزون عند الرجال، وقد صوَّر معظمهم التسوق بأنه أشبه بطائرة حربية يضطرون لركوبها لخوض معركة التسوق.

كما أكد أن آثار التسوق على معظم الرجال ليست آنية ومؤقتة، بل تستمر لعدة ساعات بسبب ارتفاع الكورتيزون لديهم، ما يسبب لهم عدة أمراض مستقبلية مثل الضغط والسكري، بينما أكد أن المرأة تشعر حينما تذهب للتسوق وكأنما دخلت حديقة مليئة بالزهور عليها قطفها جميعًا دون تعب ولا ملل، فالنساء يشعرن بالاستمتاع والاسترخاء بدخولهم المجمعات التجارية.

في الوقت نفسه يوجه العديد من خبراء الإتيكيت والاجتماع عدة نصائح عامة للمرأة قبل أن تبادر بالذهاب إلى أماكن التسوق على اختلاف أنماطها، منها ألا تتوجه إلى السوق بغير حاجة ملحة، مع اختيار الوقت المناسب قليل الزحام، فضلاً عن الحرص على الخروج بالزي الشرعي، واختصار وقت بتحديد ما تريد شراءه في ورقة، حتى لا تنسى شيئًا من جهة.

ومن جهة أخرى حتى لا تشتري أشياءً أخرى لا يحتاجها البيت فعليًا، مع الحرص على قراءة بيانات المنتج وصلاحيته، مع عدم الدخول في جدال وفصال مع البائع بلا مبرر، مع الحرص على ألا تزيد قيمة المشتروات على القيمة التي حددتها مسبقًا، وليكن شراء الحاجات الأساسية أسبوعيًا كاللحوم والخضروات والفاكهة، ولا تركضي وراء العروض.

مهما كانت مغرية طالما لست في حاجة إليها فعليًا، فلا تنساقي وراء الترويج والدعايات وتحفيز الصديقات، بل اجعلي لنفسك شخصية متميزة في الشراء بحيث تراعين ما يناسبك ولا يتجاوز ميزانيتك، ولا مانع من اغتنام فرصة التنزيلات، فقد تكون مناسبة في بعض الأحيان.

ثقافة مرضية

إلى ذلك، تؤكد د. سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن شره التسوق زاد بكثرة في عصرنا الحديث؛ بسبب أساليب الدعاية والترويج المبتكرة، سواء عن طريق الفضائيات أم الإنترنت والصحف ومجلات التسوق.

فضلاً عن انتشار المولات التجارية، أيضًا كثرة الاستيراد من الخارج الذي يغزو البلاد بطريقة غير طبيعية.

فضلاً عن الطبيعة الخاصة بالمرأة المحبة دومًا لشراء كل جديد، كل ذلك جعل المرأة تفقد أي مقاومة أمام شره التسوق، بخاصة أنها مخلوق يتم التأثير عليه بشكل سريع وتتأثر بما حولها بكثرة، لكن زيادة هذا الحد والإفراط فيه بسبب هَوَس الشراء والتسوق جعلها تأخذ صورة الثقافة المرضية، فباتت مستعدة دائمًا للذهاب نحو إشباع غريزتها بحجة احتياجها لذلك الشيء.

بالإضافة إلى كثرة المنتجات التي تُقدَّم وكثرة العروض والتنزيلات، كل ذلك يجعل المرأة فريسة سهلة لوحش التسوق الذي يدوس بفواتيره المرهقة الأزواج بكل قسوة.

أيضًا من الأسباب التي تؤدي بالمرأة إلى ذلك انشغال زوجها أو الأهل عنها، فتشعر برغبة في الخروج إلى الأسواق لا لشيء إلا لإثبات وجودها حتى لو اتخذ ذلك شكلاً انتقاميًا من الزوج والأهل في شكل فواتير باهظة، وما من شك أن هذه العادة تنتج عنها العديد من المشاكل الأسرية سواء بين الأهل في المنزل أم الزوجين بسبب الإهدار الكثير للمال.

لذلك ينبغي أن تتعلم المرأة كيف تتحكَّم في تصرفاتها وأسلوب حياتها، وكيف تسيطر على رغبتها الجامحة في التسوق، وأن تتخذ من الوسطية منهاجًا لها في كل الأمور، فلا تُسرف في شراء ما لا تحتاجه فعليًا أو ما يفوق الإمكانات المتاحة، وفي الوقت نفسه لا تمتنع تمامًا عن ذلك.

إدمان

أما الاختصاصي النفسي د. علي السيد سليمان فيقول: ثقافة التسوق لدى المرأة تحوَّلت إلى إدمان غير طبيعي، ففقدت القدرة على السيطرة والتحكم في إرادتها، فلا تجد امرأة - إلا نادرًا - تلتزم بقائمة الاحتياجات التي تحددها قبل الذهاب إلى أماكن التسوق، ففي الغالب تتضاعف المشتروات.

كما تتضاعف أعباؤها المادية، وذلك له العديد من الأسباب منها أسباب خاصة وأخرى عامة، الخاصة مرتبطة بالمرأة ذاتها منها الهروب من الفراغ والقلق والضيق، وأيضًا الضغوط النفسية التي تحيط بها، وطريقة المعاملة التي تتعرض لها من قِبل الزوج أو الأهل، فتلجأ للتنفيس عن نفسها بالتسوق.

ومن العوامل العامة انتشار الأسواق بكثرة، وتفننها في الإغراءات التي تجذب النظر وتشد الانتباه، بالإضافة إلى العروض التي تقدمها للزبائن، بالإضافة إلى أساليب الدعاية المغرية بشتى وسائلها، ولكي تتخلص المرأة من إدمان الشراء لا بد أن تعترف بأن لديها مشكلة تعالجها بإقناع نفسها بأنها ليست في حاحة فعلية لكل ما تشتريه.

فضلاً عن علاج المشكلة الأساسية في علاقتها الأسرية إن كان الدافع لنهمها الشرائي هو إهمال الزوج أو سوء معاملة الأسرة، وعليها أيضًا أن تحدد ميزانية للمشتروات الشهرية وفق الإمكانات المتاحة فعليًا بحيث لا تضطر للاقتراض، أو الضغط على الزوج وإرهاقه ماديًا.

وفي ضوء إمكاناتها تحدد طلباتها الضرورية ولا مانع من بعض المشتروات الترفيهية إذا سمحت الميزانية بذلك، وحينما تذهب إلى السوق عليها أن تلتزم حرفيًا بهذه القائمة ولا تتجاوزها مهما كانت الإغراءات التي تقدمها العروض الترويجية.

مدبِّرات حكيمات

«أرفض أن تُتهم المرأة بالهوس الشرائي الذي لا يخص إلا فئة قليلة جدًا من النساء، بينما النسبة الغالبة تجدهن مدبرات حكيمات يحاولن قدر جهدهن أن يقُدن دفة التدبير المنزلي لتسيير أمور الأسرة لاسيما في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة للعديد من البلدان العربية»..

بهذه العبارة بدأت الاختصاصية النفسية د. نجية إسحاق موضحة أن المرأة العربية أكثر دراية باحتياجات منزلها من الأزواج، فتتحمل المسؤولية الأولى في إدارة المنزل وتوفير الاحتياجات اللازمة، لكن في ظل الظروف الحالية والغزو الشديد الذي يستهوي بعض السيدات ويسيطر على بعض الفتيات، ووجود بعض مظاهر الترف أصبح النهم الشرائي بمثابة الثقافة السائدة التي جرفت القادرين وغير القادرين لمسايرة هذه الثقافة.

لاسيما في ظل الترويج الإعلاني المتقدم الذي يفقد المرأة كثيرًا من حصون المقاومة.. مؤكدة أن هذا الأمر منحصر في فئة محددة، بينما الأغلبية التي تتجاوز 80% من الأسر تلعب فيها المرأة دورًا بطوليًا في الإدارة الاقتصادية بأقل الإمكانات المتاحة.

ضوابط

أما خبيرة الإتيكيت ماجي الحكيم فتؤكد أن السوق متعة رئيسية لدى المرأة، ونتيجة للعديد من الإغراءات في الأسواق والتخفيضات وفرص الشراء والعروض قد يختلط الأمر عليها في شراء بعض الأشياء التي لا تحتاجها فعليًا، لذلك هناك عدة ضوابط لا بد أن تراعيها، ومنها:

ــ عند شرائك الملابس أو الأحذية والإكسسوارات كوني متأكدة أن دولاب ملابسك في حاجة لهذه القطعة وليست مجرد إضافة قد تخزن مع الملابس الأخرى.

ــ لا تُقدمي على شراء أي منتج لا تحتاجينه بالفعل مهما كان العرض مغريًا.

ــ عليك مراعاة الطرف الآخر وهو الزوج في اختياراتك لأذواق المأكل والملبس.

ــ عند شرائك لأطفالك راعي توجيههم للعرض الأفضل والمناسب لهم مع إقناعهم بالمنتج.