من طريقة سيره تفهم انه ـ جسديا ـ ليس عاديا، تبدو عليه علامات الاصابة، وتساءلت عن السبب ربما التقدم في السن وربما التعب جراء السفريات الكثيرة للولايات للوقوف على وضع من بقي من رفاقه ثوار حرب الاستقلال واسر الشهداء، لكنه وفي سياق الكلام ذكر لي المثل الشعبي الجزائري «يا مزوق من برا واش أحوالك من داخل» ومعناه يا من مظهرك سليما كيف وضعك في الداخل.
قال عبادو وهو يبتسم «إصابتي خلال الثورة كانت كبيرة، ورجلاي مشدودتان بأسلاك معدنية» وقال «الحمد لله نواصل العمل قدر ما استطعنا ونحن نكون بخير حين يكون شعبنا بخير ونتألم حين يتألم» واسترسل بعدها في جلسة دامت نحو ساعتين بمكتبه في العاصمة الجزائر يجيب بلا تحفظ عن أسئلة بدأناها بالاحتفال بالعيد الثامن والأربعين للاستقلال المصادف للخامس من يوليو.
ووضع من تبقى احياء ممن خاضوا ثورة التحرير وعرجنا على السجال التاريخي بين الجزائر وفرنسا فذر الرماد في العيون الذي انتهجته باريس بإصدار قانون التعويض للمتضررين من التجارب النووية التي أجراها الاحتلال الفرنسي في صحراء الجزائر بين 1960 و1962. فقضية الائمة الذين امتنعوا عن الوقوف لعزف النشيد الوطني بدعوى أن ذلك بدعة.
احتفلتم مؤخرا بذكرى مرور 48 عاما على استقلال الجزائر كيف تقيمون وضع من صنعوا ذلك النصر الكبير؟
تقييم من أي جانب؟
كيف هو وضع من بقي من الثوار على قيد الحياة وغوائل الشهداء والمعطوبين وغيرهم ممن تضرروا بفعل الحرب بعد ما يقارب نصف قرن من نهايتها؟
ما جرى في الجزائر بين الفاتح من نوفمبر 1954 تاريخ اندلاع الثورة المسلحة والتاسع عشر من مارس تاريخ وقف إطلاق النار بين الجانبين حرب شرسة خلفت مليون ونصف مليون شهيد وعشرات الآلاف من القرى المدمرة كليا ومئات الآلاف من المعطوبين والثكالى والايتام...
كانت التضحيات من اجل تحقيق الاستقلال ضخمة، وكان بيان اول نوفمبر الذ اعلن قيام الثورة قد مهد ايضا لما بعدها والمهمات التي يجب تحقيقها في جزائر جديدة مستقلة. فالمجاهدون وبروح ذلك البيان اكملوا العمل بعد الاستقلال على الرغم من مستواهم التعليمي المتواضع، ووضعوا قواعد بناء الدولة الجزائرية الحديثة.
هل أفهم انكم راضون عن وضع المجاهدين ووضع بلدكم؟
كنا نأمل ان تكون الجزائر على وضع أفضل، لكن واجهتنا سلسلة من الأزمات والظروف الصعبة وانتم تعرفون ما جرى في البلاد من بداية تسعينات القرن الماضي حيث اندلعت موجة ارهاب عنيفة جدا تسببت في خسائر جسيمة وتأخير وتيرة التنمية. لكن الحمد لله خرجنا من ذلك الوضع الصعب وعادت التنمية الى مسارها بفضل تضحيات جسام أخرى من شعبنا.
وكان من يستطيعون حمل السلاح من مجاهدي ومجاهدات الثورة وأبناؤهم وابناء الشهداء في مقدمة من قاوموا الإرهاب الى جانب الجيش وقوى الأمن عموما. ونحن نعيش اليوم نهضة شاملة ومصالحة وطنية أتت أكلها.
بالنسبة لمنظمتنا لها دوران متكاملان أولهم مراقبة توفير شروط العيش والكرامة للمجاهدين وذوي الحقوق من عوائل الشهداء، وثانيها دور تجاه الوطن كهذا الذي قمنا به في مكافحة الإرهاب. وتقدم المنظمة آراءها واقتراحاتها في جميع القضايا الكبيرة التي تهم بناء الوطن ونطرح هذه القضايا والأفكار على الهيئات العاملة ضمن هياكل الدولة، ويوجد من المجاهدين من يشغلون مناصب في هذه الهيئات كالبرلمان والحكومة وقوى الأمن وغيرها.
مواجهة جديدة
قلتم إن المؤتمر يجري بفرنسا وحول قدماء المحاربين وستحضرونه... إنها مواجهة جديدة بين من تقاتلوا بالأمس... أليس كذلك؟
المؤتمر تنظمه المنظمة الدولية لقدماء المحاربين ونحن عضو في هذه المنظمة، وسنحضر المؤتمر كما لو وقع في بلد آخر وندافع عن القضايا العادلة في فلسطين والعراق والصحراء الغربية، فالشعوب في هذه البلدان تعيش وضعا يحتاج الى من ينقل تفاصيله ويشهر بأساليب الاحتلال ويدافع عن الحق.
المؤتمر دولي ويضم بقايا قدماء المحاربين ومنهم من حاربوا الاستعمار والتدخل الأجنبي. وبالنظر لموضوع المؤتمر ولمنظمه لا حرج من ان نحضر وان حضر من قاتلناهم بالأمس.
ذكر فرنسا وقدامى محاربيها يدخلنا مباشرة في موضوع الساعة... توتر العلاقات بين البلدين بعد صدور قانون 23 فبراير عن الجمعية الوطنية الفرنسية ـ البرلمان ـ لماذا رد الفعل القوي هذا من الجزائر على قانون داخلي فرنسي؟
قانون 23 فبراير 2005 يمجد الاستعمار ويعتبره فعلا حضاريا، وهو بالنسبة لنا استفزاز مباشر، فنحن ندرك جيدا ان الاستعمار لم يكن ابدا فعلا حضاريا يستحق التمجيد بل كان ظلما وطغيانا يستحق الإدانة. ذلك القانون يبرر احتلال بلدنا 132 عاما وإلحاقها بالممتلكات الفرنسية في شكل استعمار استيطاني رهيب وغاشم.
ورغم هذا الذي وقع كنا نعتقد ان الفرنسيين تقدموا ولم نكن في الواقع نتصور إقدامهم في العام 2005 على مثل هذه الخطوة لان الاستعمار عموما يجب ان لا يمجد، وتمجيده يعني ان الذهنيات تحجرت ولم تتغير، وان اتبعنا منطقهم وجب أيضا تمجيد الاحتلال النازي لبلدهم. الاستعمار جريمة وهو اعتداء دولة على شعب ودولة أخرى.
لقد اعتدوا على بلدنا واحتلوها ثم امتلكوا خيراتها وأعلنوها قطعة من فرنسا، وكان يشار الى جنسية الجزائريين في بطاقة الهوية باسم « فرنسي ـ مسلم» هم سحبوا منا كل شيء بما في ذلك كياننا وهويتنا. أيعقل ان يمجد هذا ونحن في الألفية الثالثة؟ خلال 132 سنة من نظام هذا الاستعمار الذي يمجدونه تعرضنا للإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية قتل الملايين.
واغتصبت الأرضي وهجر أصحابها ووزعت على مستقدمين من أوروبا فاق عددهم المليون ونصف المليون مستوطن، ونشروا في صفوف الجزائريين الفقر والجهل... لهذا ونحن في العام 2005 استغربنا صدور هذا القانون واعتبرناه استفزازا مباشرا.
طالبتم بالاعتذار مباشرة بعد صدور القانون وواصلتم الطلب لكن الطرف الفرنسي رفض من باب أنه « من غير المعقول مطالبة الأبناء والأحفاد بالاعتذار عن ذنب ارتكبه الآباء والأجداد» على حد تعبير الرئيس نيكولا ساركوزي. كيف تقيمون المساعي؟
أولا بخصوص مقولة ساركوزي هذه، يجب أن يكون واضحا نحن بصدد معالجة قضية دولة تاريخ وسياسة ولا نتحدث عن قضايا عاطفية... قضايا العائلة والأبناء والأحفاد الأبناء... نتحدث عن مسؤولية دولة وليس مسؤولية أب أو جد أو ابن وحفيد... فرجال الدولة الفرنسية مسؤولون عن سياسة بلدهم، عن تاريخهم وعن حاضرهم...
الأمر هنا ليس عاطفيا كما قدمه ساركوزي، وهذه النظرة مغالطة نفهمها ولا نقبلها وتهرب واضح من المسؤولية... القضية سياسية، هم الذين جاؤوا للجزائر وارتكبوا المجازر ونهبوا الخيرات وخربوا واضطهدوا... هذا الواقع والاعتراف بهذا الواقع يدعوا الى الاعتذار عنه لأنه ماض اسود ولأنه ظالم لشعب آخر وقع عليه الاحتلال وهو في الواقع ظالم لعدد كبير من الشعوب التي وقعت تحت سيطرة فرنسا.
فيم يفيد الاعتذار بالنسبة للجزائر؟
ثمة سلسلة من العمليات أولا الاعتراف ، ويبدو أن من هذا الجانب حصل تطور لدى الاوساط الحاكمة في فرنسا حيث وصف الرئيس ساركوزي نفسه بأن الاستعمار ظالم وكارثي وسفير فرنسا في الجزائر زار سطيف وقالمة في ذكرى مجازر مايو 1945 التي سقط فيها نحو 45 ألف شهيد في ظرف أيام، وخاطب الناس هناك ظلما وهي أول مرة يعترف فيها الفرنسيون بوجود مجازر في الجزائر.
هذا تطور في المواقف سجلناه وجاء بفعل نضال الجزائريين وكذالك شخصيات فرنسية من مؤرخين وسياسيين ومفكرين...
هذا الضغط دفع ساركوزي الى القول بان الاستعمار غلط. لكن هذا لا يكفي فان وقع الغلط يجب أن تقول أنا اعترف بأنني أخطأت لأن الخطأ جاء منك ثم تعتذر لمن أخطأت في حقه.
العملية الثانية بعد الاعتراف اذن هي الاعتذار، ثم هناك أخيرا التعويض على الاضرار. فمن حق الجزائر أن تحصل على تعويضات جراء ما اصابها بفعل الاحتلال مدة 132 عاما وما تخللها من اضطهاد وفق ما تنص عليه القوانين الدولية.
في المدة الاخيرة اعلنت الحكومة الفرنسية عن سن قانون لتعويض ضحايا التفجيرات النووية التي نفذتها في الجزائر حين كانت مستعمرة، هل تسجلون ذلك ضمن مساعي فرنسية لتطوير العلاقة ومعالجة موضوع الذاكرة؟
كلا... الامر هنا يتعلق بقانون أصدرته الحكومة الفرنسية للفرنسيين بعد ما رفعوا دعاوى قضائية تخص من تضرر منهم من تلك التفجيرات وكسبوها امام المحاكم. وصارت الحكومة ملزمة بتطبيق احكام القضاء فقررت إصدار قانون التعويض. ادخال الجزائريين في ذلك القانون هو مجرد ذر للرماد في العيون لأن اغلب من تضرروا توفوا والقانون لا يشير الى توريث التعويض للأبناء والأصول. لهذا فحصة الجزائريين من التعويض لن تكون اكثر من هامشية.
كرد على القانون الفرنسي سعيتم كما سعت أطراف جزائرية كثيرة لإصدار قانون « تجريم الاستعمار، اين وصلت المساعي؟
مشروع القانون كان مبادرة من نواب بالمجلس الشعبي الوطني ) الغرفة السفلى في البرلمان ـ المحرر( وجاء ردا على قانون تمجيد الاستعمار الصادر عن البرلمان الفرنسي، وهذا تصرف طبيعي من البرلمانيين الجزائريين، وأتمنى ان يصدر القانون قريبا لان الاستعمار فعل يستحق الإدانة والتجريم. ونحن على كل حال نتحرك في جميع الاتجاهات لتسريع وتيرة إصدار هذا القانون.
وقعت حادثة في المدة الاخيرة بالجزائر بعثت جدلا كبيرا حول الرموز الوطنية، حين امتنع أئمة عن الوقوف لعزف السلام الوطني، كيف تنظرون الى هذا الموضوع؟
لا ألف ولا أدور... الذي أراه ان من لم يقفوا للعلم الوطني أو لعزف النشيد الوطني مهما كان شغلهم ومكانتهم ، ليسوا منا ولسنا منهم.
إضاءة
سعيد عبادو هو الامين العام لمنظمة المجاهدين في الجزائر منذ العام 1999. وهو من معطوبي حرب الاستقلال حيث اصيب في مواجهات مع الجيش الفرنسي. التحق بالثورة مبكرا وقبلها كان طالبا في معهد ابن باديس بقسنطينة، وذات يوما عاد الى البيت ورمى المحفظة والتحق مباشرة بالثوار في الجبل بالولاية الأولى في منطقة الاوراس. وحين وضعت الحرب اوزارها كان ضابطا.
وفي عام 1964 انتخب عضوا باللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني الحزب الواحد الموروث عن جبهة التحرير التي قادت الثورة( وعين محافظا وطنيا للحزب تنقل بين محافظات عديدة.
في عام 1977 صار عضوا بالبرلمان زمن الحزب الواحد. وفي 2002 نال العضوية أيضا لكن هذه المرة انتخب على قائمة التجمع الوطني الديمقراطي زمن التعددية الحزبية. وشغل ابيضا منصب وزير المجاهدين بين 1994 و1999. وعمل في مهن حرة فكان محاميا ثم موثقا وهي مهنة يمارسها حتى الآن.
حوار ـ مراد الطرابلسي

