في إحدى مقاهي بيروت، تتحلّق مجموعة من الشبّان حول طاولة مستديرة. مفاتيح، حقائب يد صغيرة، منفضة سجائر، فناجين قهوة وهواتف خلويّة من أنواع مختلفة تشكّل مجتمعةً «ستة عملاء يجلسون بيننا» كما يقول أحدهم في إشارة إلى انكشاف أمر شبكة عملاء الخلوي في لبنان.
ومابين قائل إنه بالإمكان إجراء اتصال بأحد المواطنين من خلال رقم هاتفه، فإن كثيرين من اللبنانيين باتوا يشعرون بثقل هواتفهم الخلويّة في جيوبهم حيث طرِحت أسئلة أخرى حول خصوصيّاتهم الهاتفية ومشاعر بالانكشاف وتخوّف من الأعطال التي طرأت على شبكة الهواتف الخلوية مؤخراً.
وإثر توقيف العميل الثاني في شركة «ألفا» طارق ربعة ارتفعت أصوات المشتركين في «ألفا» طارحةً أسئلة عديدة. كثيرون تساءلوا: هل يقف الأمر عند حدود «ألفا» أم أن ال«إم تي سي» مكشوفة أيضاً؟. وماذا عن شبكة الهاتف الثابت «أوجيرو».
يجزم بلال أنه اتصل قبل وصوله إلى المقهى بصديقه ياسر ليخبره بأنه سيتأخّر إلا أن رجلاً آخر ردّ على الهاتف متحدّثاً بلكنة غريبة، فاعتقد أن صديقه يمازحه ووجّه إليه الشتائم «فأقفِل الخطّ!»، يقول بلال مستهجناً. ويرد صديقه ياسر قائلاً إنه بادر إلى الرد سريعاً بيد أن سيدة، يبدو من صوتها أنها طاعنة في السن، راحت تكيل له الشتائم وطالبته بعدم الاتصال بابنتها مجدّداً !!.
يطول نقاش وجهتَي النظر ويقفز إليه الشقّ الأمني والذي تتولّى رندا التوغّل في تفاصيله قائلة: «لقد سمعت منذ أكثر من خمسة أعوام أن جنرالاً إسرائيلياً أعلن أنه يملك في كل منزل في لبنان عميلاً لجيشه ولاستخباراته. حينها لم أفهم مغزى حديثه لكن منذ أيام عرفت أنه قصد الهاتف الخلوي».
يكشف أحد الشبان عن طريقة مبتكرة لتفادي التنصّت: «مخطئ من يعتقد أنه في حال انتزع البطارية من الهاتف يتوقف مفعول التنصّت. يتوجّب على المرء أن ينتزع الشريحة ثم يلفّها بشريط لاصق». يستأذن بلال من زميله ليخبره مازحاً بأنه شعر بالسعادة منذ عرف أن إسرائيل تتنصّت على الهواتف الخلويّة.
وقال: «بت أنصب الفخّ تلو الآخر.. فتارة أبادر بفتح نقاشاً عسكرياً مع صديقي مستعيناً بمصطلحات عسكرية وأمنية وبصوت مرتبك متردّد لكي يشكّ في أمري». ثم يعلّق شاب آخر: «أنا استفدت أيضاً لكن بطريقة أخرى.
ففي أثناء بعض المكالمات الهاتفية، أعمد إلى تهديد أشكنازي وبيريز وأولمرت». وبكل بساطة، يجد اللبناني نفسه أمام «جاسوس» افتراضي يلازمه كجلده 24 ساعة يومياً في أدقّ خصوصيّاته مقوّضاً أمنه وجاعلاً منه هدفاً محتملاً للتعقّب..
وتبقى العبارة الذي قالتها منى أمام زملائها خير تعبير عما يجول في خواطر اللبنانيين هذه الأيام: «ربما نصل إلى يوم لا يبقى معه سوى العودة إلى الحمام الزاجل وسيلة أمان وحيدة للنجاة من هذا العالم الاستخباراتي والتقني غير المحمول».
بيروت- وفاء عواد
