بينما كانت طائرات كبار الشخصيات السياسية العالمية تتجه نحو العاصمة الأفغانية كابول لحضور المؤتمر الدولي للمانحين، كان سكان المدينة من الأجانب يفرون في الاتجاه المعاكس هاربين منها، قبل أن يتم إغلاق المطار وتكبل المدينة بالأغلال.

وفي الساعات التالية تم توقيف السيارات عند نقاط التفتيش، التي تم وضعها عند كل بضعة مئات من الأمتار، في إطار عملية أمنية أطلق عليها اسم «حلقة الصلب». والذين لم يغادروا المدينة من الأجانب تم منعهم من قبل أرباب العمل من مغادرة بيوت الضيافة التي كانوا يقيمون بها. لقد أراد منظمو المؤتمر الذي استمر نصف يوم فقط جعله مؤتمرا تاريخيا. ومن بين المؤتمرات الدولية التسع التي عقدت بشأن أفغانستان في السنوات التسع الاخيرة كان هو الأول الذي يعقد داخل الأراضي الأفغانية. وعلى الرغم من كل تلك الإجراءات الأمنية كان الدبلوماسيون المشاركون ينظرون شذرا، عندما يوجه إليهم سؤال حول ما إذا كان المؤتمر ستكون له نتائج إيجابية.

كان الإعلان الختامي للمؤتمر يتحدث عن الجهود لبناء دولة أفغانية أفضل تمويلا وأكثر كفاءة واقل فسادا. لكن خارج أروقة المؤتمر كان الموضوع الساخن الذي يدور حوله الحديث هو شيء آخر مختلف تماما، ألا وهو ما تحاشته الإدارة الأميركية حتى اللحظة من رغبة في صنع السلام مع حركة طالبان.

والسبب وراء ذلك أنه رغم حقيقة أن الحكومة الأفغانية باتت، أخيرا، قوية بما يكفي لكي تستضيف مؤتمرا من هذا النوع، فإن مستقبل هذه الحكومة، المطالبة بمواجهة تمرد اقوى من ذي قبل، يبدو مظلما بدرجة اكبر.

وقبل أيام من انعقاد المؤتمر قال دبلوماسي أوروبي متجهم «لا استطيع أن أجد سببا واحدا للموت من أجل أفغانستان. فالدولة التي عانت على مدى 30 عاما من الحروب بأشكالها المختلفة باتت مشكلة لجيرانها وليس لأوروبا. وأضاف «كان الأمر مختلفا قبل سنوات قليلة عندما كان معظم الناس يعتقدون أن النصر ممكن. لكن الآن التشاؤم هو المسيطر على الأجواء».

وذكرت كانديس روندو كبيرة المحللين في مجموعة الأزمة الدولية «أفغانستان باتت في حالة سقوط حر خارج السيطرة ولا احسب أن مقترحات تطرح خلال مؤتمر يستمر يوما يمكنها أن تحل المشكلة».

وخلص بحث أعدته جماعة غير حكومية أفغانية إلى ما يعتقده الكثيرون وهو أن برنامج التصدي للتمرد لن ينجح. ويرى البحث أن الزيادة الكبيرة للقوات الأميركية في جنوب أفغانستان هذا الصيف ما هي إلا «الختام الكبير» للتدخل الأجنبي، الذي يبدو أنه يلملم أطرافه للرحيل.

المشكلة الكبرى هي أن ما يسعى جنود الناتو لتحقيقه لا يمكن انجازه في الوقت المحدد وفق «الساعة السياسية» التي تدق في واشنطن والعواصم الصديقة.

وكان أحد كبار العسكريين الأميركيين في أفغانستان قد قال أخيرا إن أي خطة تصد لم تنجح ضد عدو يتمتع بملاذ آمن بحجم ذلك الذي تتمتع به طالبان وغيرها عبر الحدود مع باكستان. ليس غريبا إذن أن معظم الناس بما في ذلك الرئيس الأميركي باراك أوباما بدأوا يفكرون في إمكانية التوصل إلى نوع من التسوية عبر التفاوض مع المتمردين.

وصار من المسلم به في كابول القول إن الغرب سيضطر لتقديم تنازلات لطالبان لم يدر بخلده يوما تقديمها. بما في ذلك التخلي عن الجهود الغربية للضغط على طالبان بتقديم ضمانات لاحترام حقوق النساء، ومنحهن وضعا مساويا في المجتمع.

قليلون هم الذين يرون الموقف كما ينبغي مثل فرانسيس فيندريل الدبلوماسي الرفيع المتقاعد الذي خدم في أفغانستان ضمن فريق الأمم المتحدة في العام 2001 ثم عمل بعد ذلك ممثلا اعلى للاتحاد الأوروبي في كابول. وأبلغ فيندريل الغارديان، أخيرا، أن الجهود التي تبذل حاليا لإخراج طالبان من قندهار وهلمند هي عبثية، لأن هذه هي المناطق التي يجب تسليمها أولا.

روزنامة أفغانية

أحدثت خطة واشنطن للانسحاب من أفغانستان بدءا من يوليو المقبل دفعة كبيرة نحو إنهاء المهمة. وتنتظر الحملة الغربية استحقاقات ستحدد النجاح أو الفشل.

1- قدوم شهر رمضان والذي يخفف فيه المتمردون والقوات الحكومية حدة هجماتهم وهو ما سيهدئ من وتيرة القتال بعكس ما يرغب الأميركيون، الذين يريدون الاستفادة من تقدمهم الحالي.

2- الانتخابات البرلمانية في أفغانستان التي يصر الرئيس الأفغاني حامد قرضاي على إجرائها في سبتمبر المقبل برغم غياب الأمن في الكثير من المناطق.

3- قمة الناتو في شهر نوفمبر حيث ينتظر المجتمع الدولي نقل مسؤولية الأمن للأفغان.

4- حلول الشتاء من ديسمبر وحتى مارس المقبل الذي يحد من قدرة القوات على التحرك.

5- تقييم الكونغرس لأداء المهمة العسكرية في يناير 2011 قبل خطاب حالة الاتحاد.

6- بدء أولى مراحل الانسحاب في يوليو المقبل.

قرار الانسحاب يثير ردود فعل متباينة

قضية انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان تعددت وجوه الاهتمام بها في الصحافة العالمية. فقد ركزت صحيفة التايمز على وجود انشقاق داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن تسليم المهام الأمنية للقوات الأفغانية. وتناولت صحف أخرى مسألة تراجع التأييد الشعبي في أوروبا للحملة في أفغانستان. كما تطرقت إلى تزايد التأييد الشعبي لطالبان في الداخل.

وقال محللون استراتيجيون إن الأمين العام للناتو كان يتمنى احترام تعهدات سابقة تم قطعها خلال مؤتمر الحلف السابق في استونيا في أبريل الماضي، عندما اتفق وزراء الحلف على بدء تسليم المناطق للأفغان بحلول موعد مؤتمر لشبونة. لكن مسؤولا غربيا قال إن هذا لن يحدث. وأضاف ان الجنرال ديفيد بترايوس القائد الجديد لقوات التحالف في أفغانستان لا يأبه بمؤتمر لشبونة».

وأضاف المسؤول إن القائد الأميركي يريد أن تكون هناك فترة انتقالية قبل بدء الخفض التدريجي للقوات المعتزم تنفيذه في يوليو العام المقبل.

وقال موظفون في مكتب بترايوس إن الجنرال مهتم بدرجة أكبر بجلسات الاستماع التي سيعقدها الكونغرس الأميركي في ديسمبر المقبل حول الوضع في أفغانستان بالإضافة إلى مراجعاته للعملية برمتها في يناير 2011.

وقالت التايمز إن الضغوط الشعبية تتعاظم في أنحاء أوروبا لتسريع سحب القوات من أفغانستان مما يدفع السياسيين لتقديم وعود بذلك، في الوقت الذي لم تكتمل الخطط المناسبة لذلك. وعانت الحكومة الهولندية من أشد هذه الضغوط وأكثرها قسوة، عندما انهارت بسبب خلاف حول طلب الناتو تمديد المهمة لعام آخر. والآن يتزايد الرأي العام في كل من ألمانيا وفرنسا وبولندا نحو تأييد الانسحاب ليضاعف الضغوط على السياسيين.

وقال أليكس نيكول من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن: «هناك حتما شيء يجري في أوروبا نابع عن وعود الرئيس الأميركي باراك أوباما التي أطلقها في أول ديسمبر الماضي بأن القوات الدولية ستبدأ بالانسحاب من أفغانستان بداية من منتصف العام المقبل». وأضاف أن من المنطقي أن تفكر الدول الأوروبية بطرق للانسحاب الفردي، لأن الضغوط ستتزايد لبدء هذا الانسحاب بمجرد توفر فرصة معقولة.

وبينما قالت الصحيفة إن الأفغان متخوفون من انسحاب غير مدروس كشف استطلاع للرأي أن حلف شمال الأطلسي لم ينجح في كسب قلوب الأفغان ولا عقولهم، وأن أكثر الناس في معاقل طالبان ينظرون إلى القوات الأجنبية بشكل سلبي، ويعتقدون أنها يجب أن تشارك في الحكومة.

لكن 55 % من الأفغان، الذين شملهم الاستطلاع الذي أجراه المجلس الدولي للأمن والتنمية - وهو مؤسسة بحثية - يعتقدون أن الناتو والحكومة الأفغانية سيكسبان الحرب ضد متمردي طالبان. وبني الاستطلاع على مقابلات أجريت الشهر الماضي مع 552 رجلا أفغانيا في إقليمي قندهار وهلمند في جنوب أفغانستان، حيث يجري بعض أعنف العمليات القتالية في البلاد.

كتاب مهم

في بحثه المستمر عن مصدر موثوق للتزود بالمعلومات عن تحركات المتمردين في أفغانستان وباكستان، عثر الجيش الأميركي من خلال تطبيق «سياسة القلوب والعقول» في المجتمعات الريفية على مؤلف فذ.

المؤلف ليس باكستانيا ولا أفغانيا وإنما هو أميركي يسمى غريغ مورتنسون. وهو ليس سياسيا ولا من القوات الخاصة، لكنه متسلق جبال تحول إلى العمل الإنساني.

وقد ألف مورنسون كتابا عنوانه «ثلاثة فناجين شاي» ليصبح هذا الكتاب مقضلا لكل أعضاء كبار القيادة العليا للجيش، حيث يحكي فيه تجربته الشخصية، التي تزخر بالكثير من الأسرار والمعلومات المهمة عن القبائل الأفغانية والباكستانية.

ترجمة ـ عصام بيومي

بقلم ـ جون بوني