أظهر اجتماع حلف «ناتو»الذي عقد أخيراً في لاتفيا أهمية دول البلطيق لمستقبل الحلف، وعلى الرغم من أن دول البلطيق الثلاثة لاتفيا واستونيا وليتوانيا صغيرة في حجمها إلا أنها مهمة جداً من الناحية الجيوسياسية، خاصة أنها من الدول الداعمة للولايات المتحدة وتقع على حدود روسيا.

وقد تعهد الحلف بشكل رسمي بحماية تلك الدول من أي اعتداء يقع عليها، حيث نصت المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي على ضمان أمن دول البلطيق، وأن أي اعتداء يقع على أي منها يعتبر اعتداء على الحلف.

بالإضافة إلى هذا فإن اتفاقية حماية الأجواء التي أطلقها حلف ناتو تنص على حماية أجواء تلك الدول من أية اعتداءات جوية يمكن لتلك الدول أن تتعرض لها من جانب روسيا، وهذا ما حدث بالفعل.

حيث وفرت دفاعات الحلف الجوية الحماية الكافية لدول البلطيق من اعتداءات الطيران الروسي المتكررة وغير المعلنة في عامي 2005 و 2007، إذ تقوم طائرات مقاتلة تابعة للحلف تابعة لنظام الإنذار السريع، بطلعات جوية دورية انطلاقاً من قاعدة «سياولياي» الجوية في شمالي ليتوانيا، والتي كانت تشكل أحد أضخم المطارات العسكرية في عهد الاتحاد السوفيتي السابق.

لكن على الرغم من أن وزير الدفاع الليتواني «راسا جوكنيفيسين» ضمن الدعم الأميركي عن طريق وزير الدفاع روبرت غيتس كما ضمن استمراريته حتى العام 2018 على الأقل، فإن التعهد الذي قام به «ناتو» بشكل رسمي لا يتجاوز العام 2014.

وأوضح في هذا الشأن أن الرسائل التي تصل حكومته من الحكومة الروسية إيجابية، غير أن خطوات عملية ينبغي أن تتبعها، وقال إن على روسيا أن لا تستمر في معاملتها بالطريقة نفسها التي كانت تعاملها بها في عام 1990.

وبالتالي فإن الطبيعة ذات النهاية المفتوحة والغائمة لمهمة «ناتو» في الذود عن حياض البلطيق، بالإضافة إلى التقرير الأمني الذي أعده كبار الخبراء في الولايات المتحدة الأميركية وعلى رأسهم مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، والذي أبدى استهانته بالخطر الروسي على دول البلطيق، كل هذا لم يزد تلك الدول إلا قلقاً.

من ناحيته أكد الأمين العام لحلف ناتو أنديرس فوغ راسموسين العام الماضي في مدينة «فيلينس»، الذي يسعى لكسب ود الروس وضمهم إلى الحلف، أن أي تقارب مستقبلي للحلف لن يؤدي إلى تهميش الجانب الأمني لدول البلطيق، كما أن الحلف لن يضحي بمبادئه الجوهرية لأي سبب كان.

توجهات حلف ناتو الجديدة تجاه روسيا واجهت تبايناً في الآراء من جانب الاتحاد الأوروبي، ففي حين تؤيد دول مثل فرنسا وألمانيا فكرة الشراكة مع روسيا، نجد أن دولاً أخرى مثل بولندا والتشيك ودول البلطيق تنظر لروسيا على أنها مصدر تهديد مستمر.

وعلى الرغم من أن موسكو انتهجت سياسات تقاربية وإعادة صياغة سياساتها الخارجية بحيث أصبحت أكثر ودية، إلا أن دول البلطيق لا تزال تتوجس خيفة منها، ويرفض حلف «ناتو» فكرة أي تهديد عسكري ينطلق من الأرض الروسية تجاه جيرانها.

كما حدث عام 2008 في الصراع الجورجي الروسي، في الوقت نفسه فإن روسيا تعتبر الحلف مصدر تهديد لأمنها القومي، كما أنها تشعر أن دول البلطيق تسيء معاملة الأقلية الناطقة بالروسية في دولها وتحديداً في لاتفيا واستونيا، لهذا أطلق الكرملين مئات التحذيرات كرد فعل لذلك.

تعتبر دول البلطيق الثلاثة لاتفيا واستونيا وليتوانيا دولاً مثالية في عضويتها للأمم المتحدة، فالدول الثلاثة فقدت أرواحاً في العراق وأفغانستان، ولكنها استمرت في إرسال قواتها لمناطق القتال من أجل دعم دور الأمم المتحدة في إرساء السلام، ففي العام الماضي كان عدد القوات الأمنية الأستونية العاملة في أفغانستان هو الأكبر في العالم مقارنة بعدد سكانها.