في طريقي إلى مدينة طبرقة الساحلية «170 كيلو متراً أقصى الشمال الغربي للعاصمة تونس» لقضاء يوم صيفي بامتياز، وفي الحقول الممتدة على طول الطريق، بلونها الذهبي الذي أكتسبته بعد انتهاء موسم الحصاد حينا وبين مزارع الزيتون والأشجار المثمرة حينا اخر.
لفتني مشهد غريب وهو عبارة عن خيم رثة تنتشر هنا وهناك وداخل تلك الخيام تسكن عائلات بأكملها، غرضهم في ذلك حتما ليس المتعة والاستجمام، لأن الطريقة التي يخيمون بها تحت أشعة الشمس الحارقة تقول عكس ذلك، كثافة وجودهم ألحت علي بأن أذهب إليهم لأعرف الظروف التي أجبرتهم على تحمل حرارة الجو، والعيش خارج إطار الحضارة.
وكأنهم من كوكب اخر، ملابسهم رثة، وملامحهم صحراوية خشنة فحرارة الشمس أحدثت شقوقاً عميقة في أيديهم وعلى وجوههم، فهم لا يعرفون أن العالم يعيش في القرن الواحد والعشرين ولا يهتمون بأخبار العالم ولا يعلمون أن أسبانيا توجت في ذلك اليوم بطلة على العالم في كرة القدم.
البداية كانت مع عائلة الحاجة «مريم صقر» الذين رفضوا في البداية أي أحاديث صحافية ورفضوا تصويرهم بالكاميرا العادية، حتى أن لهجتهم القاسية جعلتني أعود أدراجي ولكن في لحظة تفكير دعوني لمرافقتهم معللين رفضهم للحوار لوجودهم غير القانوني الذي يجعلهم عرضة للإبعاد من طرف أصحاب الأراضي في كل لحظة.
تضيف الحاجة مريم: «أعيش هنا مع زوجي الطاعن في السن وابني «كمال» الذي يملك 6 أولاد، وابنتي المريضة نفسياً، ورثنا مهنة تربية المواشي منذ القدم أي أن جد جدي كان يربي المواشي ويعيش بهذه الطريقة البسيطة، نحن نعيش كالبدو الرحل، فنسافر بمواشينا إلى أي مكان نجد فيه مرعى.
ونعيش بهذه الطريقة طوال عمرنا، تعودنا على الحياة في الخيم حتى أننا نملك بيتاً مبنياً بالأجر والأسمنت ولكن لا نسكن فيه ولا أحب المكوث فيه أكثر من يوم أو يومين في الشهر، الحياة بهذه الطريقة تشعرني بالحرية، كما أن المواشي التي نربيها هي مصدر دخلنا الوحيد، ولذلك يتوجب علينا رعايتها وتأمين الغذاء لها».
أما ابنها «كمال» وهو أب لستة أطفال أكبرهم فتاة في الثامنة من العمر يقول:» فتحت عيني على الحياة لأجد أنني أعيش في خيمة مع أهلي، أربي الماشية، ولذلك لا أجد في الأمر أي حرج.
وها أنا أربي أولادي اليوم على هذه الحياة، لأن رعاية الماشية في الوطن العربي ستشارف على الانقراض بسبب قلة المرعى وزحف الحضارة وانصراف الناس عن مهنة أجدادهم وهي تربية الماشية.
ويضيف. معظم الرسل والأنبياء كانوا يربون المواشي ويرعونها في الحقول والبراري، وهذه المهنة شارفت اليوم على الانقراض فالمناخ تغير ونفسية الناس تغيرت، فنحن نرعى الأغنام والإبل ونعيش في الخيم منقطعين بذلك عن العالم والتلفزيون والأخبار وذلك ليس من باب الفقر أبدا بل من باب التمسك بمهنة الأجداد وحفظها من الاندثار».
لا تعليم
وحول حرمانه لأطفاله من التعليم يقول: «أنا لم أحرمهم بل أرسلهم بداية العام الدراسي إلى البيت الذي نملكه مع والدتهم لتقوم بإرسالهم إلى المدرسة، فاثنان من أبنائي يدرسان وأنا كذلك درست من قبلهما والمهم في التعليم بنظري هو أن يعرف الشخص كيفية القراءة والكتابة.
وذلك كاف جدا ولكن تبقى عائلتنا وفية لهذه المهنة، وسيواصل أبنائي عني هذه المهنة حتى بعد تعليمهم، وأحرص على استقدامهم مع والدتهم في كل العطل والمناسبات ليعيشوا معنا في الخيم ويتعودوا على هذه الحياة البسيطة».
الغريب أن الحاجة مريم لها ابنة في أول الثلاثينات تدعى مفيدة وهي مختلة عقليا ولا تتلقى أي علاج يذكر، تقول والدتها عنها: نضطر في الليل قبل أن تخلد إلى النوم لربطها بحبل في إحدى أعمدة الخيمة لأنها كثيرا ما تأتيها نوبات نفسية تجعلها تهرب راكضة إلى المجهول فنضطر إلى الركض خلفها والبحث عنها.
وهنا سألنا الحاجة مريم عن السبب في عدم عرض ابنتهم على طبيب مختص فأجابتنا بأنها فعلت ذلك من قبل ولكن الطبيب أصر على أن تبقى مفيدة في مستشفى للرعاية النفسية في العاصمة وهو الشيء الذي لا يتماشى مع طبيعة ترحالهم، فقرروا أن يتركوها معهم مهما كانت الظروف، وهي تعد لها بعض الوصفات العشبية المهدئة للأعصاب لتتناولها كل ليلة عوضا عن الدواء الكيميائي الذي لا يعترفون به».
خيمة أخرى
ومن خيمة مريم صقر الرثة انتقلنا إلى خيمة تبعد عنها 14 كيلومترا على الطريق حيث استقبلنا راع اخر يدعى «يونس» مع عائلته المكونة من 4 أفراد، زوجته وابنيه، ويونس يمتلك 14 رأسا من الإبل، وعددا كبيرا من الأغنام مما يعتبر ثروة مقارنة مع بعض البدو الآخرين، وهو رفض أيضا أن نصوره وبعد إلحاحنا عليه وافق أن نصور الخيمة من بعيد، لأنه يرفض أن يكون حديث الناس، كما يعتبر أن الصور قد تضر بحرمة بيته وعائلته:
يقول يونس إنه قدم إلى الشمال الغربي قادما من أقصى الجنوب التونسي «مدينة بن قردان» التي تبعد قرابة «550 كيلومترا عن العاصمة تونس»، ويقول عن ثروته الحيوانية الكبيرة، أنا أهتم برعاية الأبل بالأساس واتنقل في المراعي على مدار السنة لأوفر للمواشي التي أملكها الأكل الضروري.
كما أنني أعيش مع أسرتي بهذه الطريقة طوال حياتي، ولا تزعجني حياة البدو بل بالعكس فأنا أشعر براحة نفسية كبيرة وأنا اتنقل بين المراعي وأنام مع المواشي التي أملكها، ولا أهتم بأي شيء خارج هذا العالم الصغير الذي صنعته بنفسي».
وحول حياته اليومية والصعوبات التي تواجهه خاصة وهو أب لطفلين أحدهما رضيع يقول: «أصحو من النوم قبل شروق الشمس لأبدأ رحلتي مع الرعي فأتجول بالمواشي التي أملكها هنا وهناك.
وفي ذلك الوقت تقوم زوجتي بعجن الخبر بالسميد وطبخه على الحطب، وتنظف الخيمة برش الماء على التراب، وتغسل الملابس ببعض المياه التي نجلبها مرة في الأسبوع من أقرب مدينة نجاورها، ووقت الغداء أذهب إلى خيمتي لأشرب لبن الناقة مع الخبز والزيت، ومن ثم أعود لعملي، حتى الغروب، وأحرص يوميا على توفير مستلزمات الخيمة من موارد أولية كالسميد والسكر وماء الشرب».
وفي حال مرض أحد أبنائي اقوم بطهي بعض الأعشاب التي نجلبها من الغابة والجبال المجاورة ونقوم بحفظها لوقت الحاجة، كما أن أولادي أصبحت لديهم مناعة ذاتية تحميهم من الأمراض، وصحتهم أفضل بكثير من صحة أهل المدينة».
وبالقرب من خيمة «يونس» توجد خيمة أخرى يسكنها الحاج «بشير» مع بناته الأربع، درصاف، راضية، عربية، سعيدة، هن أربع فتيات غير متزوجات، يرعين والدهن وماشيتهن، عندما ذهبنا إليهن كان استقبالهن جافاً ولكن سرعان ما أستأنسو بنا وعن قصتهم تقول درصاف وهي أكبرهن:» نحن نعيش بهذه الطريقة منذ عقود طويلة فمهنة الرعي هي مهنة أجدادنا، وقد كان أبي يتولى مهمة «السروح» أي الرعي.
ولكن بعد أم كبر في السن ووفاة والدتي أصبحنا نرعى الماشية فنلبس ملابس ذكورية بحته وننطلق في الرعي بالتناوب مع أخواتي البنات، ونحضر الماشية لنبيعها في موسم عيد الأضحى أو قبل شهر رمضان المبارك، وبذلك المدخول نعيش كامل السنة، ونحن نملك رصيدا بنكيا محترما تقوم أختي الصغرى سعيدة وهي الوحيدة التي تعلمت بمراجعته كل فترة لتطمئن عليه».
وإن كانت هي وأخواتها يحلمن بفستان أبيض وبيت وأسرة كما كل الفتيات تقول درصاف:» طبعا فالزواج هو طموح كل امرأة ولكن أنا وأخوتي حينما نقرر الزواج فسنتزوج من هو في نفس ظروفنا، وبعد أقل من أسبوعين ستتزوج أختي راضية براع قرر أن ينشأ خيمة مجاورة لنا».
تونس ـ ضحى السعفي
