ظل موضوع زواج القاصرات وتحديد سن الزواج مثار جدل واسع في كثير من المجتمعات العربية ومنها السعودي بمختلف فئاته وخاصة النساء وعلماء الدين والمثقفين والجمعيات الحقوقية والاجتماعية، وذلك بسبب عدم وجود نصوص شرعية تمنع تحديد سن الزواج في الوقت الذي تطالب فيه منظمات المجتمع المدني والمثقفات السعوديات بضرورة تحديد سن للزواج.
وكانت القضية المثيرة للجدل قد تفجرت عند قيام أب سعودي من مدينة عنيزة «45 كلم شمالي الرياض» بتزويج طفلته ذات التسعة أعوام لرجل خمسيني قبل أكثر من عامين، دون علمها أو أحد من أقاربها بما فيهم والدتها، لتكتشف الأم لاحقاً زواج ابنتها، وهو ما جعلها تطالب بإبطال عقد النكاح، في حين برر الأب تزويج ابنته في هذه السن بالمحافظة عليها وحماية مستقبلها، غير انه قدم طفلته كجزء من قضاء دين عليه، مقابل مهر يقدر ب30 ألف ريال يخصم من قيمة المبلغ المستحق على والد الطفلة. وفيما تمسك الزوج «الدائن» بالطفلة راغباً في إبقائها زوجة له رغم صغر سنها، ولكن أمير منطقة القصيم الأمير فيصل بن بندر أنقذ الموقف عند استقباله الزوج في مقر الإمارة، ونجح في التوسط لإنهاء الزواج. وقد طالب ناشطون حقوقيون ومثقفات سعوديات بضرورة إصدار تشريعات قانونية لتجريم زواج القاصرات.
بحيث يبدأ من 18 عاماً، حتى لا يتم استغلال الأطفال في زيجات تقوم كلها على مصالح مادية أو شرفية، وناشدوا في هذا الصدد هيئة كبار العلماء المسؤولة رسمياً عن إصدار الفتاوى الدينية لإصدار فتوى تحرم زواج القاصرات.
وقال الباحث الاجتماعي د. فيصل العاني انه لا يجوز تزويج الفتاة القاصر دون سن الخامسة عشرة، مستدلاً بقول الرسول: «تستأذن البكر وتستأمر الثيب»، وأنه لابد أن تكون الفتاة بالغة راشدة وذلك لا ينطبق على من لم تبلغ الـ 15 عاماً.
وأشار العاني إلى أنه يحق لولي الأمر أن يمنع زواج القاصر، وقال: «من باب السياسة الشرعية فإنه يحق لولي الأمر أن يصدر قراراً بمنع زواج القاصر، والتي لا يجوز تزويجها إلا بموافقة القاضي وولي أمرها، مع تشكيل لجنة طبية تفيد بأنها تصلح للزواج وأن ذلك قد يكون في مصلحتها».
وقال إن القاصر المتزوجة أكثر عرضة للشعور بالحرمان العاطفي في البداية، بسبب البعد المبكر عن الوالدين وحرمانها من أن تعيش فترة الطفولة الطبيعية، لذا نجدها وعند التعرض لأي ضغوط بسيطة ترتدّ لتلك المرحلة وتعاني من الاكتئاب والقلق.
وبعد سنوات من الزواج وعند بلوغها سن النضج الحقيقي، تجد نفسها أمام مرحلة أخرى من الحرمان العاطفي بسبب كبر سن الزوج الذي أصبح عاجزاً عن تلبية احتياجاتها الزوجية والنفسية». ورأى العاني أن البنت القاصر «ليس لها إرادة مُكتملة.
ويكون الرضا عن الزواج بيد وليها (الأب)، ويجب أن تكون موافقته مرتبطة بالمصلحة التامة التي تعود على البنت، وليس عكسها، كما حدث مع طفلة «عنيزة»، التي لعبت فيه المساومات المالية دوراً كبيراً في إكمال الزواج، لناحية إسقاط دين عن ولي الأمر (والد الطفلة)، أو حالة انتقام من الزوجة الأولى (أم الفتاة)، بتزويج ابنتها، والتخلص منها بهذا الشكل».
ضرورة التصدي للظاهرة
ومن جهاتها طالبت الناشطة الحقوقية والكاتبة الإسلامية سهيلة زين العابدين حماد بضرورة التصدي لظاهرة تزويج القاصرات التي تنتشر في بعض المحافظات والقرى السعودية ووصفت بعضها بأنها صفقات يتم فيها بيع القاصرات لكبار السن من الميسورين تحت مسمى الزواج،
وقالت سهيلة وهي عضو في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية أن هذا النوع من الزيجات «يتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها السعودية. لكن عدم وجود قوانين مكتوبة يقف عقبة أمام تطبيق مثل هذه القوانين الأسرية، التي تصب في صالح الطفولة ورعايتها».
وأضافت تقول رداً على من يستشهد بزواج الرسول صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة رضي الله عنها، وهي ابنة تسع سنوات، وهو في سن الخمسين «من خلال دراسة قمتُ بها وأخضعتها لعلمي الجرح والتعديل تبيَّن ضعفها، فلم يرد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدد سن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عند زواجه منها، وقد اختلفت الروايات في تحديد عمرها عند خطبتها وزواجها به».
ورأت سهيلة حماد أن ثمة أسباباً عدّة مسؤولة عن زواج القاصرات، ومن بينها الفقر، إذ أثبتت دراسات «منظمة الصحة العالمية» أنه يعدّ من بين أشهر الأسباب الدافعة نحو الزواج المبكر، وينظر إليه بعض الأهل انّه نوع من الصفقة المالية التي قد تجني لهم أرباحاً مادية أو تسدّ ديوناً مستحقة عليهم.
وأضافت تقول «ثمة سبب آخر يتعلّق بالاعتبارات الخاصة بالشرف والأخلاق، فنجد أن زواج القاصرات ينتشر في البلدان المتشددة والتي تنظر إليه كحافظ لسمعة البنات، وردعهن ومنعهن من ممارسة الجنس خارج إطار مؤسسة الزواج».
وقالت «سبق أن ناشدت وزير العدل السعودي الإسراع بالنظر في إمكانية الحيلولة دون حالات تزويج صغيرات، نظراً إلى حجم الآلام النفسية والجسدية التي تلحق بهن، وإمكانية تحديد سنّ أدنى للزواج بحسب معطيات الوقت الراهن. ووصفت سهيلة حمّاد حالات الزواج بالصغيرات بـ «النزوات»، لافتة إلى وجوب معاقبة من يتورط في إجبار فتاةٍ صغيرة على الزواج.
ورأت أن زواج الصغيرات من مسنين سوف يسهم في زيادة نسبة أميتهن، وسيؤدي أيضاً إلى ارتفاع نسبة الطلاق، وقالت «سيصبح لدينا «مطلقات وأميات صغيرات»، بل وأرامل صغيرات، سيضر بالأجيال المقبلة، فإن كانت الأم هي بذاتها تحتاج إلى تربية لعدم اكتمال تربيتها، فكيف ستربي أولادها».
وقالت إن زواج الصغيرات من مسنين سيؤدي أيضاً إلى انحرافهن إن بلغن سن النضج النفسي والجسدي عند عجز الزوج المسن عن إعطائهن حقوقهن الشرعية، وقد يؤدي الأمر إلى قتل الزوج، أو الانتحار، فزواج الطفلة من رجل مسن، خاصة إن كان لديه عدة زوجات، وأولاد وأحفاد ربما أكبر من الزوجة صغيرة السن، وتساءلت هل تستطيع تلك الطفلة أن تعيش في مثل هذه الأجواء؟؟.

