عندما عرفت الأم أن ابنتها أصبحت بالغة، حتى أسرعت بعقد قرانها في الشهر الذي يليه. وفي الشهر الذي بعده أقيم حفل زفافها. ووفق العادات الأردنية بعد الأسبوع الأول من الزواج، أمّ الأقارب تشكيل الأسرة الجديدة لتقديم التهاني. وفي إحدى الزيارات قام شقيق «الزوجة الطفلة» بزجرها والطلب منها الدخول الى البيت لاستقبال المهنئين، وذلك لأنها كانت تلهو وتلعب في الخارج مع صديقاتها الصغيرات.

«آمال» لم تبلغ سن 14 بعد، وقد نضجت فسيولوجيا في بيت زوجها الذي يبلغ عمره 34 عاما. وقد مضى على ذلك الزواج عشر سنوات.

المفاجأة ان الزوج، وبعد خمس سنوات، أبلغ زوجته الطفلة بأنه يريد الزواج بأخرى، لانها لا تنجب، ولكن، وبعد أن أجرى الفحوص الطبية له ولزوجته الطفلة اكتشف أنه عقيم.

سجلت في الأردن 5349 حالة زواج لفتيات دون سن الثامنة عشرة خلال العام الماضي أي بنسبة ثمانية بالمئة من حالات الزواج التي بلغت في العام نفسه (64738) وذلك وفقا لمفتش المحاكم الشرعية في دائرة قاضي القضاة الدكتور واصف البكري، الذي اضاف أن عام 2008 شهد 9014 حالة زواج لقاصرات أي بنسبة 5ر13 بالمئة من مجموع حالات الزواج التي بلغت لذات العام 66581 حالة.

شقيقة آمال الكبرى تزوجت بالطريقة نفسها، ولكنها كانت قد انجبت فتاة، وهي لاتزال في سن الخامسة عشرة. وكما وقع معها فعلت مع ابنتها الطفلة فلم تنتظر كثيرا حتى زوجت طفلتها وهي لم تتعد 13 عاما، وبدورها أنجبت طفلة اسمتها «فدوى». كل ذلك ليس بشيء، أمام ما حدث، ليس لجدة «فدوى»، ولكن لأم جدة فدوى التي تبلغ الآن من العمر 47 عاما.

ووفقا لتلك المصادر، فإن أم الجدة أنجبت 10 من الابناء والبنات. وللمفارقة عندما أراد ابنها الزواج تزوج فتاة تبلغ من العمر 20 عاما فاعتبرت في اوساط العائلة «العروس العجوز».

كان سن الزواج في المملكة قبل عام 2001 م 15 عاما، لكن تعديلا طرأ على المادة المعنية في قانون الاحوال الشخصية الذي اشترط ان يكون كل من الخاطب والخاطبة قد اتما سن الثامنة عشرة الشمسية.

ولكن ما يقع على الارض وفقا للتجارب ان العائلة التي تصر على تزويج ابنتها في سن مبكرة، تتفق مع عاقد القران بان يسجل عمر الزوجة بانه قانوني. وحسب تجارب الواقع، فليس لأحد مصلحة في التدقيق على عقود الزواج جميعها، وبهذا يمضي الامر وكأنه لا وجود لقانون يمنع زواج القاصرات.

ووفقا للقانون الاردني الحالي والمقترح فان سن الزواج هي الثامنة عشرة الا انه يترك لتقدير القاضي تحديد سن الزواج لحالات خاصة، اذ يجوز له الاذن بزواج من اكملت ال15 عاما من عمرها ورأى في ذلك الزواج مصلحة تحدد اسسها بمقتضى تعليمات يصدرها قاضي القضاة لهذه الغاية.

ووفق مفتش المحاكم الشرعية في دائرة قاضي القضاة الدكتور واصف البكري فان القاضي يوافق على تزويج من هم دون سن الثامنة عشرة لاسباب عديدة منها ان يكون الخاطب كفؤا للمخطوبة من حيث القدرة على الانفاق والمهر، وان يكون في ذلك الزواج درء مفسدة بهدف الستر.

ورفع سن الزواج الى 18 كما يوضح ليتوافق مع حق الفتاة في التعليم المدرسي ويرافق التطورات الاجتماعية والاقتصادية ومنها غياب الاسر الممتدة.

زواج قاصرات ولكن

ولكن ما يعانيه الاردن حاليا ليس في ملف زواج القاصرات، وإن كان موجودا. تقول جميع الدراسات والارقام الرسمية وغير الرسمية ان ما تعانيه الفتاة الاردنية العنوسة وليس الزواج المبكر، وهو ما أفرز تحديات يحذر من تداعياتها علماء الاجتماع الاردنيون.

يقول استاذ الاجتماع حسين الخزاعي انصح صانع القرار قبل تناول ملف زواج القاصرات رعاية مشكلة العنوسة بين النساء في الاردن، وارتفاع حالات الطلاق، وارتفاع تكاليف الزواج وتكاليف المعيشة.

ويضيف: من كل 5 حالات زواج في الاردن توجد حالة فاشلة واحدة. ويعلق على ذلك بالقول: هو رقم خطير، وقبل الحديث عن زواج القاصرات علينا البدء بالبحث فورا عن حلول للمشكلات الاجتماعية الاخرى. ومنها ارتفاع سن الزواج للشاب الى 30 عاما والفتاة 27 عاما وهو ما يعني ان يعيش الشاب والفتاة فترة 15 سنة في المراهقة دون تنظيم او متابعة في ظل فوضى جنسية عارمة تجتاح العالم، والحاجة الطبيعية الى الجنس.

ومن اجل ذلك كله، ثمن مجلس علماء جماعة الإخوان المسلمين الدور الذي قامت به دائرة قاضي القضاة في استشارة أهل العلم فيما يتعلق بسن قوانين تحد من زواج القاصرات في مشروع قانون الاحوال الشخصية الذي يجري مناقشته بين مؤسسات المجتمع المدني.

فيما طالب المركز الوطني لحقوق الإنسان بالاشتراط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب أو المخطوبة قد أتم كل واحد منهما الثامنة عشرة، إلا انه يجوز للقاضي أن يأذن بزواج من أتم السادسة عشرة إذا كان في زواجه مصلحة ظاهرة انسجاما مع اتفاقيات العمل الدولية وقانون العمل الأردني الذي لم يجز العمل لمن يقل عمره عن 16 سنة، الأمر الذي يؤثر في حق الزوجة في النفقة وقدرة الزوج على الإنفاق.

وطالب المركز بتعديل الاحكام المتعلقة بزواج الثيب فيما يتعلق بالمهر ومساواتها بمهر المثل حفاظا على حقوقها ولكي لا تتعرض المرأة الثيب إلى الاستغلال، والإبقاء على النفقة للزوجة التي دخلت السجن وكانت متعدية في سبب سجنها إلى أن تثبت إدانتها بحكم يكتسب الصفة القطعية، وطالب بمعالجة موضوع المسكن المملوك على الشيوع بين الزوجين، ورفع سن الحضانة سواء للذكور أو الإناث إلى سن الثامنة عشرة انسجاما مع اتفاقية حقوق الطفل.

وأدلت النقابات المهنية الأردنية بدلوها هي الاخرى حيث اعربت عن ارتياحها وتأييدها للبنود الواردة في مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، داعية مجلس الوزراء لاقراره ليخرج الى حيز التنفيذ في القريب العاجل.

وقالت النقابات المهنية في بيان موقف أصدرته: إن احتواء مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد على جملةٍ من المواد المعدلة يشكل إضافة نوعية الى القانون السابق من ناحية الوضوح والواقعية والشمولية، وانصاف المرأة والرجل ومراعاة حقوق الأبناء في العديد من القضايا التي كانت مثاراً للجدل سابقاً.

وكانت لجنة المرأة في مجمع النقابات المهنية عقدت العديد من الحلقات النقاشية بالتعاون مع دائرة قاضي القضاة والمحامين المختصين والناشطين في هذا المجال لإبداء الرأي والمشورة حول مسودة مشروع قانون الاحوال الشخصية الذي يعتبر من القوانين الأساسية والناظمة للأسرة والمجتمع.

وجاءت هذه القراءة لمسودة المشروع استجابة لإعلان دائرة قاضي القضاة الذي دعا ذوي الاختصاص والمهتمين الى دراسة مواد المشروع وابداء آرائهم ومقترحاتهم حوله وللاضطلاع بمسؤولية المشاركة في هذا المشروع الحضاري الوطني.

وخلصت اللجنة الى أن مشروع قانون الأحوال الشخصية لعام 2010 هو مشروع متميز ويمكن بيان تميزه من وجوه عديدة منها المرجعية الدستورية والشرعية حيث نصت المادة 106 من الدستور الأردني على تطبيق المحاكم الشرعية في قضائها احكام الشرع الشريف فكانت مواد قانون هذا المشروع مستمدة من الشريعة الاسلامية بمذاهبها المختلفة.

ووفق لجنة المرأة فان احكام المشروع جاءت لتلبي حاجات الأسرة والمواطن العصرية والاستفادة من التطور العلمي والتكنولوجي في التطبيق العملي لنصوص القانون، اضافة الى مراعاتها المصالح المشتركة للأسرة من حيث التيسير ورفع الحرج والمشقة، والتكامل والشمول فغطت موضوعات الاحوال الشخصية كافة.

ووفق لجنة المرأة فان دائرة قاضي القضاة تعمل على اجراء تعديلات مهمة على التشريعات الناظمة لعمل المحاكم الشرعية كقانون اصول المحاكمات الشرعية والنيابة العامة للمحاكم الشرعية وقانون تشكيل المحاكم الشرعية وقانون التنفيذ الشرعي بالاضافة الى استكمال التشريعات الخاصة بتشكيل لجان الإصلاح والارشاد الأسري.

عمّان ـ لقمان اسكندر