انحسرت في السنوات الخمس عشرة الأخيرة ظاهرة الزواج المبكر في المجتمع الفلسطيني، إلا ان أحداث الحرب الصهيونية الأخيرة أي قبل أكثر من عام على غزة عادت مؤشرات زواج القاصرات للارتفاع بسب الأزمات المتنوعة التي خلفتها الحرب ويؤكد الخبراء أن القوانين الحالية كافية لعلاج الظاهرة لكنها تحتاج للتطبيق.

الدكتورة مي نايف الخبيرة فى شؤون المرأة (انحسر الزواج المبكر في الفترة السابقة قبل الانقلاب واستيلاء حماس على القطاع، والحرب على غزة، ولكن بعد الانقلاب ومع تدهور الأوضاع وجدنا الظاهرة تعود مجدداً).

وحملت السلطة المسؤولية عن انتهاج الزواج المبكر بقولها: انتشار ظاهرة الزواج المبكر ليست شأناً شخصياً بل الدولة مسؤولة عنها، فهي التي تلاحظ الخروج على القانون ولا تفعل شيئاً كما أنها لا تسن القوانين التي تتوافق مع التقدم العالمي الكوني من حولنا.

وتعزو عودة الظاهرة للانتشار لأسباب عدة، منها ما هو سياسي كالحرب الإسرائيلية والانقلاب الداخلي، ومنها ما هو اقتصادي حيث ازدياد الفقر والبطالة وهذا انعكاسه على المرأة مضاعف عنه على الرجل.

فالأب يمكن أن يضحي بتعليم البنت حتى يتعلم الولد، ويضحي بتعليمها لأن مآلها بيت زوجها، ولأنه يخاف عليها، كما يريد أن يتخلص من الإنفاق عليها بسبب ضيق ذات اليد.

وتتابع، من الأسباب أيضاً انحدار مستوى التعليم الذي له بالغ الأثر في اكتفاء الأهل بالقليل منه وتزويج البنت، وفي الوقت نفسه عدم وجود قوانين تردع الأهل حال إخراج بناتهن من التعليم لتزويجهن، يضاف إلى ذلك عدم وجود توعية في الإعلام تؤكد على أهمية تعليم البنت وعلى مخاطر الزواج المبكر.

ونبهت إلى أن الإعلام بتعدد قنواته جعل الكثير من الشباب وأهلهم يرغبون في تزويج أولادهم بسن مبكر. وأكدت الخبيرة أن الفتاه القاصر ذاتها تعتبر سبباً في نمو ظاهرة الزواج المبكر لان (البنت في هذه السن صغيرة لا تميز فهي تحلم أن ترتبط برجل وان تتزوج وتلبس الفستان الأبيض دون وعي لما يترتب على ذلك).

وتضيف سبباً آخر بقولها تساهل السلطة في الزواج المبكر وتساهل رجال الدين حين يحكمون على البنت من شكلها ويوافقون على تزويجها حتى قبل أن تحصل على الهوية (سن البلوغ القانوني) ما سهل على الناس الخروج على القانون.

وقد أظهرت دراسة حديثة أن ما نسبته 37% من عقود الزواج في غزة كان سن الزواج فيها أقل من 17 عاماً.

واعتبرت أهم الأسباب لتلك الظاهرة «هو التسرب من المدارس والأوضاع الاقتصادية السيئة». وحذَّرت الدراسة التى اعدها برنامج غزة للصحة النفسية من مخاطر الزواج المبكر.

وذكرت ان 14% من حالات الزواج للقاصرات في قطاع غزة انتهت إلى الطلاق، فضلاً عن أن أكثر من 40% من النساء المتزوجات في سن مبكرة (اقل من 17 عاما) يعانين من مشكلات صحية مختلفة وآثار نفسية واجتماعية، بما ينعكس سلباً على الأطفال ثمرة ذلك الزواج، حيث يمثلون الضحية الأولى له.

وتقول الدكتور نايف الزواج المبكر تسبب في الكثير من المشاكل كما كان سبباً في ازدياد نسبة المطلقات وتعدد الزوجات وانتشار الأمية والفقر وانخفاض مستوى التعليم فالأم غير المتعلمة لا تعتني بإنشاء جيل متعلم كما أن فهمها للحياة مختلف بسبب صغر السن والجهل وذلك يلحق بالأسرة الضرر اجتماعياً واقتصادياً.

من جهته قال الباحث الاجتماعي محمد العقاد،: يضطر رب الأسرة للموافقة على زواج ابنته التي لا تتجاوز 17 من عمرها، فوراً. ويعتقد بذلك أن دوره انتهى بمجرد انتقالها إلى بيت الزوجية، لكن هذا الزواج سرعان ما يبدأ بعدة مشاكل ومن ثم ينتهي إلى الطلاق، وبذلك يزيد عبء أهل المطلقة اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً بسبب نظرة المجتمع إليها.

تجارب قاصرات

ومن تجارب زواج القاصرات نقتطف حالة «سهى م» التي تقول تزوجت شاباً كغيري من الفتيات، لكنني لم انجح، ولم تمر سنة واحدة من زواجنا، حتى عدت إلى بيت أهلي مطلقة ولأن وضعنا المادي صعب جداً، وافقت على الزواج مرة أخرى لكن برجل تجاوز الـ 60 عاماً، لكنه ما لبث أن توفي بعد أشهر من زواجنا، لأعود أدراجي إلى بيت أهلي لأصبح أرملة وكشفت قائلة اضطررت أن أمثل دور المجنونة والمعقدة نفسياً، كي أتخلص من إلحاح والدي وإخواني على الزواج مرة ثالثة برجل تجاوز الـ 70 من عمرهً.

وحتى اللحظة يعتقد أهلي أنني فعلاً مجنونة، وأنا أفضل ذلك الحال على الزواج من عجوز. وتستطرد سهى جرّبت الزواج مرتين، ولم انجح ولست قادرة على خطوة ثالثة.

وفي ذات السياق تتعدد الأمثلة التي تؤكد ان الفتاة القاصر غير مؤهلة لحياة زوجية، أو تكوين أسرة.

وذلك ما تؤكده حكاية الفتاة القاصر «أريج ع» التي حملت ذهبها يوم زفافها وهربت هائمة في الشارع ودخلت منزلاً لا تعرفه، طالبة حماية أصحاب البيت الذين كانوا يتناولون وجبة الغداء فقامت العروس القاصر بوضع ذهبها في الطعام وتظاهرت بالأكل، ثم خبأته تحت سرير في البيت الذي حلت عليه ضيفة، وما كان من أصحابه إلا الاتصال بوالد العروس وتسليمها له.

غزة - ماهر إبراهيم