«أبدا لم يكن زواجا.. بل كان كابوسا مزعجا.. لم أشعر فيه يوما بالسعادة التي كنت أسمع عنها، فمن تزوجته أكبر مني في السن.. وما سمعته قبل الزواج شيء.. وما رأيته بعد الزواج أمر آخر. إنه الذل والهوان بعينه» هكذا وصفت أمل التي تبلغ من العمر الآن 16 عاما تجربة زواجها منذ أكثر من عامين على أحد الأثرياء المسنين.

أمل تعيش في منزل أقل من المتواضع مع أربعة أشقاء آخرين، والأب يعمل باليومية، يوما يعمل وعشرة لا، وأم تحاول مساعدة زوجها عبر العمل بالمنازل، تقول «اضطر أبي تحت ضغط الحاجة، ومطالب أشقائي ورغبتهم في تحسين أوضاعهم وتعديل حالتهم المتدنية، قبول عرض أحد السماسرة في تزويجي من أحد الأثرياء على اعتبار أن ذلك سيمثل نقلة كبيرة في حياتنا ويضمن لي مستقبلا أفضل من حياة الفقر التي تنهش في عظامي.

وأمام إلحاح السمسار اقتنع أبي وأمي على تزويجي أنا الطفلة من رجل يقترب من السبعين وقد أغدق علينا بالهدايا والأموال التي أزاغت أبصارنا، وجاء الترحيب كبيرا لإتمام الزيجة وبالفعل حدث ذلك وبسرعة في إحدى الشقق المفروشة بأحد أحياء الجيزة، ثم اصطحبني معه إلى بلده لنعيش معا.

تقول أمل « لم أشعر يوما أنني كنت زوجة.. وإنما مجرد خادمة بلا أجر.. وذلك في أحسن الأحوال..

لم يكن يجمعني بزوجي سوى السرير للحظات، هي أتعس لحظات حياتي. ثم يتركني ويذهب إلى غرفة أخرى لينام فيها، كانت كل وظيفتي هي خدمته وخدمة المنزل، ثم خدمة أولاده عندما سافرت معه إلى بلده.. كنت أعتقد أنه تزوجني فقط ليوفر ثمن الخادمة وليتفنن في تعذيبي. لم يكن إنسانا في أي يوم.. حتى مرضت وخارت قواي. فقرر إعادتي لأهلي بملابسي التي ارتديها فقط.. وورقة تنهي علاقتي معه».

نعم لقد انتهت العلاقة معه، ولكن بدأت علاقة تعاقدية أخرى مع الحزن والاكتئاب وعدد لا ينتهي من الأمراض النفسية والجسدية وقائمة طويلة من الهواجس والمخاوف. انتهت علاقتي التعاقدية معه.. ولكنها لم تكن الأخيرة التي تنتهي بين فتاة قاصر وزوج مسن يشتريها بماله ليشبع شهوته الجسدية ورغبته الانتقامية. لن تكون الفتاة الأخيرة التي تتجرع ذلك الكأس طالما بقيت الظروف الاقتصادية والاجتماعية كما هي، ومن الصعب أن تتغير.

الاتجار بالبشر

تؤكد الدكتورة عزة العشماوي مدير وحدة الاتجار بالبشر وزواج القاصرات في وزارة الأسرة والسكان،على خطورة ظاهرة زواج القاصرات لما تمثله من مخاطر نفسية وصحية على الفتيات، معتبرة تلك الظاهرة نوعا من العبودية لا يقبله لا شرع ولا دين، مشيرة إلى أن العام الماضي فقط شهد زواج 9300 قاصر وهذا ما تم اكتشافه فقط.

وقالت إن بعض الأسر تلجأ لذلك إما لضيق ذات اليد فتضطر إلى ذلك للتخلص من أعباء تلك الفتاة ولتحسين أوضاع الأسرة المالية، أو وفق تقاليد اجتماعية سلبية تنتشر في الريف المصري، خاصة مع انتشار ظاهرة التسرب من التعليم للفتيات.

وأكدت العشماوي على أن الدولة ووزارة الأسرة والسكان تولي اهتماما كبيرا لتلك الظاهرة ولذلك عمدت إلى تشريع قانون يجرم زواج القاصر، وأحالت الكثير من تلك الزيجات للنائب العام للتحقيق وصدرت فيها أحكاما بحبس عدد من المأذونين الذين حرروا عقود التوثيق بالمخالفة للقانون.

وأشارت إلى أن الوزارة تخصص عددا من الخطوط الساخنة لتلقي الشكاوى في هذا الصدد على مدار 24 ساعة منها خط مشورة الأسرة وخط نجدة الطفل وقد ساعد ذلك كثيرا في كشف الكثير من زواج القاصرات، وأنه يجري تدريب العديد من الكوادر للتعامل مع الظاهرة ونشر التوعية بالتعاون مع وسائل الإعلام المختلفة ووزارة الأوقاف والشباب والثقافة وجميع الهيئات ذات الصلة.

سبب رئيسي

من جانبها، أكدت رئيس مجلس الشباب العربية للتنمية المتكاملة أمين المرأة بمحافظة حلوان مشيرة أبو غالي، أن الحالة الاقتصادية المتدنية تعد هي السبب الرئيسي لظاهرة زواج القاصرات، إذ تلجأ الأسر الفقيرة إلى تزويج ابنتها القاصر من رجل ثري أيا كان عمره للتغلب على مشاكلها الاقتصادية وأملا في ضمان مستقبل أكثر حالا.

وأشارت إلى أن الأسرة بذلك ترتكب أكثر من خطأ، وتخلق مشكلة نفسية للقاصر لأنها تحرم من أن تعيش عمرها كطفلة لها متطلبات ورغبات نفسية معينة، حيث يتم تحميلها أكثر من طاقتها كطفلة لا تعي حقيقة الأمور.

كما أنها تستهلك جسديا بما يؤثر على حالتها الصحية مستقبلا.مضيفة أن الفجوة السنية الكبيرة بين القاصر المتزوجة وزوجها الذي في الغالب الأعم يكون شخصا مسنا يجعل من المستحيل أن يكون هناك توافق وتفاهم بينهما، ويقتصر التعامل بينها على الناحية الجسدية فقط، ولذلك فإنه في الغالب تكون النتيجة الطبيعية لهذا الزواج هي الطلاق.

وتطالب رئيس مجلس الشباب العربية للتنمية المتكاملة بإيجاد حملات لتوعية الأسرة بتلك السلبيات والمثالب الناتجة عن زواج القاصر، ولابد من جهود للدولة تدعم الأسر الفقيرة وتوفر مصادر تمويلية لها حتى تتمكن من إقامة مشروعات اقتصادية مدرة للدخل حتى لا يضطروا إلى تزويج بناتهم القصر، وكذلك دعم القاصرات خاصة وأن أغلبهن يكن متسربات من التعليم.

وشددت على أهمية أن تتناول حملات التوعية تلك الأبعاد الدينية والصحية والنفسية والتعليمية للفتاة حتى تكون متكاملة وناجعة وتستطيع أن تشعر الأسرة بالمردود السلبي لتلك الخطوة وبالتالي تؤتي ثمارها.

القاهرة - عماد الأزرق