يرعى الدكتور سعيد اللاوندي رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن التوتر القائم بين تركيا وإسرائيل لا يعدو أن يكون خلافات في وجهات النظر نتيجة تصادم السياسات، ولم ترق إلى الخلافات الاستراتيجية، نظراً للمصالح المشتركة بينهما.

وقال أن تركيا بالفعل كشفت عن نواياها في أن تكون دولة فاعلة ومؤثرة في المنطقة لا تكتفي فقط بعلاقاتها في الشمال، سواء كانت مع الاتحاد الأوروبي أو أميركا، ولكن تريد أن تكون شريكاً في القرارات التي تؤخذ في منطقة الشرق الأوسط. وأوضح أن ذلك الأمر يزعج إسرائيل، باعتباره تصادماً في السياسات، ولكن لا يتصور أن يستمر هذا الخلاف طويلاً. ونفى اللاوندي أن يكون هناك تناقض أو تعارض في العلاقات التركية مع كل من إسرائيل والدول العربية، مؤكداً أن اللغة الأساسية التي يفهمها القادة والسياسيون هي المصلحة، وتركيا ترى أنه من مصالحها ليس في إحداث قطيعة مع إسرائيل بدليل أنها من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل في أربعينات القرن الماضي.

وكان لـ «البيان» هذا الحوار مع الدكتور سعيد اللاوندي رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

تشهد السياسة الخارجية التركية في الفترة الأخيرة حالة من الزخم والنشاط الدبلوماسي، من وجهة نظركم ما هي أبرز محددات تلك السياسة؟

بعد وصول أردوغان وغول إلى سدة الحكم أصبح هناك تصور لأن تمتد تركيا جنوباً وأن يكون لها علاقات استراتيجية مع العالمين العربي والإسلامي وخصوصاً الإسلامي إلى الحد أن البعض حتى في تركيا بدأ يتحدث عن العثمانية الجديدة، أو عودة تركيا إلى بعدها الاستراتيجي، صحيح أن هذا التوجه بدا واضحا خصوصا أن أوغلو والذي كان مديراً لمكتب أردوغان أصبح وزيرا للخارجية وهو متخصص أكاديمي في هذه الجزئية وأقنع أردوغان بهذا التوجه.

لذلك أعتقد أنه في ضوء تعثر الخطوات التي تحاول تركيا من خلالها أن تكون عضواً بالاتحاد الأوروبي أصبح هناك بديل وهو أن تتجه جنوبا، وليس من شك أن هذا التوجه لافت للنظر إلى حد بعيد، فالثابت حقا أن تركيا أصبحت رقماً صعباً في المعادلات الحالية، خصوصا في العلاقات الدولية في منطقة الشرق الأوسط تحديداً.

رقم صعب

هل تعتقد أن حالة الزخم الذي تشهده السياسة التركية، تستهدف في المقام الأول إرسال رسالة إلى الاتحاد الأوروبي أنها تمثل رقما صعبا في المنطقة، وأنها يمكن أن تكون رجله القوي بالمنطقة؟

هذا هو التحليل الذي يحاول البعض أن يروجه حتى في المنطقة العربية، وأنا لا أعتقد أن هذا بات واردا، أو يمكن أن يكون صحيحا بشكل أو بأخر لأن تركيا دولة مهمة، دولة إسلامية كبرى، دولة لها توازنات دولة لها علاقات مهمة مع العالم كله مع روسيا مع الولايات المتحدة الأميركية مع الاتحاد الأوروبي.

هي دولة كما سبق وأشرت من الدولة البارزة في حلف الناتو، صحيح أن هناك عثرات في طريق انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، ولكنني أعتقد أن تلك الدول لها علاقات بالعالم الإسلامي أهم من أن تلجأ إلى هذه العلاقات وتوطدها من خلال تركيا.

هل تعتقد أن هناك مخاوف من جانب بعض الدول من الدور التركي المتنامي الذي من شأنه أن يهدد دورهم بالمنطقة؟

هذه إشاعات تروج من وقت لآخر لأن هناك دولاً في المنطقة ومنها مصر وربما السعودية لها دور بارز في المنطقة، والمتصور أن تأتي تركيا وكأنها ثعبان موسى الذي يلتهم كل الثعابين، فتأكل كل هذه الأدوار وتصبح هي سيدة المنطقة بلا منازع، والبعض يتحدث عن أن هناك سيناريو إسرائيليا للهيمنة على المنطقة يقابله سيناريو إيراني شيعي بين قوسين.

ثم سيناريو ظهر مؤخرا سني لا تمثله السعودية وإنما تمثله تركيا باعتبارها دولة إسلامية بارزة، هذه سيناريوهات في الواقع لا أعتقد أن لها مثل هذا الزخم الذي يروجه البعض، بحكم العلاقات الدولية قد تكون هذه السيناريوهات واردة، ولكنها ليست الحاكمة والفاصلة في مثل هذا الأمر.

التوتر الذي يخيم حالياً على العلاقات التركية الإسرائيلية، هل هو نوع من الخلافات الاستراتيجية أم مجرد توتر تكتيكي؟

هي خلافات في وجهات النظر، ففي العلاقات السياسية الدولية لا توجد صداقات أبدية ولا عداءات إلى ما لا نهاية، فالحسابات تختلف، وما يحدث بين إسرائيل وتركيا أعتقد أنها مجرد خلافات في وجهات النظر وربما تصادم في السياسات، تركيا بالفعل كشفت عن نواياها في أن تكون دولة فاعلة ومؤثرة في المنطقة لا تكتفي فقط بعلاقاتها في الشمال.

سواء كانت مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأميركية وبقية الدول الأوروبية، ولكن تريد أن تكون شريكاً في القرارات التي تؤخذ في منطقة الشرق الأوسط، هذا الأمر يزعج إسرائيل، فهو تصادم في السياسات، ولكن أرجو إلا نتصور بأن هذا الخلاف سيظل طويلاً.

باستثناء التوتر الذي شاب العلاقات بين أنقرة وتل أبيب على خلفية الاعتداء على أسطول الحرية، ومن قبلها الاعتداء على غزة، نجد أنه في الوقت الذي كانت تركيا تتحرك بقوه تجاه العرب سياسياً، فإنها كانت في الوقت نفسه تتحرك بالقوة ذاتها في اتجاه إسرائيل عسكريا، فهل ذلك تناقض في السياسة التركية أم توزيع للأدوار؟

في السياسة لا توجد تناقضات ولكن توجد مصالح، اللغة الأساسية التي يفهمها القادة والسياسيون هي المصلحة، تركيا ترى أنه من مصالحها ليس إحداث قطيعة مع إسرائيل، بدليل أنها من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل في أربعينيات القرن الماضي.

وأيضا هناك علاقات قوية، وهناك أيضاً تبادل سياحي عالي المستوى، ويكفي أن نعلم أن الإسرائيليين يشكلون 40 في المئة من السياحة التركية، الاتفاقيات التجارة قائمة وفاعلة، تركيا تحصل على أسلحة بشكل أو بآخر من إسرائيل، وقد كان الفضاء التركي مفتوحا أمام الطيران الإسرائيلي وهناك مناورات في إطار ثنائي وفي إطار حلف الأطلنطي، كل هذه الأمور نفهمها سياسيا، لكن كون أن هناك خلافا فليس معنى هذا أن كل الخيوط تقطعت.

دور شرق أوسطي

في هذا الإطار ما هي فرص تركيا إذا ما لعبت دورا في مشكلة الشرق الأوسط خاصة فيما يتعلق بالمفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والمصالحة الوطنية الفلسطينية وإعادة الجندي شاليط؟

للإنصاف يجب أن نذكر أن تركيا أصبحت موجودة في الذهنية العربية على الرغم من وجود ناس مع وناس ضد، لكن تركيا أيضاً موجودة في الذهنية والعقل السياسي الإسرائيلي، فتركيا باتت حجراً أساسياً ويمكن أن تلعب دورا مهما ممن خلال موقفها المساند لحماس، ووجود علاقات لتركيا مع حماس لا يمنع مطلقاً أن يكون لها علاقات مع مصر والسعودية ومع إسرائيل.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة بالفعل سوف تشهد هدوءاً في نبرة التوترات الموجودة بين تل أبيب وأنقرة وهو ما يمهد لأن يكون لتركيا دور مهم ليس فقط في الإشراف على المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب، ولكن أيضاً فيما يتعلق برأب الصدع الفلسطيني-الفلسطيني.

طهران.. أنقرة.. القاهرة.. الرياض هل تعتقد أن بعض القوى الغربية تحاول ضرب هذه العواصم الأربع باعتبارها قوى إقليمية بارزة ومرتبطة بعضها البعض، كتحرك بديل لما كان يعرف بـ «الفوضى الخلاقة» أو «الشرق الأوسط الجديد» لفرض هيمنتها على المنطقة؟

سياسة الفوضى الخلاقة التي كانت تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس وكذلك مشروع الشرق الأوسط الجديد، أعتقد أن الأحداث تجاوزتهما لأننا أمام سياسة أميركية أخرى تبدأ من حيث انتهت السياسة السابقة.

فلا أستطيع أن أقول أن سياسة أوباما جاءت متناقضة مع سياسة جورج دبليو بوش وإنما جاءت مكملة له وتسير في الاتجاه نفسه، فالموقف الذي يتخذه أوباما من إيران اليوم ربما أكثر تشدداً مما كان في حال بوش الابن، والأيام ستكشف لنا مثل هذه الأمور.

وأعتقد أن مسألة المنافسة أو التنافس بين العواصم سواء القاهرة أو الرياض أو أنقرة أو طهران أو حتى دمشق لا أعتقد أنها واردة، لذلك كان الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى صاحب خبرة دبلوماسية في هذا المجال عندما تحدث عن رابطة الجوار العربي، لأننا لا يمكن أن نؤكد أن رغبتنا هي أمن واستقرار المنطقة والشرق الأوسط، بينما هناك خلافات مع طهران.

وجهة نظر

حول مستقبل العلاقات التركية الأوروبية في ضوء تصاعد التوجه الإسلامي في تركيا قال الدكتور سعيد اللاوندي: كي لا ننسى يجب أن نذكر أنه عندما تمت الموافقة بشكل أو بآخر على أن تأخذ إجراءات الانضمام للاتحاد الأوروبي قيل إن هذه الخطوات ستأخذ ما لا يقل عن 15 عاما.

ولكن لا أحد يعلم على وجه الدقة ما الذي سيحدث جغرافيا لهذا العالم ولا سياسيا ولا في العلاقات الدولية، ناهيك عن العلاقات التركية الأوروبية، الشيء الآخر الذي قيل إن فرنسا برئاسة نيكولا ساركوزي ترفض رفضا قاطعا فكرة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، لذلك هم يتحدثون عن سياسة الجوار.

وعندما تحدثوا عن تلك السياسة كان الهدف منها أن تكون طرحاً بديلاً لفكرة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي بمعنى أن تكون «أكثر من شريك وأقل من عضو» وهذا هو المطروح من جانب الاتحاد الأوروبي، لكن هناك فرصة أمام تركيا على الأقل لأن تضع قدما هناك وأخرى في العالم العربي والإسلامي وتكون علاقاتها متميزة بالنسبة لدول كثيرة.

القاهرة ـ عماد الأزرق