من إيجابيات ثورة 23 يوليو في مصر اهتمام قيادتها على نحو ما اتضح في كتيّب «فلسفة الثورة» بالدائرة الإفريقية التي ترتبط عضوياً ؟ حسب فكرة الدوائر وتداخلها ـ بالدائرتين العربية والإسلامية، سواء بحكم وجود دول عربية شتى في القارة الإفريقية أو بحكم انتشار العقيدة الإسلامية في ربوع القارة السمراء..
هذا فضلاً عن حقائق التاريخ المشترك بين الوطن العربي والكيانات الإفريقية في التركة الفادحة التي خلّفتها عقود طويلة من الاستعمار السياسي والسيطرة الإمبريالية والاستغلال الاقتصادي؟ حيث لم تكد أي منطقة من أصقاع إفريقيا تنجو من هذا المد الاستعماري الوافد من أوروبا. ومن المصادفات التاريخية أن تزامنت الصحوة السياسية في العالم العربي مشرقه ومغربه مع اشتداد ساعد الحركات الوطنية في إفريقيا وهو ما عمدت إلى استثماره قاهرة ؟ يوليو 1952 تدعيماً لجبهة استكمال الاستقلال الوطني والطموح إلى التنمية السوسيو- اقتصادية.. على أن تعاطي الجانب العربي منذ الخمسينات والستينات ظل محصوراً في إطار هذه الشراكة من النضال الوطني ومن معاداة الاستعمار ومن محاولات إنهاء تركة الاستغلال الإمبريالي..
ومع ذلك فقد جاءت عقود الثلث الأخير من القرن العشرين لتشهد انزواء أو شحوب أولويات الاهتمام بإفريقيا.. وهو ما أتاح المجال لقوى مستجدة وفدت على القارة من قارة آسيا هذه المرة.. وقد وعت دروس الاستعمار الأوروبي في الماضي فكان أن استهلت برامج من التعاون مع القارة الإفريقية وينطبق هذا الحديث بالذات على كل من الهند والصين. في مثل هذه الأيام من شهر يوليو (تموز) عام 1952 قامت ثورة 23 يوليو في مصر.. وبعد هذا التاريخ بأقل من سنتين.. طرح زعيم هذه الثورة وثيقة نراها تأسيسية بحق حملت عنوانها الشهير وقتها وهو «فلسفة الثورة». انطلق عبدالناصر في طرح أفكار هذه الوثيقة من عقلية الضابط المثقف الدارس في كلية أركان الحرب والواعي بحق بمسير حركة التاريخ.
دعوات انعزالية... من هنا جاء حديثه الموجز عما وصفه بأنه «الدوائر الثلاث» للنضال المصري المعاصر.. وهي على وجه الأولوية والترتيب: الدائرة العربية والدائرة الإفريقية ثم الدائرة الإسلامية. مثل هذه الأحاديث قد تبدو بديهية بالنسبة لكثير من أبناء الأجيال الشابة الطالعة في الوطن العربي.. ولكنها تستمد أهميتها في تصورنا من واقع ريادتها.. ذلك لأن كتيّب «فلسفة الثورة» صدر في غمار دعوات كانت سائدة وقتها ؟ وهي للأسف تعاود الإطلالة برأسها في أيامنا من جديد ؟
ومنها ما كان يريد الارتداد بشخصية مصر إلى ما يعرف باسم الحقبة الفرعونية بكل ما يتردد وسط هذا الطرح من إيقاعات شعوبية أو انعزالية قطرية كما قد نسميها، ومنها ما كان يذهب إلى تأكيد شخصية مصر المتوسطية.. كي يربط بينها وبين أوروبا ؟ جنوبي القارة الأوروبية على أقل تقدير.
مع هذا كله فلم يكن الحديث عن البعد العربي القومي في شخصية ونضالات مصر أمراً جديداً مائة في المائة بقدر ما كان تأكيداً على حقائق صاغتها مراحل سبقت من التاريخ وعبر أكثر من 14 قرناً من عمر الزمن.
شهدت ما يمكن أن يقال بأنه «تعريب مصر» بمعنى تأكيد انتمائها العروبي من حيث اللغة والثقافة وبعدها من حيث المستقبل والمصير؟ حيث يمتزج البُعد العربي بداهة مع البُعد الإسلامي.. فما كان لمصر أن تصبح عربية إلا بعد أن أضاءت ربوعها أنوار الإسلام.
العنصر الجديد
وإذن فقد كان المثير بحق هو الحديث المبكر، كما ألمحنا عن «الدائرة الإفريقية»، وقد كان جديداً وقديماً في آن معاً.
كان جديداً لأن نظام ما قبل يوليو في مصر، وقد تبلورت معالمه بعد إعلان الاستقلال السياسي، والنسبي أيضاً في عام 1923 لم يول إفريقيا ما تستحقه من أهمية.. اللهم إلا التأكيد على الرابطة النيلية بين مصر والسودان.
مع هذا كله فقد كان ثمة عذر واضح لتلك الأجيال التي عاشت وعملت وحاولت أن تجتهد خلال العقود الخمسة الأولى من القرن العشرين..
لماذا؟.. لأن إفريقيا كانت واقعة بأسرها تحت نير المد الإمبريالي الأوروبي.. ومن كل صنف وملة ولون: كان هناك الاستعمار الإنجليزي في مصر والسودان، والاستعمار الإيطالي في ليبيا والصومال، والاستعمار الفرنسي في الشمال الإفريقي العربي المسلم.. ثم في مناطق الفرانكوفون غربي القارة الإفريقية، ويوازيه مرة أخرى استعمار الأنجلوفون البريطاني في شرقي ووسط إفريقيا..
ثم الاستعمار البرتغالي في أنجولا وموزامبيق، فضلاً عن نظام الأبارثيد العنصري الذي فرضته أجناس البيض المنحدرين من أصول الاستعمار الهولندي في جنوب القارة الإفريقية.. دون أن ينسى الاستعمار الأسباني أن يحتفظ لنفسه بموطئ قدم في منطقتي سبتة ومليلة عند المغرب العربي الأقصى.. فيما كان للاستعمار الألماني بدوره تركة قديمة في أصقاع الكاميرون.
قدرة الاستشراف
هكذا كانت إفريقيا قارة مغلقة أو تكاد تكون على أي تصور أو تواصل أو تفاعل سياسي وغير سياسي بينها وبين سائر أقطار الإقليم العربي.. ومن هنا جاءت نظرة 23 يوليو وزعيمها الشاب وقتها لتتسم بقدر محمود وغير مسبوق من فصل الريادة وقدرة الاستشراف..
فضلاً عن وعي أبعاد المرحلة الزمنية وهي عقد الخمسينات الذي تلا.. بداهة.. عقد الأربعينات الذي كان قد بدأ باشتعال حرب عالمية ضروس انتهت ووضعت أوزارها في صيف 1945 وبعدها انقسم العالم إلى كتلتي الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي.. لكن بعد أن استجدت ظاهرة إيجابية بكل معنى تجسدها العبارة التالية المستقاة من أدبيات المصطلح السياسي الناصري وقتها وهي:
اشتداد ساعد حركات التحرير الوطني.
صحيح أن مِنْ قوى الاستعمار الأوروبي العتيد (انجلترا وفرنسا) والعتيق (أسبانيا والبرتغال) ما خرج من أتون الحرب العالمية الثانية منتصراً على الخصم النازي في ألمانيا، لكن الأصح أن خرجت معظم هذه القوى، في غرب أوروبا بالذات مثخنة بالجراح ومطالبة بتحمل تكاليف هذا الانتصار.
تطور الاتصال
وقد تزامن مع هذه الظاهرة تطور وسائل الاتصال الكوكبية بفضل إذاعات الراديو وطفرة النقل الجوي بالطيران وهو ما انتشرت بفضله مفردات الحرية والاستقلال ومكافحة الاستعمار وأعوان الاستعمار وجلاء القوات الأجنبية.. ومن بعدها أشواق التنمية والتطور السوسيو ؟
اقتصادي.. ووعي الأجيال الشابة من تلك الشعوب المقهورة لحقوقها في حياة أفضل.. إن هذه الظواهر أدى تراكمها الكمّي إلى تغيرات كيفية جسّدتها إرهاصات الدعوة إلى تحرير القارة الإفريقية من ربقة كل ما ألمحنا إليه من أنماط الاستعمار الأوروبي الذي لم يكن ليقتصر بداهة على مجرد الاحتلال الأجنبي لأرض الأفارقة بقدر ما كان قد امتد ؟
بحكم القانون الإمبريالي ؟ إلى استغلال بلغ حد الاستنزاف لموارد ومقدرات وثروات تلك الشعوب بحيث أسفرت الحقبة الكولونيالية التي استطالت عشرات من عقود السنين عن ظاهرة الجمع بين الاحتلال والاستغلال التي توازت معها ؟ بحكم منطق الأشياء ؟ ظاهرة الوقوع في ربقتي مصادرة الإرادة السياسية والسقوط في براثن الفقر والتخلف بغير حدود.
مذكرات الخديوي
بيد أن منظور الرصد والتحليل التاريخي لعلاقات القاهرة مع إفريقيا كفيل بأن يؤكد لنا ان لم يكن ثمة انقطاع تام أو فصل بائن بين مصر وإفريقيا.. وبديهي أن كان ثمة تواصل بصورة أو بأخرى تمليه الحقيقة الجغرافية الثابتة التي تتمثل أولاً في وقوع معظم مساحة مصر في إفريقيا، وتتمثل ثانياً في الحقيقة النيلية التي تشكل محوراً لحياة مصر والمصريين على السواء.
في العصر الحديث ؟ القرن التاسع عشر ؟ كانت محاولات الوالي محمد علي منذ العقد الثاني من القرن المذكور للتحرك جنوباً إلى السودان.. وتلته محاولات حفيده الخديوي إسماعيل في عقد الستينات من ذلك القرن للتوغل في أرباض وأصقاع إفريقيا ما بين الوسط إلى الشرق والغرب أيضاً.
وبحكم ميكانيزم الحركة في هذه الفترات كان لابد من استخدام السبل والوسائل العسكرية.. صحيح أنها كانت محاولات غزو في التحليل الأخير.. إلا أنها تتميز، في تصورنا عن المد الاستعماري الذي جاء على مهاد موجة التوسع الإمبريالي الأوروبي وخاصة في الثلث أو الربع الأخير من القرن 19.
وهي الفترة التي شهدت بلوغ أوروبا أوج التطبيق الرأسمالي بعد نجاحها في اكتشاف الآلة وتحقيق ما أصبح يوصف بأنه الثورة أو الانقلاب الصناعي.. مجسَّداً في ثورة النقل باكتشاف البخار لتسيير السفن كي تمخر أعالي البحار.. أو لتسيير قطارات السكة الحديد كي تختصر المسافات التي كانت عصية في الماضي على حركة البشر والسلع والإمكانات.
كان لابد لهذا المد الرأسمالي العاتي أن يلتمس مناجم بغير حدود أو قيود للخامات وينشد أسواقاً بغير حواجز أو منافسين لتصريف المنتجات السلعية الخارجة من مصانعه.. وهنا تصدق على هذا المد الاستعماري مقولة الزعيم الروسي لينين الشهيرة وهي:
الاستعمار هو أعلى مراحل الرأسمالية.
من هنا فلم تكن توغلات الولاة ؟ الخديويين من مصر إلى ربوع إفريقيا السمراء.. حملات أو غزوات إمبريالية بالمعنى الكامل المتعارف عليه اصطلاحياً في هذا الباب: بل كانت عمليات يمتزج فيها ؟ كما نتصور ؟ عنصر تأمين الإمداد المائي من نهر النيل.. مع محاولات استكشاف منابع النهر وجداوله وفروعه وهو ما توضحه في هذا الخصوص.. مذكرات الخديوي عباس الثاني (1892- 1914) بعنوانها الطريف «عهدي»؟
حيث يتناول جهود جده إسماعيل باشا في دعم اكتشاف منابع ومصادر النيل؟ حيث لم يبخل إسماعيل بالدعم، والود أيضاً كما تقول المذكرات على أفواج من المستكشفين والجغرافيين من أمثال ستانلي وسبيك وصمويل بيكر وأمين باشا الطبيب النمسوي إدوارد شنايتزر الذي اعتنق الإسلام وأصبح حاكماً لمديرية خط الاستواء في عام 1879.
الهند والصين
في كل حال احتلت إفريقيا مع عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين واحداً من أهم محاور السياسة التحررية والتعاون التنموي لقاهرة تلك الفترة.. وهو ما تجسد في واقع رفقة الكفاح ضد الاستعمار ومن ثم جهود التنمية في أولى مراحل الاستقلال.
ثم مرت مياه كثيرة في مجرى أنهار النيل والكونغو والزمبيزي على السواء.
وكان أن تغيرت الأحوال مع الثلث الأخير من القرن الماضي، ولم تعد إفريقيا تشغل نفس محور الاهتمام في أجندة السياسة العربية.
وهنا انفسح المجال لاهتمام قوى أخرى ربما شعرت أن ثمة فراغاً في أصقاع القارة السمراء.. فكان أن قررت أن تشغله، بل تملأه، حيث خفت إلى سواحل إفريقيا ودواخلها.. وقد وعت دروس الاستعمار بكل أنواعه العتيق والعتيد والجديد.. و(المصطلحات من وضع العلامة الجغرافي الراحل جمال حمدان في دراسته الشهيرة بعنوان «استراتيجية الاستعمار والتحرير»). على رأس هذه القوى المستجدة في إفريقيا لابد وأن يقف البحث والتحليل السياسي عند قوتين هما:
(1) الصين
و..
(2) الهند
ورغم صفة «المستجد» التي مازالت عنواناً على كل من هاتين القوتين الآسيويتين إلا أن تطلع كل منهما إلى إفريقيا لم يأت مغايراً لتطلع القوى الأوروبية السابقة من حيث الجوهر: ان كلاً من بكين ودلهي تتطلع إلى القارة السمراء بحثاً عن أمرين أساسيين هما:
(1) الطاقة.
(2) السوق.
وإذا كانت أوروبا ؟ الاستعمار قد فاتها البحث عن الطاقة في إفريقيا، فذلك لأن التطور الاقتصادي ؟ التقني لأوروبا قام في الماضي على طاقة الفحم الذي حظيت القارة المذكورة بكميات وافرة من مناجمه، وهو أمر ليس متيسراً كما هو معروف لكل من الصين والهند حيث تحّول الاهتمام كما هو معروف من الفحم إلى البترول الذي مازالت إفريقيا تمثل منبعاً مهماً من منابعه الواعدة.
في كل حال فقد أصبح التعاطي الهندي ثم الوجود الصيني بالذات من حقائق الحياة في إفريقيا. وهو أمر ما برح يحظى باهتمام عميق من جانب الدارسين والمحللين في الغرب فيما ينبغي أن يحظى ربما باهتمام أعمق من جانبنا في العالم العربي. ومن هنا فالأمر بحاجة إلى مزيد من تدقيق وتفصيل في سطور الجزء الثاني المتمم لهذا المبحث.
محمد الخولي



