بعد عشرة أعوام دموية وما تلاها من سقوط أكثر من 100 ألف قتيل في الجزائر، عاد التخوف مجدداً للشارع الجزائري من بروز التيار الإسلامي المتشدد في المساجد والساحة السياسية على خلفية امتناع أئمة عن الوقوف احتراماً عند عزف النشيد الوطني ما دفع هذا الموقف الحكومة إلى اعتماد مدونة سلوك تكون دليلاً في سلوك الأئمة، ومن بين شروطها الالتزام باحترام الرموز الوطنية. ولكن البعض يرى أن ما حدث موقف شخصي لا يستدعي التهويل والتفسير السياسي.
وقال مستشار وزير الشؤون الدينية عدة فلاحي ان نشاط الأئمة «جمد في انتظار نتائج التحقيق والمداولة بشأن ما ارتكبوه»، مستطرداً: «لقد منعوا من إلقاء الخطب والدروس إلى اجل غير محدد».
واعتبر وزير الشؤون الدينية الأسبق ورئيس جمعية «العلماء المسلمين» حاليا عبد الرحمن شيبان ان «الذي بدر من الأئمة خطأ جسيم وليس جريمة».
وأضاف: «يجب ان يعلموا الناس بأن يحبوا الوطن كما الدين. هم في موقفهم فصلوا وهذا خطير وينم عن نقص فظيع في التكوين وتقدير المهنة». وأكد أن «تبرير هؤلاء الأئمة لموقفهم بكون الوقوف عند عزف النشيد الوطني بدعة ليس صيحاً».
وقال: «من غير اللائق ان لا يقف الامام وهو جزائري حين يعزف نشيد بلاده احتراما. هؤلاء كانوا ضمن جمع وقف كله للنشيد فكيف يشذون ويتخلفون؟.. الوقوف حركة بسيطة يسجل بها الإنسان احترامه لبلده الذي يعد السلام الوطني واحد من أهم رموزه».
في المقابل، تأسف المؤرخ الطاهر بن عائشة لكون الجزائر «باتت مضطرة لسن قوانين حتى يحترم الأئمة نشيد بلدهم». وقال ان السلطات «ساهمت في تفشي التفريط في رموز الوطن بالسياسة الممنهجة وبالتوظيف الفوضوي في قطاع حساس»، على حد وصفه.
وقال ان السلطات «تحاول ان تتملص من المسؤولية بعقاب تسلكه على عدد من الأئمة في حين أن الخطب النارية التي تلقى في المساجد تحث على العنف وعلى كره الآخر».
من جهته حذر مدير يومية «الوطن» كبرى الصحف الصادرة باللغة الفرنسية في الجزائر عمار بلهوشات مما قال انه «عودة قوية للتيار المتشدد للسيطرة على المساجد».
وأفاد: «ما حدث ليس ابدا حدثا عرضيا، بل هو استعراض للقوة. أنا لا اقول بأن هؤلاء اخطأوا لكنهم تصرفوا بوعي منهم وهم يقصدون ان يثيروا هذه الضجة لنشر أفكارهم».
وأردف: «هم ينتسبون سياسياً لتيار متشدد ودينيا لفئة هي الأكثر انغلاقا في الجزائر ومع ذلك هم ائمة». وقال إن الحادثة «ذكرت بمواقف لجبهة الإنقاذ بداية العقد الأخير من القرن الماضي حين أعلنت على لسان عدد من قيادييها بينهم علي بلحاج والهاشمي سحنوني نيتها في تغيير النشيد الوطني والعلم بما يناسب التشريع الإسلامي وانتماء الجزائر والجزائريين للإسلام».
ولفت إلى أنها «ذكرت ايضا بتغيير اسماء جميع البلديات التي فازت فيها قوائم الجبهة في الانتخابات المحلية شهر يونيو من العام 1990، حيث أضيف على شعار اللافتات على مداخل مقار تلك البلديات عبارة الإسلامية كدليل على انها تسير بالطريقة الإسلامية على خلاف غيرها من البلديات التي فازت فيها قوائم الأحزاب الأخرى.
وكان أول فعل قامت به قوى الأمن بعد حظر نشاط الجبهة وحل مجالسها نزع تلك اللافتات وإعادتها إلى ما كانت عليه. وقال: هناك ائمة سلفيو الفكر عينتهم الوزارة ويطلقون خطبا نارية على أفكار غيرهم والأئمة الذين لم يحترموا النشيد الوطني كانوا فقط أكثر جرأة على العصيان».
بدوره، قال الحسين ترقة وهو إمام منذ أعوام طويلة بأن اتهام أئمة بكره وطنهم لأنهم لم يقفوا عند عزف النشيد الوطني «امر مجحف بل ومخجل، فالجميع يعرف ان الجزائر اليوم تختلف فيها المواقف بصدد أشياء كثيرة لكن الجميع جزائريون ويفترض ان لا يقصى بعضهم البعض الآخر».
الجزائرـ مراد الطرابلسي