يحاول المؤلف أن يتخلى عن منطق التبرير والدفاع على طول الخط عن سلوكيات وقرارات إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. وكان ذلك أمرا طبيعيا بوصفه في طليعة المشاركين في تأسيس هذه الحقبة من حكم الجمهوريين في البيت الأبيض، ومن ثم جاء لقب «المهندس» الذي خلعه عليه مؤيدوه وخصومه على السواء.

ولعله أدرك أن التبرير لا يجوز لدى الحديث عن إعصار كاترينا الذي كلف الولايات المتحدة آلاف الضحايا، وعشرات الآلاف من المشردين، ومليارات الدولارات من الخسائر المادية.

ولكن سجلت كارثة كاترينا أيضا الفشل الذريع لحكم بوش بكل إمكاناته في إدارة هذه الكارثة، وهو ما بدا وكأنه بداية العد التنازلي للوجود الجمهوري في مقاعد الحكم، هذا فضلا عن عواقب الجهد الحربي على جبهتي القتال في كل من أفغانستان والعراق، إلى جانب بعض المشكلات أو الأحداث التي بدت صغيرة، ولكن كان لها أصداء واسعة وخاصة حين تناولتها وسائل الإعلام، ومنها مثلا حادثة صيد الحباري في جنوبي تكساس، التي أدت إلى إصابة محام صديق من بندقية ديك تشيني نائب الرئيس.

ثم كانت هناك ذيول التحقيقات المضنية التي تعرّض لها مؤلف الكتاب لمدة طويلة جراء الاتهام بضلوعه في قضية كشف هوية موظفة كبيرة في الاستخبارات المركزية.

فيما كان متصورا بأنه الرد الانتقامي على ما كشف عنه زوجها الدبلوماسي الكبير بشأن عدم وجود أسلحة دمار شامل بالعراق. وربما أدت هذه الملابسات إلى قرار المؤلف الاستقالة من منصبه الكبير في البيت الأبيض قبل نهاية ولاية الرئيس بوش، وإن كان مصرا على أن «أسطورته» باقية في الأذهان.

بقدر ما سيدخل جورج بوش تاريخ العالم من باب شّن حملات الغزو في ساحات القتال وخاصة في بلاد الرافدين، فلسوف يدخل الرئيس الأميركي السابق تاريخ السياسة الداخلية في بلاده من باب أقرب إلى السخط والإدانة. باب مرفوع عليه لافتة تحمل اسما واحدا هو: «كاترينا». وهي الكلمة نفسها التي اختارها مؤلف هذا الكتاب عنوانا للفصل التاسع والعشرين.

وبديهي أن «كاترينا» هو اسم الإعصار الماحق والريح الصرصر العاتية التي عصفت بمنطقة جنوب شرق الولايات المتحدة. ومازالت ذكريات كاترينا المفعمة بالآلام والمرارة تتداعى معها في العقل الجماعي الأميركي أحداث وخسائر مهولة لا يتورع مؤلف كتابنا عن رصدها بإيجاز شديد على النحو التالي:

مصرع أكثر من 1700 مواطن أميركي.

تشريد نحو 450 ألف إنسان من سكان تلك المنطقة المنكوبة بإعصار كاترينا.

تدمير أكثر من 300 ألف بيت.

خسائر بما يقدر بمبلغ 125 مليار دولار في الممتلكات والأعمال وأرزاق الناس.

بعيدا عن التبرير

وبخلاف نغمة التبرير التي لاحظنا أنها تسود، أو تكاد تسود، الإيقاع العام فيما سبق من فصول هذا الكتاب، إلا أننا نلاحظ أن الفصل 29 يكاد يكون خاليا من هذا المنطق المترافع باستمرار من منصة الدفاع عن بوش وإدارته وقراراته وفصيل المحافظين الجدد الذي حكم معه وتحكم في مصائر شعبه وشعوب وأمم أخرى في مختلف أنحاء العالم، على امتداد السنوات الثماني الأولى من القرن الحادي والعشرين الجاري.

وقد نتصور أن تخلَّي مؤلف كتابنا عن منطق التبرير والدفاع السادر المتواصل إنما يرجع مثلا إلى أن كارثة كاترينا كانت من الفداحة لدرجة لا يصلح معها تسويغ أو تزويق أو تبرير.

وقد نتصور أيضا أن المؤلف قد أرهقت قلمه ومنطقه هذه الوصلات غير المتقطعة من الدفاع على طول الخط، أو أنه شعر بأن المسألة قد زادت وغّطت، كما يقولون، ولا بأس أن تعتمد ربما بصورة أكثر منطقية أو أقرب ولو نسبيا إلى روح الاعتدال.

وقد نتصور أن الكتاب في مجمله قد قارب مع هذا الفصل أن يصل إلى المحطات الأخيرة المقرر أن يبلغها المؤلف في الفصل الرابع والثلاثين. ومن ثم فلا ضرر أيضا من أن تكون هذه النغمات شبه الختامية من إيقاع الكتاب أقرب إلى المنطق أو المعقول.

اقتربت ساعة الخروج

وقد نتصور أخيرا أن المؤلف نفسه قد أوشك ؟ كما سوف نتابع في سطورنا اللاحقة ؟ على الخروج شخصيا من البيت الأبيض بالاستقالة من منصبه الرفيع. وعليه من ثم أن يترك انطباعا يمكن أن يكون محلا لإنصاف أو تقدير.

أيا كان الأمر فإن مؤلفنا يبادر إلى تبيان أن كارثة كاترينا كانت في حكم المتوقعة، لا لأن مراصد القوم عندهم كانت تعمل أو تتنبأ بها في حدود الكمال، ولكن لأن منطقة العواصف على ساحل الخليج في جنوب شرقي الولايات المتحدة المطلة على مياه المحيط الأطلسي تعد من أضعف مناطق القارة الأميركية الشمالية هشاشة من حيث الموقع والتكوين الجغرافي والتضاريس، ومن ثم أشدها تأثرا بكل ما يصدر عن الطبيعة من ثورات وأنواء.

يقول المؤلف في هذا الصدد: «نيو أورليانز، المدينة والمنطقة تدنو في معظمها عن سطح البحر، وهي محاطة بالمياه من جميع الجهات، وقد حذرت نماذج الحاسوب الالكتروني لوقت طويل من مغبة كارثة طبيعية جديرة بأن تقع، إذا ما تعرضت المدينة لاجتياح إعصار من طراز كاترينا.

هنا نلاحظ أن المؤلف لا يكتفي بإشارات قلّما نصادفها في صفحات كتابه، واصفا سلوك حكومة بوش وكبار معاونيه بأنه كان دون المستوى بكثير من حيث القدرة على تدبير أمر هذه الكارثة القومية بكل تعنيه الكلمة، وهم الذين ابتدعوا علما وتخصصا يتم تدريسه في كبرى جامعاتهم تحت عنوانه الشهير: إدارة الكوارث أو احتواء المخاطر، أو تحجيم المشكلات، إلى آخر هذه السلسلة من المزاعم.

فشل في مواجهة الإعصار

إن المؤلف يعترف بأن «شيرتوف» الوزير المسؤول عن وزارة الأمن الداخلي، وهي دائرة حكومية ابتدعت بعد أحداث سبتمبر 2001، لم يكن يتلقى معلومات صحيحة عن حجم الكارثة المهولة التي حاقت بالمنطقة المنكوبة على الأرض الأميركية..

ومن ذلك مثلا أن مسؤولي المنطقة كانوا لا يفتأون يبعثون برسائل غاية في الأمان إلى السيد شيرتوف بشأن السدود الترابية التقليدية التي طالما كانت مستخدمة بوصفها دفاعات نيو أورليانز ضد تفاقم الفيضانات الناجمة عن العواصف والأعاصير. وكان مجمل الرسائل لا يلبث أن يردد معزوفة مكررة تقول: «إطمئن يا معالي الوزير السدود منيعة وكل شئ على ما يرام».

وبديهي أن السدود لم تكن على مستوى الكارثة وان كل شئ لم يكن على ما يرام، بل كان الأمر على خلاف ذلك، كان يكتنفه قدر غريب حقا من سوء الإدارة، وسلبية الارتباك وتضارب الآراء والمعلومات.

وربما زاد الأمر فداحة، سواء على المستوى الرئاسي والمستوى الإعلامي أيضا، تلك الجملة الشهيرة التي أصبحت مضغة ظلت تتندر بها وسائل الإعلام الأميركية في معرض انتقاد الرئيس بوش شخصيا.

في لحظة ما تطلع بوش إلى المسؤول رقم واحد عن قضايا الإنقاذ، وهو «مايك براون» مدير وكالة «فيما»، وهي الدائرة الحكومية المسؤولة عن مكافحة الكوارث على المستوى القومي بالولايات المتحدة، ولأمر ما أراد بوش أن يعبّر عن عميق الإعجاب وشديد الامتنان والتقدير للمدير الهمام، لهذا خاطبه بادئا باسم الدلال بقوله: «براوني إنك تقوم بعمل رائع حقا».

وفيما ترددت أصداء العبارة.. الرئاسية في طول أميركا وعرضها.. كانت أميركا، بطولها وعرضها أيضا تقيم الصلوات وتعبّر عن مرارة الأحزان إزاء فداحة الكارثة وقصور مواجهتها ويدرك مواطنوها بيقين أن السيد مايك براوني ووكالة «فيما» التي يديرها كانا في طليعة المقصّرين بل كان الأمر يستوجب الحساب بدل التدليل.

وربما زاد الأمر مرارة أن أدرك المواطنون ـ الناخبون بالذات ـ أن رئيسهم لم يكن على إلمام كامل بأبعاد المأساة.. أو أنه كان يعوزه حسن التقدير لما اتسمت به من زوايا وأبعاد.

أما مؤلف الكتاب ـ المهندس كما كانوا يصفونه أيامها ـ فقد شاء أن يعرّض لسيرة السيد براوني ذاته حين وصفه في هذا الفصل من الكتاب موضحا أن كانت تنقصه الخبرة والمعلومات الاختصاصية وبالتالي الكفاءة لإدارة هذا المرفق القومي الشديد الأهمية والحساسية.. بل يتمادى المؤلف في هذا النقد حين يشير إلى أن خبرات المسؤول الأميركي الكبير كانت مركزة على العمل في سلك الجمعية الدولية للخيول العربية (أو للجواد العربي الأصيل) ومن هناك جاءوا به لكي يصبح المدير العام للوكالة الفيدرالية لإدارة حالات الطوارئ (فيما).

ومرة أخرى قد يكون اختيار الرجل لمثل هذا المنصب الخطير أمرا جانبه الصواب، لكن من حق القارئ الفَطِن أن يتساءل بدوره:

- ألم يكن المهندس ؟ مؤلف الكتاب ؟ على وعي بمثل هذا النقص في الكفاءة والمؤهلات وقد كان أقرب المستشارين والمعاونين، بل والأصدقاء الحميمين إلى الرئيس بوش؟

كوميديا أسلحة الدمار

بعدها ينتقل المؤلف إلى الفصل 30 لكي يستعرض انحسار المد الذي كان يتمتع به الحزب الجمهوري في مقاعد الكونجرس، ولصالح المعارضة ؟ المنافسة للحزب الديمقراطي بطبيعة الحال.

وكأن المشكلات لا تأتي فرادى: فإلى جانب التورط في الحرب على جبهتين هما أفغانستان والعراق.. وإلى جانب التصريحات أو العبارات التي ترصدها وسائل الإعلام كي تحسبها على رئيس الدولة.. وإلى جانب الأداء الهزيل في إدارة كارثة كاترينا.. جاءت حادثة أخرى لتزود تلك الوسائل بوقود متجدد لزوم النقد بل والسخرية الكوميدية إلى حد كبير.

صحيح أنها كانت حادثة محدودة، ولكنها انتشرت وذاعت في أميركا وفي العالم. لماذا؟ لأن بطلها كان ديك تشيني نائب الرئيس شخصيا. ومرة أخرى يعترف مؤلف الكتاب بأن «ديك تشيني» ظل دائما يتصرف وكأنه مسؤول سري قابعا للعمل في أقبية معزولة بعيدا عن الصحافة ووسائل الإعلام التي لا يثق فيها تشيني من قريب أو بعيد.

لكن سرية تشيني لم تلبث أن تعرضت للأضواء. في حادثة خروجه إلى صيد الحباري في جنوبي ولاية تكساس، صوب تشيني بندقيته، وبدلا من اصطياد الطائر المهاجر إذا به يصيب بطلقة البندقية رفيق الرحلة المحامي هاري وتنغتون.

كان ذلك يوم 11 فبراير 2006.

وهكذا بدأت السنة الجديدة بخبطة أو ضربة أو بالأدق طلقة تسامعت بها أميركا والعالم على نحو ما يقول المؤلف الذي كانت كل مشكلته أن مكتب نائب الرئيس اكتفى بالصمت غير البليغ طبعا على مدار الساعات الأربع والعشرين التي انقضت على الحادثة..

هكذا اكتملت فصول كارثة إعلامية أو هي كارثة علاقات عامة على نحو ما يعبر المؤلف في هذا الموقع من الكتاب.

وفي أجواء هذا التعتيم ضحكت ملايين المشاهدين وهم يتابعون برنامج المنوعات الخفيفة الذي يقدمه في آخر السهرة المذيع الشهير «ديفيد ليترمان» الذي فاجأ مشاهديه بابتسامة مفعمة بالسخرية وهو يعلن قائلا:

- حضرات السادة والسيدات: عندي أخبار طيبة.. لقد عثرنا أخيرا على موقع أسلحة الدمار الشامل.. والموقع اسمه.. ديك تشيني!

تلك هي الأجواء التي أحاطت بالأشهر الأخيرة من ولاية جورج بوش ؟ الابن وقد تكاثفت فيها عوامل فشل السياسة الداخلية وفتح التحقيقات سواء في موضوع كشف سرية موظفة المخابرات المركزية، إضافة إلى تحقيقات في رشاوى قدمها واحد من خبراء لوبي ؟

العلاقات العامة لشراء ذمة عدد من أعضاء الكونجرس، هذا ناهيك كما يعترف مؤلفنا كارل روف مرة أخرى، من أن الموقف في العراق كان يتحول من سيئ إلى أسوأ مع حلول عام 2007، خاصة وقد أصبحت حكاية أسلحة الدمار الشامل، كما كان حاصلا بالفعل، وكما ألمح مذيع برنامج السهرة الخفيف، موضعا للتنديد، بل مضغة في الأفواه.

ولأن مؤلف كتابنا خبير بأحوال الانتخابات واتجاهات الرأي العام فقد كان طبيعيا أن يدرك أن الحقبة الرئاسية التالية ستكون من نصيب الحزب الديمقراطي. وربما كان هذا من عوامل رغبته في الاستقالة من منصبه، الذي أدرك ولاشك أن لا يحقق فيه أو منه أمرا له قيمة في تلك المرحلة، التي كانت تعتبر الفصل الأخير والمرير من رئاسة بوش.

عن التحقيقات والإجهاد

صحيح أنه يخصص الفصل 32 لكي يؤكد لقارئيه إن كانت وظيفته في البيت الأبيض تمثل مرحلة ظريفة وممتعة، هذا فضلا عن محاولته أن يسوق بعض الطرائف أو المقالب التي شارك فيها، ومنها مثلا ضياع فردة جواربه إذ كان ضيفا بصحبة الرئيس الأميركي لدى زيارته بريطانيا، حيث كان نزولهم في جناح فاخر بقصر باكنغهام الملكي في لندن، لكنه لا يلبث أن يعترف قرب نهاية الكتاب أن التحقيقات التي تعرض لها بسبب دوره في قضية سيدة المخابرات وزوجها السفير ويلسون، الذي كشف زيف الادعاء المرتبط بحكاية أسلحة الدمار الشامل في العراق، قد أصابته بإرهاق وإنهاك متواصلين جسديا وعصبيا، ونالت أيضا حتى من حياته الأسرية الخاصة.

الحلقة: (الأخيرة)

تأليف: كارل روف

عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: سيمون آند شوستر، نيويورك

عدد الصفحات: 596 صفحة