بعد مناوشات وشكايات ومواجهات أمام المحكمة العليا ثم أمام محاكم الرأي الأميركي العام، أصبح جورج بوش - الابن رئيسا للولايات المتحدة.

جاء ذلك وسط دوامات من الرفض أو التحفظ أو المرارة والاستياء، وطبعا وسط تهليل أركان الحزب الجمهوري واستعداد مجاميع «المحافظين الجدد» لدخول البيت الأبيض، واحتلال مواقع النفوذ والسلطة في شتى أركان الإدارة الجديدة في واشنطن، وهم ينطلقون من نظرتهم المعروفة إزاء أوضاع العالم، وتحت الشعار الكئيب الذي بات ذائع الصيت منذ تلك الأيام وهو: «الفوضى المنظمة».

يصور كارل روف في بداية الفصل 14 من الكتاب هذه الملابسات التي واكبت، كما ألمحنا، إعلان النجاح الشديد الالتباس لصديقه، أم هل نقول ثمرة إنتاجه جورج بوش، وفوزه على منافسه الديمقراطي آل غور.

ولكن المؤلف يقف بالذات عند موقف واحد من رموز الشارع الملون وهو الزعيم الأفرو ـ أميركي المعروف جيسي جاكسون.

فقد تلقى الرئيس الجديد بوش يوم إعلان الفوز مكالمة بالتهنئة من القس جاكسون مع ذلك يضيف مؤلفنا قائلا:

لكن حفاوة جاكسون لم تدم سوى بضعة أيام ليس إلا، إذ عقد جاكسون مؤتمرا صحفيا أعلن فيه ما يلي:

-نريد من بوش أن يفهم أنه قد يحتل موقعه في البيت الأبيض، ولكن ذلك سيكون بطريقة غير شرعية. وسيتواجد هناك لا لشيء سوى لأن المحكمة العليا حالت دون أن يتم إحصاء دقيق لأصوات الناخبين.

وبديهي أن مثل هذه الانتقادات أو التحفظات استوعبها جهابذة الجمهوريين، وربما طرحوها من خلف ظهورهم، وبدأوا الاستعدادات المرتقبة بالطبع للتحكم بناصية الحكم، والسيطرة على مقاليد البلاد لسنوات قادمة.

عصابة تكساس

والمعروف أن كل رئيس يأتي من ولايته التي ينتمي إليها إلى واشنطن مصحوبا بمن يريد ومن يختار من أعوان ومساعدين وسكرتارية ومستشارين خصوصيين.

وعادة ما يكون هذا الرهط هم من أقرب أصدقائه، وبالذات من الذين ساعدوه في إنجاح حملته الانتخابية، وكانوا بجانبه بمنطق الدعم والمؤازرة الفعالة خلال سباق الرئاسة المضني بالجهد والوقت والمال على مدار عام أو أكثر من عام.

لهذا جاء رونالد ريغان من هوليوود وفي صحبته جماعته التي أطلقت عليها وسائل الإعلام الأميركية وقتها الاسم الطريف التالي: «عصابة كاليفورنيا».

وكان ريغان حاكما للولاية الشاسعة الواقعة في ربوع الغرب الأميركي، ومنها بالطبع جاءت «عصابة» أعوانه ومستشاريه.

وكان طبيعيا أن يدخل بوش البيت الأبيض قادما من ولاية تكساس التي كان حاكما لها، وفي صحبته رهط آخر يمكن وصفه بالمقياس نفسه على أنه «عصابة تكساس».

على رأس هذه العصبة كان بالطبع مهندس الحملة الرئاسية الناجحة مؤلف كتابنا كارل روف الذي عُين في وظيفة كبير المستشارين للرئيس الجديد.

ها هو يصف في الكتاب، وبالذات في الفصل المعنون «الجناح الغربي الحقيقي» انطباعاته لدى دخوله للمرة الأولى إلى المقر الرئاسي العتيد في واشنطون، والمعروف طبعا أن المقصود هو الجناح الذي يقيم ويعمل فيه رئيس الولايات المتحدة.

يقول المؤلف: دخلت متوجسا إلى البيت الأبيض يوم تدشين الرئاسة.. في يناير من عام ,2001. تعمدت أن أدخل بغير جلبة ولا ترتيب مسبق.. حيث دلفت إلى الداخل كي أطلع خلسة على مكتبي الجديد. يومها تصورت أنه لم يلحظني أحد.

ولكنني لابد أني كنت واهما فقد لمحت واحدا من رجال الخدمة السرية وأفراد الحرس الرئاسي الخصوصي. ببدلته الداكنة وسحنته الجادة وسماعته فوق الأذن وهو يهمس بجملة واحدة قال فيها: «الحاج» يغادر».

ولأمر ما اختارت الاستخبارات أو المباحث الرئاسية مصطلحا أطلقوه على كارل روف وهو ـ «الحاج» (بلغرم في الإنجليزية) ويعلق على ذلك قائلا: -لقد جفلت حين عرفت هذا المصطلح الذي سيظل لاصقا بي على مدار سنوات.

التعريض بموظفي كلينتون

مع هذا كله فلم يكن مؤلفنا ليضيع هذه الفرصة كي يغمز فيها من قناة من سبقوه من موظفي البيت الأبيض، وخاصة في ظل إدارة كلينتون السابقة، التي كانت حافلة كما هو معروف بعناصر شبابية ليبرالية على خلاف مجاميع المحافظين الجدد الذين وفدوا مع الإدارة الجمهورية الجديدة.

هنا لا يتورع كارل روف عن أن يقول في سياق فصل «الجناح الغربي» (ص225):

-بصراحة مازلت أشعر بامتعاض خاص إزاء ما فعله من سبقونا من «عدم توقير البيت الأبيض»، لقد عمد أعضاء هيئة موظفي كلينتون إلى إلقاء المهملات في أرجاء المكان.

تركوا رسائل غير مهذبة على الحوائط والأثاث، ونقشوا رسومات خليعة على جدران الحمامات، ناهيك عن سوائل الصمغ اللاصق والزجاج المحطم فوق سطح المكاتب والمناضد، فضلا عن تعريض قطع الأثاث والسجاجيد لحروق من جراء لفائف السيجار، علاوة على ما تركوه من تحيات بذيئة سجلوها على نظام الهاتف الصوتي.

سيجار في البيت الأبيض

وربما يطالع قارئ الكتاب مثل هذا التعريض من مؤلف كبير لاحق في البيت الرئاسي الأميركي بزملائه الذين سبقوه للعمل في نفس المكان، ثم ينصرف القارئ لبعض شأنه. ولكننا قد لا نصرف النظر عن غمزات التعريض بحكاية «السيجار» الذي كان مستخدما في الجناح الرئاسي خلال رئاسة بيل كلينتون.

حيث كان لسيجار الرئيس الأميركي الأسبق دور لا ينسى في فضيحة «مونيكا لوينسكي» التي مازال هناك من يتصور أنها كانت فخا مقصودا للتعريض بأخلاقيات رئيس ديمقراطي كان ناجحا، وكان جديرا بأن يخلَّف تركة إيجابية تمهد لنائبه غور أن يخلفه في المنصب الكبير.

في السياق نفسه بشأن التعريض بالإدارة الديمقراطية السابقة، لم يتورع كارل روف عن إعلان أنه ما أن دخل مكتبه الجديد حتى راعه وجود مرآة ضخمة بالحجم الطبيعي. ثم أضاف من باب الغمز واللمز أيضا أنها كانت الوحيدة من هذا النوع الهائل في كل أنحاء المقر الرئاسي، وإن منظرها كان عجيبا في كل الأحوال.

لقد أعلن كارل روف هذه الملاحظة أمام جمع من أعضاء الحزب الجمهوري في شمالي ولاية نيويورك، وأضاف ضاحكا (أو ساخرا) أنه اكتشف وقتها أنهم اختاروا له المكتب الذي كان مخصصا للسيدة الأولى في الإدارة السابقة، هيلاري كلينتون.

التي لم تكن لتقتنع بالطبع بلقب السيدة الأولى سابقا، بل رشحت نفسها لتصبح عضوة بمجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك. ولهذا لم تشأ تفويت المسألة بل عمدت في زيارة رسمية لها إلى البيت الأبيض لمواجهته بغضب ملحوظ قائلة:

-لقد سمعت ملاحظتك إياها، وأريد أن أقول لك بأنني لم أكن من وضع هذه المرآة في مكانها.

منطق الدفاع والتبرير

بهذه الحكايات الصغيرة والطريفة التي يجيد كارل روف نسجها يتحول بنا إلى الفصل الخامس عشر من كتابه ليحّدث قارئيه عن قضايا السياسة والعمل العام خلال سنواته مع جورج بوش في البيت الأبيض.

نلاحظ للوهلة الأولى سيادة نفس منطق التبرير والمرافعات الدفاعية ومحاولات التسويغ المبالغ به بالنسبة للنهج الذي اتبعته إدارة بوش في التعامل مع القضايا والأحداث والمشكلات.

بادئ ذي بدء هو نهج جمهوري في الأساس، وهو النهج الذي يعرف المواطن الأميركي أنه يقتصر على بارونات القطاع الخاص ولشرائح الأغنياء الموسرة المتميزة في المجتمع على أساس أن من يغتني لا يلبث يفيض بكرمه وبأنشطته على جموع الفقراء أو المعوزين.

مشاريعه يمكن أن تفتح لهم فرص العمل وكسب الرزق تبرعاته يمكن أن تفيد في تيسير صعوبة الحياة على المحرومين.

تلك هي نظرية التساقط ؟ «السرسوب» كما يقول مصطلح دارج ومتواتر- بمعنى أن «تتساقط» الثمار الطيبة من مستوى الأغنياء إلى مستوى الفقراء شريطة أن يهتم النظام الحاكم بالفئة الأولى، بوصفها القادرة على إسناد النظام وتمويل مشاريعه بحكم ما تملكه من معادلة تجمع بداهة بين الثروة والنفوذ.

يدرك مؤلفنا «كارل روف» أن كل هذه مجالات للانتقادات التي ظلت توجَّه إلى إدارة بوش خلال سنواتها الثماني في البيت الأبيض، يحاول مع سطور الفصل 15 أن يرّد، واصفا محاور هذا الهجوم بأنها لا تعدو أن تكون خرافات لا أساس لها من الصحة.

زعامة الحرب

يقول النقاد إن رئاسة بوش ارتبطت ودخلت حوليات تاريخ بلاده تحت لافتة لا يمكن إنكارها وهي: «زعامة الحرب».

يحاول روف الرد قائلا إنها كانت أيضا حقبة البحث العلمي، وطبعا هناك ما يدحض هذا القول من واقع شهادات أميركية موثوقة، وحقبة حماية البيئة. ويففند ما يذهب إليه روف حقيقة أن إدارة بوش ظلت تمعن في رفض التوقيع على أكثر من اتفاقية دولية، وأكثر من بروتوكول، كانت ترمي كلها إلى الحد من التلوث الكوكبي تحت شعارين في غاية الأهمية هما «التكيف والتخفيف».

وخاصة أن أميركا مسؤولة عن نسبة تقرب من الربع من ظاهرة آفة التلوث التي أصابت الكرة الأرضية، وأدت فيما أدت إلى ما نشهده من ارتفاع درجة حرارة الأرض بكل ما يؤذن به ذلك من أخطار على صحة الإنسان والنبات والحيوان في طول عالمنا وعرضه.

وأخيرا يحاول كارل روف في هذا الجزء من الكتاب أن يرّد على ترسانة الانتقادات التي دارت حول تخفيض الضرائب الذي قررته إدارة بوش للتخفيف عن كاهل الطبقات الثرية في أميركا.. حيث يرفع شعارا طريفا هو:

-إن بوش كان يؤمن بأن الأموال التي تجمع (على شكل ضرائب) من الناس، إنما تخص هؤلاء الناس ولا تخص الحكومة.

وبديهي أن مثل هذه الأقوال مردود عليها بأن الأموال، أو الضرائب المجباة، إنما تجمع من الممول القادر، لا لتدخل إلى جيوب الحكومة ولكن لكي تصبح جزءا من إيراداتها السيادية التي لا تلبث أن توضع في خدمة المشاريع والخدمات والمصالح القومية التي تتم في الأساس لتلبية احتياجات أشد فئات المجتمع حرمانا وضعفا.

لكن ينبغي أن نقول إن مثل هذه الشعارات مازالت رائجة وبحق في أدبيات وطروحات الحزب الجمهوري الأميركي، وأنها لا تزال تلقى قبولا بين جماهير هذا الحزب ومؤيديه، تحت شعارات رفض تسلط الحكومة أو وصاية الدولة على مقاليد ومصالح وتوجهات المواطنين.

على مستوى الداخل ذاعت عن بوش العبارة التي وجهها إلى الأميركان قائلا: «اذهبوا وتسّوقوا» !

وعلى مستوى الخارج جاء يوم 19 أكتوبر عام 2001 حين أعلن البنتاغون أن «حفنة من القوات الأميركية الخاصة قد «تسللت» إلى داخل أفغانستان».

من هنا لم يقتصر الأمر على عجلة الحرب، ولكن اتسع نطاق العجلة وتحولت بالحفنة من الوحدات الخاصة إلى قوات ضخمة ما زالت تخوض الحرب مشتعلة في أفغانستان حتى صدور كتاب كارل روف، وطبعا حتى كتابة هذه السطور.

يتعرض المؤلف في هذه الحلقة للحظات الأولى من تسلّم جورج بوش الرئيس مقاليد السلطة رئيسا للولايات المتحدة،، وكيف أحاطت بهذا الحدث شكوك كبيرة إزاء شرعية فرز الأصوات التي أطاحت بمنافسه آل غور، وكيف أعلن زعيم السود «جيسي جاكسون» رأيه في عدم مشروعية رئاسة بوش.

ثم يحكي المؤلف كارل روف عن اللحظات الأولى لدخوله إلى مكتبه مستشارا رئاسيا في البيت الأبيض، وكيف خلعت عليه دوائر الشرطة السرية (الخدمة الخاصة) لقبا كوديا له وقع غريب.

وبعدها يحاول أن يمارس التعريض بحق إدارة كلينتون السابقة، سواء بتوضيح سوء سلوكيات موظفيها الذين تعاملوا مع الأثاث والمكاتب بل والحمامات الرئاسية بمنطق الإهمال أو العبارات الخارجة وحتى الرسائل البذيئة المسجلة على أجهزة الهواتف. ويصل في تلميحاته إلى التعريض بالسيدة «هيلاري كلينتون» التي ورث روف مكتبها في الجناح الغربي ـ الرئاسي.

وبعدئذ يتحول المؤلف إلى قضايا العمل الداخلي والخارجي حيث يستخدم بداهة منطق التبرير والدفاع على طول الخط إزاء الانتقادات التي وُجهت ومازالت توجه إلى حقبة الرئيس جورج بوش.

وخاصة ما يتعلق بانحيازها إلى الأغنياء بتخفيض الضرائب عليهم أو بقراراتها شنّ الحرب المسلحة على جبهتي أفغانستان والعراق، انطلاقا من شعارات ملتهبة ومقولات استعلائية حتى ضد حلفاء أميركا الأوروبيين وبدعوى الضربات الاستباقية والإجهاضية من جانب واحد، من أجل محاربة الإرهاب في كل مكان من ساحات العالم.

المؤلف في سطور

عمل «كارل روف» كبيراً لمستشاري الرئيس السابق جورج دبليو بوش خلال حقبتي الحكم اللتين أمضاهما بوش في البيت الأبيض وحتى استقالته في أواخر أغسطس عام 2007.

ليعمل خبيرا استشاريا في مجال السياسة الداخلية، وخاصة ما يتعلق بالحملات الانتخابية، تنظيما ودعاية وتمويلا واستطلاعا لآراء الناخبين..كما سعت لاستقطابه قناة «فوكس» التليفزيونية.

التي كرست نفسها في السنوات الأخيرة للتعبير عن آراء وطروحات اليمين، وخاصة في الحزب الجمهوري الأميركي المعارض في الوقت الحالي، حيث يشارك في تقديم برامجها السياسية، والتعليق عليها. ولم يكمل تعليمه الجامعي، وإنما شغلته قضايا السياسة والانتخابات.