أثارت مسألة إقالة الجنرال ماكريستال عن منصبه كقائد للقوات الأميركية في أفغانستان انتقادات واسعة النطاق حول مدى جدوى العمليات العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة و حلفائها ضد مسلحي طالبان. وكان ماكريستال قد أطلع وزراء الدفاع و قادة القوات الدولية للمساعدة الأمنية على الوضع هناك، وحذّر من تردي الأوضاع بما يستحيل معه التوقع بحدوث تقدم خلال الأشهر الستة القادمة.

وخلال الشرح الذي قدمه ماكريستال، أبدى مخاوفه من التدهور الأمني الخطير وأعمال العنف و تفشي الفساد في الإدارة الأفغانية. وجاءت التفاصيل الكارثية التي كشف عنها القائد السابق للقوات الأميركية تقييما للوضع المأساوي هناك، في الوقت الذي حدّد زعماء الدول المشاركة في القوات الدولية للرئيس الأفغاني حامد قرضاي مهلة مدتها خمس سنوات لتحسين الأوضاع الأمنية و نظام الحكم في بلاده.

فقد دعا قادة الدول الثمانية في اجتماعهم بمدينة تورونتو الكندية إلى تحقيق تقدم ملموس في غضون السنوات الخمس المقبلة على مستوى نظام الحكم، وأن تضطلع القوات الأفغانية بمهامها في السيطرة الأمنية التامة. وأكد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون على ضرورة تكامل الجانب السياسي والأمني على حد سواء.

وحذر ماكريستال من ضعف الإجراءات الأمنية في أفغانستان باستثناء بعض المناطق ذات الأهمية الجوهرية في نجاح العمليات العسكرية على الأمد الطويل أو تلك التي تحظى بنمو مستدام، أو تحت السيطرة الحكومية التامة.كما حذر من خطورة النقص الشديد في الكوادر المؤهلة لإنشاء جيش لأفغاني قوي.

ووصف الجنرال المُقال الحكومة الأفغانية بالضعف أو عدم المصداقية، و إخفاق الحكومة الباكستانية في ردع العمليات المسلحة الأمر الذي ينطوي على مخاطر حادة تعرقل أهداف القوات الدولية في البلدين. وأشار إلى أن ضعف الدعم السياسي وتهاوي توقعات دول التحالف وتوقيت الحملة العسكرية على أفغانستان، كل ذلك يشكل سلسة من التحديات في سبيل تحقيق التقدم هناك.

ولم يكتفِ «ماكريستال» بما أدلى به من تفاصيل وانطباعاته عن الوضع في أفغانستان أمام الوزراء وقادة الناتو، بل زاد الطين بلة ونشر مقالة في مجلة «رولينج ستون» الأميركية سخر فيها من كبار مسئولي إدارة الرئيس أوباما ودبلوماسييه

واعتبر مؤيدو ماكريستال قرار أوباما بعزله عن مهمة القيادة جاء بدوافع سياسية، حيث لفتت مصادر عسكرية بالجيش إلى أن اعترافات الجنرال شكّلت عائقا فجائيا أمام خطة أوباما بسحب القوات الأميركية، ما قد يربك حساباته في الفترة الثانية من رئاسته.

من جانبه وصف البيت الأبيض الرسالة التي قدمها ماكريستال كانت خاطئة، عندما حذر الوزراء وقادة الناتو بعدم التعجل في الوصول لنتائج بشأن الحرب في أفغانستان، و أن القوات الدولية تواجه مقاومة مسلحة عنيفة.

التحذيرات التي أطلقها ماكريستال جاءت تعضيدا للاعترافات من قادة في حلف الناتو بضعف احتمالات تحقيق تقدم في العمليات العسكرية. وأخيرا قال المتحدث باسم الناتو: «لا أعتقد أن هناك من يجزم بأننا نحقق نصرا». ويرى أحد القادة أن صدقية ماكريستال في تصريحاته بشأن الوضع على الأرض في أفغانستان كانت بمثابة عائقا أمام جهود أوباما للبحث عن مخرج آمن من المأزق الأفغاني، وحشد التأييد للانتخابات الرئاسية في 2012.

ويرى أحد المسؤولين في الحكومة البريطانية أن رحيل ماكريستال يعد دليل على تقلد الساسة لمقاليد الأمور في هذه الحرب. وأضاف: «طالبان تشعر بالضغوط، ولكننا لا نجني ثمرة ذلك على الصعيد السياسي». وأوضح أن استخدام أوباما سلطاته بإقالة ماكريستال يعد استعراضا للقوة، مشيرا إلى أنه يرى من وجهة نظره بأن تحقيق الانتصار في أية حرب يتطلب أن يكون هناك أشخاص أمثال تشرشيل وآلان بروك، بمعنى التوازن بين السلطة السياسية والقيادة العسكرية.

وتابع بالقول: «ماكريستال نفسه كثيرا ما دعا إلى تحمل القيادة السياسية مسؤوليتها في الحرب بأسرع ما يمكن، في الوقت الذي يرى خلفه الجنرال بترايوس بأنه اليد العليا لابد أن تكون للآلة العسكرية أولا، ثم يأتي التفاوض من نقطة قوة».

ترجمة ـ هشام فتحي

تغير التكتيكات

كتب المحلل السياسي البريطاني «باتريك كوكبيرن» تعليقا في صحيفة إندبندنت أكد فيه على أن الجنرال بترايوس لن يستطيع تحقيق أي تقدم في أفغانستان إذا ما أصر على التمسك بالتكتيكات العسكرية الحالية. وقال إن بترايوس يتولى المهمة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة إنها لن تستطيع تحقيق انتصار عسكري، إلا أنها في الوقت نفسه أيقنت بأنها لن تنسحب من دون خسائر.

ولم تكن للولايات المتحدة أية مصالح في بغداد أو كابول، حيث تدخلت في كلا البلدين فقط لحفظ هيبتها واستعراض القوة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ظنا منها بأنه سوف يتم جني الانتصار بصورة سهلة. ولكن الواقع كان مفجعا، حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حرب استنزفت قوتها وفضحت ضعفها. ومضى «كوكبيرن» في تعليقه: « أما قدرات الجنرال بترايوس فلا تعدو كونها أشبه بسياسي يحول أن يؤقلم نفسه مع الظروف الداخلية في بلاده. وسمعته في المضمار العسكري ما هي إلا دخان يخفي قدرات سياسية فقط.

بقلم - جوناثان أوين وبرايان برادي