رغم الانشغال الشديد في الفترة الأخيرة من جانب أطراف شتى في عالمنا بمتابعة مسير ونتائج مباريات مونديال كأس العالم في جنوب أفريقيا، فإن هناك أوساطا ودوائر في عالمنا ما برحت تولي اهتمامها، سواء بالمتابعة أو المراجعة، لأهم وثيقة دولية ظهرت حتى الآن كي تحذر مما أصبح يعرف باسم ظاهرة «تغير المناخ» في كوكب الأرض وبخاصة ما يتعلق منها بمشكلة التساخن الكوكبي أو الاحتباس الحراري أو أثر «الدفيئة».
وكلها تؤدي بداهة إلى رفع درجة حرارة الكرة الأرضية بكل ما يؤدي إليه ذلك من احتمالات ارتفاع منسوب سطح البحار والمحيطات وذوبان ثلوج الأغطية الجليدية فوق قمم الجبال واضطراب معدلات سقوط الأمطار مما يهدد بغائلة الجفاف في أكثر من موقع ومنطقة في شمال العالم وجنوبه على السواء. في هذا الإطار تعرض الحلقة لأحدث انتقادات وجهتها الوكالة الهولندية المعنية بالقضايا البيئية إلى المجموعة الدولية المكلفة ببحث وتدارس هذه المشكلة التي تهدد بيئة الأرض وتحمل اسم «فريق الخبراء الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ» وقد أصدر الفريق تقريره المحوري الخطير في نحو 3000 صفحة كي يضع أمام أنظار العلماء وراسمي السياسة وصانعي القرار في دول العالم بأسره كل ما خلص إليه أعضاؤه .
وهم من كبار الاختصاصيين من نتائج تحذر من خطورة تغير المناخ. ورغم أن الوكالة الهولندية وجهت انتقادات إلى الفريق الدولي بسبب ما كشفت عنه من سلبيات شابت تقريره الحافل إلا أن ثمة إجماعا على أن ما ينقص هذا التقرير بشكل عام هو عنصر «مراقبة الجودة» وأن نتائجه وتوصياته وتحذيراته مازالت صائبة وينبغي من ثم أن تظل نصب الأعين ومحور الاهتمام. إذا كان الاعتراف بالحق فضيلة في سلوك الأفراد فإن الاعتراف بالخطأ سوبر ـ فضيلة إذا كان الأمر يمس مصلحة البشرية كلها. من هذا المنظور يمكن أن يتعامل المحلل السياسي مع البيان الذي أصدرته في الأسبوع الأول من شهر يوليو الحالي واحدة من أهم الدوائر الهولندية في لاهاي ـ المدينة التي مازالت تعد محورا أساسيا من محاور دراسة القانون الدولي فضلا عن كونها مقراً عتيداً لمحكمة العدل الدولية.
بيد أن الاعتراف الذي طالعه العالم مؤخرا لم يأت مرتبطا لا بالقانون الدولي ولا بمحكمة العدل الدولية، بل جاء مرتبطا بالحالة «الايكولوجية» في العالم.. وبالتحديد بأكبر مشكلة باتت تؤرق الحادبين على بيئة عالمنا وهي مشكلة التغيرات التي تطرأ على مناخ الكرة الأرضية.
قمة كوبنهاغن
والمعروف أن العام الماضي شهد في أواخره انعقاد قمة عالمية التأمت خصيصا في العاصمة الدانماركية ـ «كوبنهاغن» لبحث مشكلة المناخ وتغيراته ومدى الأخطار التي يمكن أن تفضي إليها هذه التغيرات في السنوات القادمة من هذا القرن الحادي والعشرين.
والحق أن معظم الأوساط الدولية، يستوي في ذلك الدوائر العلمية وراسمو السياسات وصناع القرار تعاملوا مع التقرير العالمي بقدر ملحوظ من التقدير والاهتمام.
لماذا؟.. لأن التقرير جاء نتيجة سنوات من العمل الدؤوب والبحوث العلمية المستفيضة التي عكف على إجرائها مجموعة من أهم الاختصاصيين من كل أنحاء العالم.. شماله وجنوبه على السواء، ثم حملت هذه المجموعة من كبار الخبراء والعلماء الاسم التالي:
فريق الخبراء الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ.. وقد أصبح يعرف أحيانا باختصاره في الإنجليزية وهو «آي. بي. سي. سي».
ولقد جاءت المحصلة النهائية لجهود هذا الفريق على شكل الوثيقة الجامعة التي ألمحنا إليها وهي عبارة عن تقرير يعد الأضخم من نوعه ضمن وثائق المنظومة الدولية حيث بلغ عدد صفحاته ثلاثة آلاف صفحة بالتمام والكمال.. وفي ذلك خروج بديهي عن القاعدة التي سبقت إلى إرسائها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها الشهير الذي أكدت فيه على جملة أمور في مقدمتها ضرورة الحد من حجم الوثائق الصادرة عن دوائر المنظومة الدولية.
بين الشكوك والمصداقية
المهم أن مضامين هذا التقرير ما برحت تخضع لمراجعة وفحص وتمحيص من جانب دوائر معنية بأمر المناخ الكوكبي: منها ما ظل يلتزم على طول الخط بموقف الرفض والتشكيك في مصداقية تحذيرات فريق الخبراء الدولي.. وهو موقف يدحضه ما أصبح ملحوظا من تغيرات لا سبيل إلى تجاهلها في درجات الحرارة التي أصبحنا نشهدها ونشعر بها في مناطق عديدة من عالمنا وبشكل مستجد تماما عما كان سكانها قد عاشوه وتآلفوا معه.
وإذا كان هناك من يكاد يصرف النظر عن فئة الرفض المطلق والتشكيك على طول الخط، فإن هناك من يأخذ على محمل الجد الشديد موقف المراجعة الأمينة مع النفس وقد اتخذته أكبر الوكالات المعنية بقضايا البيئة في هولندا حين اعترفت بالخطأ، وربما بالأخطاء التي وقعت فيها حين قدمت معلومات مغلوطة أو مبتورة إلى فريق الخبراء الدولي كي يبني عليها بحوثه ويخرج من ثم بنتائج شابتها أخطاء من حيث دقة الرصد وخطأ الحساب وقصور النتائج.
صحيح أن وكالة البيئة الهولندية أكدت في بيانها الصادر يوم الاثنين (5 يوليو الجاري) أن هذه الأخطاء التي شابت تقرير الصفحات الدولية الثلاثة آلاف ليس لها أن تؤثر ـ كما تذكر «وكالة أسوشيتدبرس»ـ على مصداقية الاستنتاجات الأساسية التي خلص إليها فريق الخبراء الدولي ويمكن تلخيص أهمها على النحو التالي:
إن ظاهرة التساخن العالمي (ارتفاعات درجة حرارة الكوكب) التي أدى إليها النشاط البشري (الانبعاثات الكربونية الناجمة عن عوادم الصناعة والنقل وما إليها) أمر يحدث بالفعل ويؤثر بالفعل ومن ثم فهو يهدد بالفعل حياة ورفاه الملايين من البشر.
هولندا.. لماذا؟
من هنا تظل المصداقية من نصيب تحذيرات فريق الخبراء الدولي إزاء الأخطار المحدقة بسكان الكوكب سواء من حيث ارتفاع سطح البحر مما يهدد بالغرق دلتاوات الأنهار ومساحات شاسعة من الأراضي الواطئة في مواقع شتى من البسيطة، إضافة إلى اضطراب المناسيب السنوية من معدلات هطول الأمطار في مختلف مناطق القارات بما يهدد بعض هذه المناطق بآفة الجفاف بكل عقابيلها الوخيمة المعروفة، فضلا عن خطر انقراض أنواع مختلفة من كائنات الحيوان والنبات من فوق ظهر الأرض.
وهنا أيضا نطرح السؤال البديهي: لماذا يشتد الاهتمام من جانب هولندا بالذات؟
وفي معرض الإجابة علينا أن نوضح أن هولندا تحمل بداهة اسمها التقليدي وهو «الأراضي الواطئة» وكانت تعرف بهذا الاسم في كلاسيكيات المراجع الجغرافية العربية.. وفي هذا السياق عاودت وكالة البيئة الهولندية اعترافها، المحمود طبعا، بالخطأ حين قالت في بيانها الأخير الذي أشرنا إليه: نحن نتقبل المسئولية عما جاء في التقرير الدولي الصادر في عام 2005 بأن هولندا تقع أراضيها تحت سطح البحر بنسبة 55%، وهذه معلومات كان من واجبنا أن نتحرى الدقة فيها حيث الحقيقة تقول بأن 26% فقط من مساحة هولندا هي التي تقع تحت سطح البحر.. وكان من واجب التقرير العالمي أن يذكر أن 55 في المائة من مساحة هولندا معرض لخطر الفيضان وليس لخطر الغرق تحت سطح المحيط.
مع ذلك، تمضي الاعترافات الهولندية كي تؤكد أن هذا التصحيح ليس معناه أن تركن أقطار مثل هولندا (فما بالك بالدول الجزرية الواقعة وسط مياه المحيطات) ـ إلى سلوك الدعة والاطمئنان أو التشكيك أو التسويف.. بل معناه ـ كما تشدد وكالة البيئة الهولندية هو أن أراضي هولندا الواطئة معرضة بدرجة كبيرة إلى خطر أي ارتفاع يطرأ على سطح البحر.. ومن ثم فالدرس المستفاد ليس في رفض المعلومات أو تجاهلها والزراية بها أو التهوين من شأنها، بل في التمسك بما أصبح يوصف بأنه «مراقبة النوعية» أو «ضبط الجودة» كما يقال في دنيا الإنتاج المادي واللامادي على السواء.
مساواة في الكوارث
وربما يتحقق في مثل هذه الأزمات ـ المعولمة كما قد نسميها ـ نوع من المساواة أو النُصفة بين العالم الصناعي المتقدم والعالم الجنوبي النامي من حيث التعرض المشترك لغوائل الخطر وفي غضون عقود ليست بالبعيدة من سنوات القرن الحالي.. طبعا إذا لم يبادر العالم كله إلى التصدي لهذه المخاطر التي نشأت في أغلب أسبابها عن السلوك البشري، وفي إطار ما يمكن أن نصفه بأنه «جدل التقدم» وبمعنى أن الإنسانية تدفع ثمنا لما حققته من تقدم في مضمار الصناعة والنقل على وجه الخصوص.
وربما انساق البشر أمام بريق ما حققوه من أسباب القوة والمنعة والرفاهية.. وبدلا من أن يوظف هذا كله لخدمة السلام والأمن والارتفاع بمستوى الحياة لصالح البشرية جمعاء.. رأينا من يتحول بالقوة الجبارة إلى استخدامها في دعم آلة الحرب والدمار (تأمل مثلا كوارث الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن العشرين) ورأينا من يتحول بالرفاه والازدهار كي يحتكرهما لصالح شعب مغتصب في مشاريع الاستيطان الاستعماري التي تقوم على سلب وطن وحقوق شعب (تأمل مثلا نكبة فلسطين) ثم تأمل باستمرار تلك الهوة الواسعة، وهي تزداد تفاقما، حيث تفصل بين أسلوب حياة شعوب في شمال العالم تنعم إلى حد البطر بكل أسباب الرفاهية وشعوب في جنوب الكرة الأرضي لا تكاد يجد أبناؤها ما يسد الرمق.. وبالطبع لا تكاد تلوح أمامهم بارقة أمل في غد معقول.
ولو استطاع أهل الشمال أن يهربوا إلى عوالم أخرى في مجرة المجموعة الشمسية لفعلوا بغير تردد.. ومنهم من لا يزال يفتش في إطار جهود أكثر من حثيثة عن مصادر المياه فوق سطح الكواكب الأخرى وهم ينفقون في ذلك مبالغ تعّز على الحساب والإحصاء.. ولو أحسنوا لأنفقوا ولو جزء منها على مكافحة الفقر والمرض ومعالجة بؤس الحياة في قارات العالم النامية الثلاث.
ردود من جنيف
في كل حال فلا يزال تقرير ال3000 صفحة مطروحا ليشكل شاهدا بالغ الأهمية على خطورة ظاهرة تغير المناخ.
وعندما أصدرت الوكالة الهولندية بيانها الناقد للأخطاء التي شابت التقرير المذكور سارع فريق الخبراء الحكومي الدولي إلى إصدار بيان من مركزه لدى مقر الأمم المتحدة الأوروبي في جنيف معربا فيه ـ بالطبع ـ عن ترحيبه بما كشفت عنه الوكالة الهولندية من ثغرات أو سلبيات، ولكن مؤكدا في الوقت نفسه نفس الخلاصة التي انتهى إليها الفريق ومفادها حرفيا كما يلي:
إن استمرار ظاهرة تغير المناخ إنما يطرح تحديات خطيرة أمام رفاه البشر ويعوق مسيرة التنمية المستدامة التي يطمحون إلى تحقيقها.
مع ذلك، فقد كان بديهيا أن يستطرد «الجماعة» في جنيف ليقولوا إنهم سوف يولون اهتماما كبيرا إلى التوصيات التي خلصت إليها وكالة البيئة الهولندية وخاصة ما يتعلق بجهود مراجعة وتنقيح النتائج والتوصيات التي طرحها الفريق الدولي على الأطراف المعنية وخاصة صانعي القرار. ومرة أخرى.. فمازالت مثل هذه القضايا بعيدة عن أن تشغل محور اهتمام الناس ولا هي دخلت كما ينبغي في بؤرة اهتمامات السياسة في عالمنا.. ولا شك أن ما دار مؤخراً بين جماعات البيئة في هولندا ونظرائهم الدوليين في جنيف قد نال ربع أو حتى عُشر ما نالته وقائع كأس العالم من اهتمام.
والحق أن سوف تنقضي ملاحم أولمبياد الكرة.. وسوف تصبح أهداف الفوز الكروي أو الخسارة الكروية من ذكريات الماضي.. لكن الذي سيبقى هو حقيقة أن العالم لا يزال مطالبا بالنظر بكل جدية إلى مثل هذه الأوجاع الأيكولوجية التي تهدد حياة سكانه.. وفي مقدمتها تغيرات المناخ بطبيعة الحال.
الخطر على أفريقيا
لو كان واضعو تقرير فريق الخبراء الدولي قد التزموا منذ البداية بالمبدأ المذكور أعلاه لما وقعوا في خطأ إحصائي آخر بالنسبة للقارة الأفريقية هذه المرة.. وكان التقرير قد ذكر أن ظاهرة الدفيئة وهي ظاهرة ارتفاع درجات الحرارة من شأنها أن تلحق أخطارا بمعايش وربما بحياة ما يتراوح بين 75 مليونا و250 مليونا من سكان أفريقيا على مدار السنوات العشر المقبلة. والحاصل أن تمت إعادة الحسابات في الفترة القريبة الماضية لتوضّح أن المهددين بهذا الخطر في أفريقيا عدد يتراوح بين 90 مليونا و250 مليون نسمة.
ولقد ذكر التقرير الدولي أن عام 2035 سيحل كي يشهد ذوبان الثلوج من فوق قمم جبال الهملايا وهي الأعلى في الكرة الأرضية.. ولكن هناك من الدراسات من أصبح يراجع هذا التوقع كي يمدّد ظاهرة الذوبان بسبب ارتفاع الحرارة وتغيرات المناخ إلى عام 2050.
وفي تصورنا أن هذه المراجعات بكل أهميتها لا تنال من مصداقية التقرير الذي لابد وأن تؤخذ نتائجه وتحذيراته مأخذ الجدية الشديدة والاهتمام العميق من جانب صانعي القرارات في طول عالمنا وعرضه، حيث لا يقتصر الخطر على منطقة دون أخرى ولا يوجد طوق نجاة سحري ينقذ من هذه الأخطار شعبا دون آخر.
إضاءة
رغم أن قمة كوبنهاغن لم تسفر ـ كما أجمع مراقبو الشأن العالمي وعلى نحو ما أشرنا إليه في مبحث سابق ـ عن قرارات حاسمة وناجزة ويعتد بها خاصة من جانب الدول المتقدمة صناعيا..
إلا أن القمة الدانمركية جاءت لتسلط الأضواء على أهم وثيقة دولية صادرة في هذا المضمار بكل ما احتوته الوثيقة من دراسات وإحصاءات واستنتاجات وتحذيرات، وكلها ترتبط بتغيرات المناخ فوق سطح كوكبنا بشكل عام.. ثم تحّذر بشكل خاص من ظاهرة زيادة درجات الحرارة وما يمكن أن تسفر عنه ـ في رأي التقرير العولمي ـ من نتائج سلبية، بل كارثية في بعض الأحيان ـ ومنها مثلا ارتفاع منسوب سطح البحر.
محمد الخولي


