نحو شهرين مرا منذ بدأت محادثات التقارب بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وقريبا ستصل المفاوضات غير المباشرة، التي استهدفت استئناف المسيرة السياسية، إلى نقطة اللاتفاهم على حلول وسط. ولكن يبدوأن رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن غير متفائل ويوجه إصبع الاتهام نحو هدف واحد قائلا في حديث أجراه معه صحفيون إسرائيليون في رام الله «لم نحصل من نتنياهو حتى ولا على مؤشر واحد يدل على التقدم».

ومع ان التسويف في محادثات التقارب يحبط السلطة الفلسطينية كثيرا، ويجعل أبو مازن أكثر حدة ورسائله أكثر تركيزا بالقياس إلى اللقاءات السابقة. إلا أن الرئيس الفلسطيني يشعر بحاجة خاصة إلى أن يتوجه بشكل مباشر إلى الجمهور في إسرائيل كي يحاول اقناعه بان الذنب في أن المفاوضات عالقة لا يقع على الطرف الفلسطيني.

في انتظار الجواب

في أثناء اللقاء، الذي عقد في مكتب الرئيس في رام الله، طرح أبو مازن على جدول الأعمال موضوعان ـ الحدود ومسألة الأمن، وقال أنه «اذا ما تحقق اتفاق في هذين الموضوعين فستستأنف المفاوضات المباشرة»، مضيفا بأنه حتى الان لم يتلقَ ولا مؤشر واحد يدل على التقدم في هذين الموضوعين.

وحسب ابو مازن، ففي أثناء ولاية حكومة اولمرت تحقق اتفاق مبدئي على أن «الأراضي المحتلة» تتضمن قطاع غزة والضفة الغربية.

واتفق الطرفان على أن الضفة تتضمن شرقي القدس، البحر الميت، نهر الأردن والأراضي المقدسة، ويقول أبو مازن «على هذا الأساس بدأنا نتبادل الخرائط والوثائق مع حكومة اولمرت كي نبلور اتفاقا، وتم نقل كل الوثائق والخرائط إلى المبعوث الأميركي جورج ميتشل، الذي من جهته سلمها إلى نتنياهو، ولكن حتى الآن لم يأتِ أي جواب من الطرف الإسرائيلي».

ولم يرفض أبو مازن وجود طرف ثالث في المنطقة قائلا «لا مانع لدينا أن يكون طرف ثالث في المناطق الفلسطينية. هذه القوة ستكون بحجم نتفق عليه وتستقر في نقاط نتفق عليها. وقد سألوني عن أي طرف ثالث يدور الحديث. فقلت كل من نتفق عليه. كان هناك من اقترح الناتو، ومن اقترح اليونيفيل أو أي طرف آخر».

لكن أبو مازن وضع شرطا أساسيا لقبول وجود الطرف الثالث وهو، أنه لا يجب أن يبقى أي إسرائيلي على ارض الفلسطينيين، قائلا «إسرائيل تريد أمنها وأنا أريد سيادة».

في حالة الفشل

رغم الإحساس بالتشاؤم، رفض ابو مازن التطرق في حديثه للصحفيين الإسرائيليين إلى مسألة ماذا سيحصل اذا ما فشلت محادثات التقارب. الجامعة العربية خصصت أربعة أشهر للخطوة، وهذه ستنتهي بعد نحو شهرين. وأبو مازن، من جهته، تملص من مسألة ماذا سيحصل في نهاية الأشهر الأربعة تلك، ملقيا عبء الإجابة على هذا السؤال على الطرف الإسرائيلي.

ومهما يكن من أمر، فقد نفى أبو مازن ان يكون الفلسطينيون يعتزمون في حالة الفشل التوجه إلى خطوة احادية الجانب، كالتوجه إلى مجلس الأمن، وقال أبو مازن: «أجرينا نقاشا في الجامعة العربية لدراسة ماذا سيحصل اذا لم نتوصل إلى حل. الدول العربية قالت سنذهب إلى مجلس الأمن، بعد أن نتشاور مع أصدقائنا، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول أوروبا.

كان هناك من فهموا ذلك على نحو غير صحيح وادعوا باننا نريد أن نتوجه إلى خطوة احادية الجانب. ولكن هذا ليس صحيحا. الاتفاقات الموقعة تقرر بأنه محظور على أي طرف ان ينفذ خطوات احادية الجانب تعرقل الاتفاق الدائم».

ضغوط على أبومازن

وأشار ابو مازن إلى أنه على علم بالضغوط الداخلية التي تمارس على نتنياهو، ولكنه أوضح بان هذا الامر ليس فقط لدى الجانب الإسرائيلي، بل أيضا لدى الفلسطينيين، حيث قال: «لدي أنا أيضا مشاكل صعبة، وإذا كان نتنياهو يقول ان لديه ائتلافا متضعضعا، فأنا من حولي توجد قيادة متضعضعة، والمقربون مني يقولون لي دائما اوقف محادثات التقارب، كما أن الدول العربية تمارس الضغط عليّ، أحيانا أجد نفسي وحيدا، دون أي سند. رغم ذلك فاني أواصل المفاوضات».

وحول تخوفات البعض في إسرائيل من عودة الأسرى الفلسطينيين المحررين لممارسة الأعمال القتالية ضد إسرائيل، حاول أبو مازن طمأنة الإسرائيليين قائلا: «على مدى ثلاث سنوات وأنا احرص على الأمن دون أن يطرحوا علي شروطا.

كل أجهزة الأمن الإسرائيلية تعترف بان الوضع الأمني هنا هو مائة في المائة، وهذا ما سمعته من كبار المسؤولين في إسرائيل. ويجدر العلم أن الحفاظ على الأمن في الضفة هو مصلحة الفلسطينيين قبل الإسرائيليين». معاريف ـ عميت كوهين.

إضاءة

قبل بضعة أشهر أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس بانه لا يعتزم ان يواصل في منصبه كرئيس للسلطة الفلسطينية، وقال البعض أنها خدعة وحيلة للضغط على الإسرائيليين وتخويفهم مما قد يحدث لو ذهب أبو مازن وأتى من هو أشد منه، كما اعتقد البعض أن أبو مازن بإعلانه هذا إنما يسعى لجذب الشعب الفلسطيني إليه ودفعهم إلى التمسك به، مما يقوي موقفه أكثر أمام الإسرائيليين.

وقد عاد أبو مازن في حديثه بالأمس القريب مع صحفيين إسرائيليين ليقول ان عائلته لا تزال تضغط عليه للاعتزال. وقال «أعلنت باني لا اعتزم التنافس من جديد في الانتخابات القادمة ولكن إلى أن تجرى الانتخابات فاني سأواصل مهام منصبي».

هذا القول من أبو مازن يرى البعض أنه بلا مضمون واضح، وذلك لان الانتخابات تأجلت إلى إشعار آخر غير واضح، بسبب الانقسام مع حماس، وقد وعد أبو مازن بأن الانتخابات قادمة لا محالة، لكنه لم يقل متى. كما أن الوعد بالبقاء حتى الانتخابات لم يبقَ دون شروط.

فقد قال أبو مازن: «أنا لن أبقى هنا إلى الأبد. انا لست رجلا شابا»، ورغم ان الواقع يكشف أنه حتى الان أن السلطة الفلسطينية وفتح ليس لديهما مرشحا بديلا، الا ان أبو مازن يعتقد بأن هناك ما يكفي من الشخصيات من أوساط الجيل الشاب في القيادة الفلسطينية يمكنهم ان يحلوا محله.

د. مغازي البدراوي