رغم كونها طبيبة حكومية، وجدت مروة كمال نفسها في الشارع، بعد ان طردتها السلطات في أعقاب انقلاب 1996 الذي قاده العسكر ضد حكومة رئيس الوزراء المنتخب نجم الدين اربكان.
وتقول مروة إن الأمر لم يتغير كثيرا الآن، فلاتزال السلطات تمنع اشتغال المحجبات في المؤسسات الحكومية، لكنها استدركت بالقول إن هناك شيئا من غض الطرف عن الموضوع احيانا، رغم انها تشير إلى أن الجهات الأمنية تستدعيها للغرض نفسه في بعض الاحيان.
وتشير مروة، إلى أن محاولاتها للتخصص في إحدى المجالات الطبية باءت بالفشل، بعد أن حال قرار حظر ارتداء الحجاب من عودتها إلى مقاعد الدراسة.
وكشفت دراسة حديثة أصدرتها عالمة اجتماع تركية عن حرمان النساء المحجبات فى تركيا من العمل فى القطاع الحكومى، وبشكل خاص فى مجالات الطب والتمريض والتدريس الجامعى والصحافة والمحاماة والهندسة، كما أن لديهن فرصا محدودة للعمل بالقطاع الخاص.
وقالت الدراسة التى أعدتها عالمة الاجتماع ديليك سند اوغلو إن 70 % من التركيات يضعن الحجاب، و11 % منهن حاصلات على درجات علمية جامعية، ولكنهن لا يجدن فرصا للعمل بسبب التمييز ضدهن.
وأشارت الدراسة أيضا إلى تشديد جامعات تركية على منع الطالبات من وضع الحجاب خلال الحصص الدراسية، وأيضا داخل الحرم الجامعى، وقالت الباحثة إن «نساء تركيا المحجبات ومنعهن من العمل فى الوظائف الحكومية يعيد تعريف التمييز ضدهن فى عام 2010»..
وظل استخدام الحجاب واحدة من أخطر المشاكل في تركيا، وخاصة منذ فرض حظر ارتداء الحجاب في الجامعات في أواخر التسعينات من خلال قرار المحكمة الدستورية بحجة أنه ينتهك المبادئ العلمانية في البلاد باعتباره أحد الرموز السياسية والدينية.
وفشلت الأحزاب السياسية حتى الآن في حل المشكلة. ففي أوائل فبراير 2008، استطاع الحزب الحاكم (حزب العدالة والتنمية) بدعم من حزب الحركة القومية المعارض تمرير تعديل دستوري لرفع الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في الحرم الجامعي، بحصوله على اصوات اغلبية 411 نائبا من مجموع 550.
ومع ذلك، وبناء على طلب من حزب الشعب الجمهوري شديد الحماس للعلمانية وحليفه الحزب اليساري، قضت المحكمة الدستورية بأن البرلمان انتهك مبدأ العلمانية، المكرس دستوريا، عند تمريره تعديلات رفع الحظر عن ارتداء الحجاب، وبذلك تم إلغاء التعديل.
ومع اقتراب موعد الحملات الانتخابية للبرلمان المقبل المقررة العام المقبل، وفي مايبدو انه دعاية انتخابية مبكرة، شهدت الساحة التركية خلال الايام الماضية عودة قوية لهذه القضية، مع اعلان زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال قليجدار اوغلو، الخميس، السماح بارتداء الحجاب في الحرم الجامعي، إذا تسلم السلطة في الانتخابات المقبلة، إلا انه عاد مرة أخرى في اليوم التالي لينفي تصريحاته تلك، في أعقاب ردود الفعل الغاضبة والمستنكرة من أعضاء حزبه.
ومؤخرا أدلى قليجدار اوغلو لصحيفة راديكال التركية بتصريح، كذّب فيه ما قيل عنه من أنه ينبغي أن تكون حرية الدراسة مكفولة لجميع الطالبات بمن فيهن المحجبات، وقال «أنا لم أقل ذلك».
وأضاف «كل ما قلته أننا سنسعى لحل هذه المشكلة كما أننا سنسعى أيضا لحل مشكلة الإرهاب»، ملقياً بظلال كثيفة من الغموض على كيفية حل هذه القضية الشائكة.
وأثارت تصريحاته الغامضة، موجة من الآراء والمواقف المختلفة، خصوصاً من قبل الحزب الحاكم وحزب الحركة القومية المعارض.
فقد رد عليها رئيس المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، سعاد قليتش، مرحبا بها، بقوله «فليتفضل رئيس الحزب إلى البرلمان، وليقدم مقترحه، وسيحظى منا بكل دعم». وأضاف «يجب ألا تنتظر فتياتنا المحجبات أمام باب الجامعة إلى أن يصل حزب الشعب الجمهوري إلى السلطة في تاريخ لا يعلمه أحد. نحن ننتظر مقترحات رئيس الحزب الآن».
من جانبه، أعرب نائب رئيس كتلة حزب الحركة القومية بالبرلمان، فورال اوكتاي، عن اندهاشه من أن صانعي المشكلة هم الذين يبحثون عن حل لها، في إشارة منه إلى أن مشكلة حظر الحجاب في تركيا خلقها اساسا حزب الشعب الجمهوري. وطالب بضرورة حل هذه المشكلة في أقرب وقت.
وفي مقابلته مع (راديكال) بدا رئيس حزب الشعب الجمهوري كمن يقول انه وحده القادر على حل هذه المشكلة، باعتباره كان هو من صنعها ابتداء، بتقدمه إلى المحكمة الدستورية عام 2008، «أنا خلقت المشكلة، ويمكنني حلها. اما إذا كان أي طرف آخر يجرؤ على التصدي لها، فإنني سوف امنعه من ذلك».
لكن الطرف المقابل قال لقليجدار اوغلو في وسائل الاعلام والمنتديات «اذا كنت راغبا في الحل فلماذ تعيق الاخرين من حل المشكلة، انه سبيل ملتو وغير اخلاقي، ويقوم على استغلال حاجة الناس».
ميدانيا تسببت التصريحات المتناقضة والغامضة لقليجدار اوغلو في احداث بلبلة في الشارع التركي، مع قدر لا بأس به من الامتعاض في صفوف الطبقة المحافظة في المجتمع، لأن رئيس حزب الشعب الجمهوري.
الذي تسلم منصبه الشهر الماضي فقط، بعد فضيحة جنسية مدوية للرئيس السابق دنيز بايكال، بدا متلاعبا بالكلمات، ومحاولا الابتزاز واستغلال مشاعر قطاع عريض من الشعب التركي، ماأفقده تعاطف كثيرين، رأوا فيه وجها جديدا للحزب الذي خسر الانتخابات الثلاثة الماضية في البلاد، بسبب المواقف المتطرفة والمعاندة لزعيمه السابق بايكال.
اسطنبول ـ كامل عبد الله
