يقبل على الحمامات المكشوفة بولاية خنشلة شرق الجزائر المئات يوميا، عدد كبير منهم يستقر به المقام لأسبوع أو أكثر. ويلتقي الناس داخل المسبح الساخن ويتقاسمون منافعه الجسدية العديدة كما يوفر فرصة كبيرة للتعارف وتوثيق صلات الصداقة. وتبدو المسابح في محيطها العتيق كما لو كانت متحفا يعود بالزائر إلى زمن ولى كان فيه الإنسان يستأنس بالطبيعة وهي تمنحه الهدوء.
مروان وجهيد كانا في المكان حين زرناه مؤخرا، فقد فرغا من حصة السباحة الأولى وجلسا في ظل الجدار القرميدي العتيق يلعبان الشطرنج، بينما على بعد أمتار منهما الحرارة تحت الشمس قاربت الأربعين.
ومعهما جلس سعيد ومصطفى وهما طالبان جامعيان من قسنطينة. الأربعة سيقضون بالمركب السياحي الذي يشرف على الحمامات أسبوعا أو عشرة أيام ثم يتنقلون إلى مرتفعات منطقة القبائل لاستكمال العطلة قبل حلول شهر رمضان الكريم.
سعيد حين سألته عن المدة التي يقضيها ورفاقه في حمام الصالحين قال «لا استطيع أن أجيب فهذا المكان يسرق الوقت ولا ندري كيف يهرب منا» ونظر إلى الآخرين مبتسما. وبالمكان يوجد عدد كبير ممن قدموا من مناطق بعيدة مثل عنابة وباتنة وسطيف والعاصمة وكلهم أبهرتهم الحمامات الجميلة والطبيعة الخلابة المحيطة.
المعلم الكبير يقع تحت سفح جبل شامخ بارتفاع 2300م مغطى بأرز الأطلس وأشجار الزان الباسقة وأنواع شتى من الأعشاب. الحمامات الحامية أقيمت في العهد الروماني حين كانت خنشلة محمية رومانية.
وكانت المنطقة التي تسمى حاليا «حمام الصالحين» مركزاً عسكرياً يرجح انه تأسس عام 76 للميلاد في سياق توسع الحكم الروماني إلى الجنوب من المناطق الساحلية حتى عمق 250 كلم لضم المزيد من الأراضي الزراعية وبناء مراكز وقلاع عسكرية لضمان السيطرة وحماية المدن الكبرى.
والمسابح حفر كبيرة في الأرض بنيت بالحجر المهذب الكبير. اثنان منها دائريان بقطر ثمانية أمتار وعمق متر ونصف المتر، وآخران مستطيلان بطول 14 م وعرض عشرة أمتار وعمق متر ونصف المتر تتدفق إليها المياه من سواق متصلة بمنبع حرارة مياهه 70 درجة مئوية.
والحمامات تشفي بحسب ما يتداوله السكان والصحف 37 مرضاً على الأقل بينها المفاصل والصداع النصفي وآلام الظهر المزمنة وأنواعاً من القروح والطفوح الجلدية. وتفيد نقوش ومدونات قديمة أن عددا من الملوك والقادة العسكريين الرومان أقاموا في المنطقة طلبا للراحة واستحموا داخلها. واليوم يزورها الجزائريون من مختلف مناطق البلاد.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
