في الوقت الذي يجري فيه الحديث في دول عربية حول ظاهرة تزويج القاصرات قسرا، تجري في الجزائر منتديات وملتقيات برعاية من الدولة ومن الجمعيات الخيرية وتدخل فيها رجال الدين لحث الشباب على تكوين أسر.

وأفادت آخر التقارير أن معدل سن الزواج لدى الإناث تجاوز التاسعة والعشرين وبلغ لدى الذكور الثالثة والثلاثين. وهو وضع دفع الخبراء والرسميين لدق ناقوس الخطر كون المجتمع الجزائري يتجه نحو هدر أهم مصادر التجدد وهو الزواج. ورفع خبراء شاركوا في آخر منتدى احتضنته جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بمدينة قسنطينة في مايو الماضي مذكرة إلى السلطات تدعو إلى دراسة موضوع عزوف الشباب عن الزواج وايلائه الأهمية اللازمة لما يشكله من خطر على المجتمع سواء في الإبقاء على حيويته بضمان أغلبية من سكانه من الشباب كما كانت الحال منذ عقود أو في صد مخاطر الانحلال الخلقي، حيث الزواج يشكل إحدى أهم وسائل الوقاية.

وتوصل الخبراء إلى أن عدد العانسات والعزاب فوق الثلاثين تجاوز 10 ملايين. وأكدت فاطمة الزهراء بن إبراهيم أشهر وأكبر محاميات الجزائر ان الملايين من النساء والرجال مهددون بعدم الإنجاب تماما نظرا لتأخرهم عن الزواج. وقالت إن الظاهرة تتفاقم وثمة أسباب اجتماعية واقتصادية ونفسية أيضا تمنع الشباب عن الزواج وبالتالي تعطل الشابات. وتشكل العنوسة إحدى المشاكل التي تنغص حياة ملايين من العائلات الجزائرية، وثمة مئات الآلاف من النساء المثقفات من محاميات وصحافيات وطبيبات وشرطيات وأستاذات في مختلف مراحل التعليم بقين بلا زواج فضلا عن عدد كبير من الجالسات في البيت. وضحكت مريم عياط وهي مربية من سطيف كثيرا حين سألتها عن الآثار السلبية للزواج المبكر فقالت الوضع عندنا مقلوب يا رجل، كثيرات هن من يرغبن في الزواج المبكر حتى لا يعنسن.

زواج القاصرات... ولا يطرح زواج القاصرات مشكلة في الجزائر، ولا توجد حالات «بيع» الفتيات الصغيرات لمسنين من أجل المال. توجد حالات كثيرة للزواج المبكر لكن لأغراض تكوين أسر عادية وبين شباب وشابات متقاربين في السن. وعموما لا يوجد حاليا زواج تحت سن السادسة عشرة كما كانت الحال في الماضي. سألت امرأة في العاصمة زوجت ابنتها بالتبني عام 2008 وعمرها سبعة عشر عاما فقالت «فطيمة سعيدة مع وزجها خالد، وهي تربي ابنها وتعيش مع زوجها ووالدته في مسكن كبير بمدينة الرغاية... عمرها 17 عاما حين تزوجت وهي سن عادية في تقديري... لدي أختان تزوجتا قبل 45 عاما وعمرهن 16 و17 على التوالي وكونتا اسرتين سعيدتين».

وحدد قانون الأسرة الجزائري في طبعته المعدلة قبل خمس سنوات سن الزواج للجنسين، وجاء في مادته السابعة « تكتمل أهلية الرجل والمرأة للزواج بتمام 19 سنة وللقاضي أن يرخص بالزواج قبل ذلك لمصلحة أو ضرورة متى تأكدت قدرة الطرفين على الزواج.» ولم يعترض احد على القانون خاصة وأنه فتح باب الاجتهاد لقبول الزواج دون السن المحددة في حال رأى القاضي أن ثمة شروطا أهلية الزواج قبل التاسعة عشرة.

وقالت نورية حفصي الأمينة العامة للاتحاد الوطني للنساء الجزائريات أكبر المنظمات النسائية «تزويج الفتيات القاصرات قسرا صار من ذكريات الماضي الأليم للجزائر، اليوم توجد قوانين لكن حتى المجتمع عموما تطور...

ففي الماضي كانت العائلات تزوج بناتها حتى قبل الخامسة عشرة لأن الفتاة باقية في البيت وحين تصل الى هذا السن يرجى منها تكوين أسرة، لكن اليوم الفتيات يدرسن وليس ثمة مجال للزواج المبكر الا نادرا، وهو في كل الأحوال لا يشكل ظاهرة ولا يطرح مشكلا». وتتذكر العجوز بهيجة زواجها من ابن خالها قبل 67 عاما وكان عمرها أربعة عشر عاما وزوجها يكبرها بخمس سنوات.

وقالت كنا وقتها رجلا وامرأة، أما جيل اليوم ففي الرابعة عشرة لا تزال طفلة صغيرة ولا تصلح لشيء، ومثلها الشاب صاحب 19 سنة هو أيضا طفل غير مؤهل لبناء أسرة».

وقالت «في الماضي زمن الاحتلال زوج كثير من الفقراء بناتهم لمسنين أغنياء من أجل العيش، ومن تلك الفتيات من وجدن ضرة أو أكثر ربائب) بنات وأبناء الرجل (أكبر منهن بكثير. لكن الفقر كان يدفع الناس الى التضحية ببناتهم، وذكرت أسماء عديدة لفتيات تم تزويجهن في سن الرابعة عشرة والخامسة عشرة لكهول في الخمسينات.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي