تعيش دول عربية كثيرة اليوم مشكلة زواج القاصرات، ولأسباب كثيرة وجوهرية تخص المجتمع والقانون، والوضع في تونس يختلف شديد الاختلاف، فالباحث عن زواج من قاصر بمثابة الباحث عن إبرة في كومة من القش.

حيث تميزت أوضاع المرأة منذ تولي الرئيس زين العابدين بن علي سدة الرئاسة التونسية عام 1987، تبوأت المرأة منزلة الشريك مكتملة الحقوق والواجبات، وارتقت إلى مرتبة الند الكفء في دفع المسار التنموي للبلاد، وهو الشيء الذي جعلها تعتز بنفسها وتفخر بحقوقها، وتقرر مصيرها بنفسها. وللغوص في موضوع زواج القاصرات في تونس توجهنا إلى وزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنين، حيث تحدث معز بن محمود الملحق الإعلامي للوزارة، قائلاً: لا توجد أي دراسة أو بحث يتناول موضوع زواج القاصرات في تونس، بل بالعكس فبلادنا تعيش ظاهرة تأخر سن الزواج بالنسبة للرجل والمرأة ،حيث وصل المعدل لدى الطرفين إلى 30 عاماً في الوقت الذي كان ذلك يبدأ عند العشرينات.

ويضيف بن محمود: زواج القاصر مرتبط بالتبعية الاقتصادية، فكلما كانت المرأة تابعة للرجل من الناحية المالية، كانت عملية بيعها وشرائها أسهل، لأنه من وجهة نظري الشخصية فإن زواج القاصرات، عبارة عن عملية بيع وشراء واغتصاب للطفولة، والأحوال الشخصية في تونس حددت 18 عاماً لزواج الفتاة، وقبل تلك السن يجب أن يكون هناك مبرر شرعي لذلك وبترخيص قانوني يوقع عليه ولي أمر الفتاة، ودون ذلك فإنه يمنع زواج الفتاة قبل سن الرشد أي 18 سنة، وزواج الأطفال ممنوع منعاً باتاً.

حالات شاذة

وقانون الأسرة ينظم كل مناحي الحياة من زواج وطلاق وحضانة وميراث وغيرها من الأمور الأسرية و«الأحوال الشخصية» من أكثر القوانين تطورا، وقد حققت مزيدا من المكاسب الحقيقية للمرأة التونسية وهي بحق أهم مدونة في العالم العربي.

وحول إمكانية وجود زوجات قاصرات في الريف، حيث لاتزال العقلية الشرقية مسيطرة والكثير من الآباء يرفعون شعار مستقبل الفتاة في الزواج وليس في التعليم، يقول بن محمود: «مفهوم المرأة الريفية تغير كثيراً عن السابق.

كما أن نسبة التعليم التي تعيشها تونس اليوم والتي تبلغ 99 في المئة، تثبت مدى التطور الذي بات يشهده المجتمع التونسي، كما تغيرت مفاهيم الزواج وأصبح الكل يعرف أن مستقبل المرأة اليوم في تعليمها ومن ثم زواجها، وحال فتيات الريف لا يختلف عن حال نظيراتهن في العاصمة والمدن الكبرى فكلهن متعلمات وفاعلات في المجتمع».

صحيح أن تونس لا يوجد فيها زواج قاصرات أو زواج بالإكراه، في المقابل توجد بعض الحالات الشاذة لحمل المراهقات، دون زواج، في هذا الإطار وحسب القانون التونسي يتم إلزام الرجل الذي عاشر الفتاة على الزواج منها، أو السجن في حال رفضه للزواج، حول هذه القضية يقول معز بن محمود:«بالفعل توجد حالات شاذة، تضطر فيها المراهقة أو القاصر إلى الزواج، من أجل حماية طفلها، ولكنها تعتبر حالات فردية لا تكاد تذكر.

وقد استطاعت حملات التوعية للمراهقات داخل المدارس من التصدي للظاهرة، وكلما آمنت المرأة بقدراتها وشعرت بأنها شريكة للرجل، وليست تابعة له، استطاعت في قرارة نفسها أن تتجنب الوقوع في المحظور.

لا بيع للبنات

في السابق وقبل استقلال تونس من فرنسا عام 1956 وفي ظل غياب التعليم كانت المرأة يتم زواجها في سن مبكرة، وتتحمل أعباء الأسرة والبيت والأطفال، وهي طفلة بالأساس، وقد انقرضت تلك العادات منذ خمسينيات القرن الماضي، ذلك لأن التعليم في تونس أصبح إجبارياً، وهو الشيء الذي قاد تونس إلى أن ترتقي بثقافتها ومجتمعها وطموحها، هذا ما قالته نزيهة عبد الرزاق وهي عضوه ناشطة في جمعية أمهات تونس.

وتضيف: بحكم أنني ناشطة في الجمعية التي من المفروض أن تعنى بهذه الحالات الشاذة، إلا أننا لا نتلقى حالات من هذا النوع، أولاً لأن الزواج في تونس لا يتطلب مهورا كبيرة قد تدفع بالأهل إلى بيع أبنتهم لثري عربي، أو أجنبي كما هو الحال في معظم الدول العربية، فمهر العروس محدد بثلاثين ديناراً تونسياً (25 دولاراً أميركياً)، وثانياً فالمرأة في تونس لها حرية القرار والاختيار.

كما أن طموحها في التحصيل العلمي والمشاركة في الحياة العملية أصبح يفوق طموح الزواج، واليوم نتحدث في تونس عن تأخر سن الزواج والعنوسة وصرفنا النظر منذ سنوات عن الحديث عن زواج القاصرات، أي أن آخر عروس قاصر في تونس قد تكون جدة جدتي».

وحول إن كانت الجمعية تستقبل فتيات مغاربيات من خارج تونس وقعن تحت طائلة الزواج القسري للقاصرات تجيب عبد الرزاق: «الجمعية استقبلت مراسلات من فتيات خارج حدود تونس، يطلبن فيه النصح والإرشاد وكيفية التعامل مع الوضع الجديد، خاصة وأنهن يواجهن رفض المجتمع والعائلة، ونقوم كجمعية بالرد وتوجيه النصح لهن خاصة الحوامل منهن، حيث نقوم بتقديم برامج لحماية وتربية الطفل الذي ستربيه طفلة».

تونس ـ ضحى السعفي