على مدار الثلاثة الأشهر الماضية تحول موضوع زواج الصغيرات في اليمن إلى قضية الساعة ليس فقط بسبب الخلافات المتأججة بين الداعين إلى تحديد سن قانونية للزواج وبين الرافضين له، وإنما أيضا بسبب تزايد اهتمام الهيئات والمنظمات المدنية والحقوقية بهذا الملف ما أسفر عن إبراز وإثارة هذه المشكلة في الصحافة والإعلام اليمني على نحو غير مسبوق خاصة بعد تسليط الضوء على عدد من ضحايا تلك الزيجات، ما أدى إلى تنامي الوعي بقضية كانت في حكم المسكوت عنها لاعتبارات فقهية وشرعية.

فإلى وقت قريب كانت قضايا ضحايا الزواج المبكر وما تتعرض له أطرافه من أضرار نفسية وبدنية، ومن انتهاك لحقوق الفتيات من مسائل لا تجد طريقها للذيوع والانتشار، بسبب العيب الاجتماعي والشعور بمرارة العار الذي قد تجلبه ضحية الزواج لأسرتها، إذا ما تعرضت للعنف من قبل زوجها.ولذلك كان من النادر أن تذاع أخبار مثل تلك لقضايا على نطاق واسع، بل يجري احتواؤها في نطاق ضيق، لكن اليوم فضحايا الزواج المبكر والذي بات يعرف اليوم بالزواج القسري. وبفضل الاهتمام الإعلامي والمدني والحقوقي المتزايد بالمشكلة منذ أن فجرتها الطفلة نجود قبل ثلاث سنوات عندما لجأت للمحكمة مطالبة بطلاقها من زوجها الذي يكبرها بعشرين عاما بفضل كل ذلك تشجعت العديد من الفتيات بل والأسر على عرض تداعيات وتطورات مثل تلك الزيجات دون مواربة.

أما قبل ذلك فلم يكن أحد يعلم بمضار زواج القاصرات المنتشر في اليمن ولا بحجم ونطاق انتشاره، وفي حين يذهب صندوق الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف في تقديره لحجم الظاهرة بأن ربع الفتيات في اليمن ما زلن يتزوجن في سن 15 عاما، فإن الدراسات الميدانية التي تناولت الموضوع كشفت أن زواج الصغيرات منتشر في المجتمع اليمني إلى درجة كبيرة، إذ خلصت دراسة مسحية قام بها مركز دراسات وأبحاث النوع الاجتماعي في جامعة صنعاء إلى أن نحو 52% من الفتيات اليمنيات تزوجن دون سن الـ (15) خلال العامين السابقين للدراسة مقابل 7% من الذكور.

ومثل زواج الفتيات الصغيرات ما نسبته 65% من حالات الزواج المبكر منها 70% في المناطق القبلية والريفية التي تنتشر فيها القيم والأعراف المشجعة على هذا النوع من الزواج وبينت نتائج الدراسة تلك أن بعض حالات لم يتجاوز فيها عمر الفتاة المتزوجة الثماني أو العشر سنوات.

ومع أن تلك الأرقام تبرز مدى شيوع وانتشار في المجتمع إلا أنها لم تكن محل انتقاد ولم تطرح نفسها كمشكلة مجتمعية إلا مع تبني هيئات ومنظمات المجتمع المدني لهذه القضية وتحديدا مع ظهور الطفلة نجود التي باتت تعرف بأصغر زوجة في العالم، وبالطفلة المطلقة ذات السنوات العشر، وقد ذاع صيتها، خاصة لما تحلت به من شجاعة، ليس داخل البلاد بل وخارجها،بعد أن لجأت إلى محكمة يمنية لتطلب منها الطلاق من زوجها وكانت الفتاة بشجاعتها وجراءتها تلك بمثابة البداية لتسليط الضوء على تلك المأساة كما يسميها ممثلو الهيئات والمنظمات المدنية والحقوقية.

فقد كسرت جرأتها حاجز الحياء الذي شيدته ثقافة العيب الاجتماعي عندما هربت من بيت الزوجية واتجهت إلى المحكمة وحصلت على حكم قضائي قضى بتطليقها من زوجها، وبفضل شجاعتها وقرارها الجري عملت على هدم جدار الصمت وتحولت من ضحية، إلى بطلة لجرأتها في الدفاع عن حقوقها، ولتحديها القهر الذي تعرضت له، بل إنّ البعض ـ في الإعلام الغربي ـ جعل منها مناضلة، مدافعة عن الفتيات والنساء اليمنيّات المضطهدات وبفضل الضجة الإعلامية التي أثيرت حول نجود التي باتت تعرف بأصغر مطلقة في العالم تم اختيارها امرأة العام 2008 في نيويورك بالتساوي وصدر بالتعاون مع الصحفيّة الفرنسية المعروفة دلفين مينيوي كتاب.

وبعد قضية نجود توالت العديد من قضايا المتزوجات قسرا مثل قضية أروى، وأحلام، ورنا، وإلهام، وهذه الأخيرة توفيت اثر ممارسة جنسية خشنة في ابريل الماضي، وذلك بعد زواجها بثلاثة أيام، وساهمت بتحويل المشكلة إلى قضية رأي عام، ثم جاءت أخيرا قضية عائشة التي مازلت تتابعها المحاكم، فقد تعرضت للضرب والعنف الجنسي من قبل زوجها الخمسيني، الذي كان قد زوج بها شرط عدم مساسها قبل عامين من إتمام عقد القران، إلا أن الزوج أراد أن يدخل بها رغم صغر سنها، الأمر الذي حول القضية إلى نزاع بين أسرة الفتاة والزوج لمخالفته ذلك الشرط.

دفاع عن الضحايا

ماجد المذحجي مسؤول الشكاوى والإعلام في منتدى الشقائق الذي تصدى في الآونة الأخيرة للدفاع عن العديد من الضحايا قال في هذا الشأن: اوليت هذه القضية أهمية كبيرة باستخدام عدة وسائل تثقيفية وإعلامية تستهدف التعريف بمضار وأثار الزواج المبكر وإثارة قضاياه لدى الرأي العام، والعمل مع مختلف المنظمات والهيئات الحقوقية من أجل سن تشريع يحدد سن الزواج فضلا عما يسمى بالعمل على مسار الدفاع الذي يقوم على تولي المتابعة القضائية أمام المحاكم اليمنية للضحايا.

وافتتح منتدى الشقائق العربيات مؤخرا خطا ساخنا يستقبل على مدار الساعة شكاوى الضحايا والبلاغات من المستشفيات، والنزول الميداني بواسطة فريق عمل إلى الكثير من المناطق.

ووفقا للإحصائيات المتعلقة بنمو وانتشار الوعي بهذه المشكلة في اليمن فقد بدأت الكثير من الحالات وعلى غرار المنوال الذي بدأته الطفلة نجود بكسر حاجز الصمت، وتشجعت العديد من الفتيات على طرح قضاياهن علانية أمام المحاكم وعلى وسائل الإعلام لاسيما في الأشهر الأخيرة التي طفت فيها القضية على السطح بما يعزز فرص تعديل سن الزواج.

وقد سجلت إحصائيات منتدى الشقائق تطورا ملحوظا في عدد الحالات فبعد أن بلغ عدد الشكاوى لحالات زواج القاصرات خلال العام الماضي 2009 حالتين فقط ارتفعت خلال ابريل الماضي إلى 4 حالات وفي مايو الماضي سجلت حالة واحدة في الوقت الذي تعالت الأصوات الداعية إلى تحديد سن قانوني للزواج.

ومع أن رجال الدين يعارضون بشدة تحديد سن الزواج بحجة أن تحديده أمر مخالف للشريعة، حيث توعد الشيخ عبد المجيد الزنداني وأساتذة في جامعة الإيمان التي يرأسها ورجال دين آخرون بالخروج إلى الشارع في حملة مليونية ضد أي تشريع من هذا القبيل، لكن من الملاحظ أن المآسي التي انتهت إليها بعض الزيجات في الآونة الأخيرة.

وكذا الاهتمام الإعلامي المتزايد، والضغوط الدولية بشأن تمكين النساء وإعطائهن فرصا أكثر في التعليم كلها عوامل ستعجل في سن التشريع المنتظر لاسيما أن مؤشرات اتجاه الرأي العام مع مثل ذلك التحديد.

وفي دلالة على تنامي الرأي العام المؤيد لتحديد سن الزواج كشف استِطلاع للرأي أجراه «المركز اليمني لقياس الرأي العام» مؤخرا، وهو مؤسسة مستقلّة، أن 5,66 في المائة من اليمنيين يرون أن السِنّ المُناسب للزواج، فوق 18 عاما، فيما عارض ذلك 8,36 فقط من العينة، ما يعني أن غالِبية اليمنيين، مع التقنين، ومع وضع تشريع يحد من زواج القاصرات.

وعليه فإن مسألة حسم القضية تشريعيا ليس إلا مسألة وقت خاصة والعديد من البرلمانيين والحقوقيين والسياسيين يدعمون وجود التشريع الذي سيضع حدا لمعاناة فتيات اليمن من الزواج المبكر، ويؤدي إلى حرمان الكثير منهن من التعليم حيث ترتفع معدلات الأمية وسط الإناث إلى 76 بالمئة مقارنة بـ 36 بين الذكور.

ولعل ما سبق يمثل إجماعا باستثناء بعض رجال الدين في مسألة وضع حد للمشكلة وايجاد تشريع يحظر ذلك الزواج، ويفرض عقوبات رادعة على المخالفين وبما ينسجم مع توقيع اليمن على الاتفاقيات الأممية الخاصة بحماية حقوق الطفل ورفع أشكال التمييز ضد النساء.

صنعاء ـ عبد الكريم سلام