بعد بحث طويل ساقته أقداره إلى الإسلام، كان ذلك منذ سنوات حين التقى صبيًا مصريًا يعمل ماسحًا للأحذية، لاحظ كم هو قانع برزقه ولا يقول إلا عبارة واحدة هي «الحمد لله» التي عرفها الرجل بصعوبة؛ كونه لا يُجيد من العربية إلا مصطلحات قليلة منها «السلام عليكم».. إنه المفكر البريطاني «إدريس توفيق» كما أسمى نفسه بعد إسلامه، والذي رأى أن أبناء دينه السابق بعيدون كل البعد عن الله..
موضحًا أن الله هداه إلى الدين الصحيح؛ لذا اجتهد في أن يصبح داعية للإسلام في مسقط رأسه «بريطانيا» منطلقًا منها إلى أميركا وأوروبا بلغته الإنجليزية.. في القاهرة، كان معه الحوار التالي: بدأ إدريس توفيق حديثه قائلاً: «لا أنتمي إلى أي جماعات أو اتجاهات، فقط أنا مسلم، ولست يمينيًا أو يساريًا، وأكتفي بالإسلام موقفًا؛ لأنه مليء بالقواعد التي تحكم الحياة وتوجهها بشكل صحيح، وليس عبئًا كما يتخيَّل الكثيرون، فهو يعطيني الحرية بمعناها الأصيل بما يتفق مع إرادة الخالق، ونأخذ عيسى عليه السلام مثالاً، فقد كان رجلاً عظيمًا، ليس لأنه كان قديسًا، بل لأنه أسلم أمره لله كعبد له، ومن خلال قصص الرسل نشاهد رجالاً عظماء قاموا بأعمال جليلة من خلال رجوعهم إلى خالقهم».
هذه مشكلتنا
بعد دخولك الإسلام.. كيف ترى مشكلات المسلمين؟
مشكلتنا، نحن المسلمين، أننا لا نفكر بشكل كافٍ، ولا نتدبر أمورنا قبل أن ننفذ، ولا نسأل أنفسنا.. لماذا نفعل ما نفعل؟ ودون التفكير والتدبر تتحول حياة المسلم إلى مجرد أوامر ونواهٍ، لكنني أعتقد أن حصاد إسلامي يتلخص في شيئين هما أن الإسلام حرَّرني وجعلني في أفضل حالاتي وأفضل قدرة على العطاء، كما أنه أقنعني بأن الله يبارك حياتي التي صرت أتصرف فيها بعقل وحكمة دون المغالاة في الرغبات ودون الحرمان منها.
هل أحدثت دعوتك «اكتشف الإسلام بداخلك» أثرًا ملموسًا في الغرب؟
أتسلم العديد من الرسائل يوميًا من أنحاء العالم يخبرني أصحابها أن دعوتي أثمرت نتائج طيبة، فهناك في أوروبا من أعلنوا إسلامهم نتيجة الدعوة، وهناك من كانوا مسلمين بالاسم فقط دون التزام ومن ثم عادوا إلى صوابهم، ووصلتني رسالة من طبيبة على بريدي الإلكتروني تقول فيها «شعرت بولادتي من جديد، وسأبدأ عيش حياتي كمسلمة بشكل أفضل»، وهذا يجعلني في سعادة بالغة بأنني استطعت أن أُعيد إنسانًا لم أره إلى طريق سعادته التي ضلَّ عنها.
ما الذي ينقص الدعوة في أوروبا؟
الدعوة إلى الإسلام في بريطانيا خاصة وفي أوروبا عامة ينقصها مخاطبة الناس بلغاتهم الأم، فكيف نوصل دينًا بتفاصيله إلى قوم يجهلون العربية، فإذا أردنا توصيل الرسالة فلا بد من إتقان الداعي للغات الأوروبية بشكل سليم.
هل ترانا حاليًا مقصرين أم أنها ظروف سياسية قادت إلى ما نحن فيه من ضعف؟
إذا أخذ المسلمون حياتهم مأخذ الجد فإن المسجد الأقصى ومدينة القدس وفلسطين كلها ستعود في أيديهم مرة أخرى كما كان الأمر قبل عقود طويلة، لكننا بكل أسف ابتعدنا عن الإسلام؛ لذلك الأراضي المقدسة تضيع من أيدينا؛ لذا لا بد أن نقرأ القرآن جيدًا ونتفهمه ونعيش مع تفاصيل رحلة الرسول في دعواه وندرس سلوكه من جديد، فأنا أتعجب كيف تردى حال المسلمين بهذا الشكل؟
ولا أجد إجابة سوى أن المسلمين قصَّروا في حق دينهم الذي يقودهم إلى السعادة والنجاح الدائم؛ لذا كانت النتيجة ما هم فيه من وضع سياسي مأساوي، لكن حين أنظر إلى فلسطين وما يدور فيها مثلاً أجد أن هذه الأرض التي باركها الله تعيش في تطاحن داخلي بين أهلها، فكيف يتمكنون من تحرير أراضيهم واسترداد القدس وكل جماعة منهم في وادٍ؟..
إن تفسيري لما يحدث في فلسطين، الأزمة الكبرى للمسلمين، إنما هو اختبار لإيمان المسلمين في جميع أنحاء العالم، فنحن كمسلمين نتحدث كثيرًا دون فاعلية، وغاية ما نقوم به هو الكلام والرسائل على «الفيس بوك» مثل «نحن نحب فلسطين!»، لكن من الضروري أن نعمل على اكتشاف الإسلام من جديد في داخلنا، وإلا لن تقوم لنا قائمة.
الحل الوحيد
كيف ترى طريق العودة إلى سابق عهدنا؟
الطريق معروف، ولا يجب أن نتحيَّر كثيرًا فنحن بكل أسف نتعمَّد إغماض أعيننا عن الحل الوحيد، وهو معرفة الإسلام الصحيح وتطبيقه بإتقان، فالعيب فينا، ولا يجب أن نشير بأصابع الاتهام إلى الآخر؛ لأنه من الطبيعي أن يُحارَب الإسلام من غير المسلمين؛ لذا جاءت دعوتي للبحث عن الإسلام في أنفسنا، ويجب أن نصل إلى حل لهذا الإسلام الذي صار باردًا في قلوب المسلمين، كما يجب التخلص من تجميل تصرفاتنا الخاطئة وتبريرها بشكل مريح للنفس التي تتميز بالكسل، فنحن بذلك نخدع أنفسنا، لكن هل يمكننا أن نخدع الله سبحانه وتعالى؟!
لكن هل تعتقد أن حل قضايانا سيأتي بمجابهة القضايا الكبرى أم بتصحيح السلوكيات الصغرى؟
لا بد أن تكون هناك خطط إصلاحية تمشي في خطوط متوازية، فالمسلمون يعانون بالفعل من سلوكيات مُشينة في واقعهم مثل الحديث بصوت عالٍ، التزاحم، وعدم المبالاة بمراعاة كبار السن وصغاره، مع أن هذه السلوكيات حثَّ عليها النظام الإسلامي، كما أن هناك خللاً واضحًا في أساليب تربية الأبناء من قِبل آبائهم، وهذا ما يمكن تسميته بـ «فتور العقيدة» لدى المسلم، ما جعل بعض الشباب يفقدون الرغبة في أن يكونوا صالحين مثل أسلافهم، كما لم يعد هناك ثقافة الاستماع.
لذلك دائمًا ما نقتنع بأنفسنا باعتبارنا عارفين بكل شيء، وفي ظل هذه الظروف نحن مطالبون بمواجهة صريحة مع الشباب الذين يخالفون العقيدة، ولا بد من شرح الدين الصحيح لهم، وأعرف أن المهمة صعبة في ظل انشغال الجميع تحت ضغط الظروف الاقتصادية، لكن لا بد أن نعرف أن الإصلاح أمر صعب ونستعد له نفسيًا.
هناك تيارات تشوِّه صورتنا أمام الآخر.. كيف السبيل إلى التعامل معها؟
دعونا نفكر في مشاكلنا كمسلمين دون انتقاد لأحد ودون محاكمة، أمامنا القرآن وهو حياتنا جميعًا ليس كتابًا مغلقًا؛ لذا أقول لكم اقرأوا القرآن بفهم ووعي لتتلمَّسوا الطريق الصحيح الذي يجب أن تسيروا فيه!..
لا تستمعوا إلى المثل القائل «كل الطرق تؤدي إلى روما»، لكن اجعلوا كل الطرق تؤدي إلى الله، ولكي نكتشف هذه الحقيقة مرة أخرى يمكننا الاستماع إلى الطيور وهي تغرد فوق الأشجار؛ لنتدبر في خلق الله، فأحرى بالمسلمين أن يكونوا أول المسبحين قبل الطير، وأول المحققين لجوهر الإسلام في حياتهم، بدلاً من تطاحنهم الذي يجعلهم في ذيل القائمة بين الأمم.
ما الذي وجدته في الإسلام وتفتقر إليه الكاثوليكية؟
إن الإسلام يجعل الله محور كل شيء؛ لأنه يشمل كل جوانب الحياة، إنه ليس الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، الإسلام يخبرك كيف تحيي الناس، وكيف تأكل الطعام الخاص بك، وكيف تدخل غرفتك، كيف تفعل كل شيء في الحياة، فالمسلمون ليسوا قديسين، فقط يشجعهم الإسلام على التفكير في الله دائمًا، فالمسلم الحق ينسب كل شيء إلى الله.
إضاءة
إدريس توفيق
حصل المفكر البريطاني إدريس توفيق على شهادة في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة مانشستر، وشهادة البكالوريوس في علم اللاهوت المقدَّس البابوي من جامعة القدّيس «توما الأكويني» في روما، وظل لسنوات عديدة رئيس قسم الدراسات الدينية في مختلف المدارس في إنجلترا وويلز، ولديه الكثير من الخبرة في تدريس الأديان سواء في المملكة المتحدة أو مصر، ويبلغ الأربعين من العمر، وقد أدت به شكوكه حول مهنته كمعلم لاهوت في نهاية المطاف إلى مغادرة الكهنوت.

