بأسلوب يجمع بين الصراحة والبلاغة، يبوح كارل روكان، المستشار والصديق الأثير لدى الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، بأسرار عائلته التي يصفها بأنها كانت «أسرة محطمة» جاءت أصولها من النرويج في أقصى الشمال الأوروبي، واستقرت في ولاية تكساس البترولية في أميركا.
ومن المآسي التي داهمت روف منذ فترات الطفولة والشباب محاولات جدته الانتحار، ثم حدوث الانفصال بين والده الجيولوجي ووالدته، التي انتحرت بالفعل. وأخيرا طلبت زوجته الطلاق معلنة أنها لم تحب روف في يوم من الأيام. على الجانب الآخر يركز المؤلف على هويته الفكرية بوصفه ينتمي إلى التيار المحافظ في السياسة الأميركية، وبالتالي انحيازاته السياسية، بوصفه عضوا فاعلا ومهما في الحزب الجمهوري، المعارض حاليا. ويشير في هذا الصدد إلى قراءاته المبكرة في مؤلفات «آدم سميث» و«ميلتون فريدمان»، وهما من أساطين الفكر الرأسمالي مابين القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين.
بعدئذ تتحول سطور الحلقة إلى التجارب الأولى التي خاضها المؤلف في معمعة السياسة المحلية على مستوى ولاية تكساس، منذ أن كان مراهقا، بدءاً من مؤيد للمرشح اليميني الجمهوري باري غولدووتر في عقد الستينات، إلى أن أسّس شركة للاستشارات الانتخابية استطاعت أن تدفع إلى منصب حاكم ولاية تكساس مرشحا من أبناء الطبقات الراقية يدعى جورج دبليو بوش بعد أن سحقت منافسته، التي كانت تتولى منصبا رفيعا في الحكومة، ولكن مؤسسة «روف وشركائه» استطاعت أن تشهّر بها حين كشفت أنها ادعت تخرجها بتفوق من جامعة تكساس، دون أن تدخل أصلا من أبواب تلك الجامعة، وبالتالي لم تخرج منها.
«المهندس» هذا هو اللقب الذي ظل مؤلف هذا الكاتب «كارل روف» يحمله على مدى سنوات طويلة، وهي سنوات لم تبدأ ولا انتهت بالسنوات الثماني العجاف، التي أمضاهن الرئيس الأميركي جورج بوش في البيت الأبيض، ولكنها بدأت قبل ذلك بسنوات عدة.. وربما واكبت ترشيح فتى كان يركّز اهتماماته على لعبة البيسبول المفضلة في أميركا.. ويعرفه أصدقاؤه ومعارفه بأنه ينتمي إلى عائلة بوش الشهيرة في ولاية تكساس الشهيرة بدورها بأنها ولاية البترول، ومن ثم فهو فتى مولود وفي فمه ملعقة من ذهب أو فضة على نحو ما أذاعته، من باب التنديد أو السخرية، واحدة من أركان الحزب الديمقراطي الأميركي هي «آن ريتشاردز».
ومع ذلك جاء اليوم الذي رشحوا فيه الفتى ابن العائلة النفطية الغنية، وكان اسمه «جورج بوش» لمنصب حاكم ولاية تكساس ذاتها. وجاء يوم يليه، فإذا بالمرشح بوش يفوز بالمنصب الأول للولاية، وإذا بالمرشح الخاسر أمامه هي السيدة ريتشاردز شخصيا. وكان الفضل في هذا كله ؟
فضل تحويل شاب يلهو ويلعب إلى حاكم ولاية لها أهميتها في دنيا السياسة الأميركية والى شخصية أصبحوا يعّولون عليها وعلى مستقبلها في أعلى دوائر الحزب الجمهوري.. كان الفضل في هذا كله يرجع إلى سيادة.. «المهندس» كارل روف الذي أصدر الكتاب الذي نعرض له بالعرض والتحليل في هذه الأحاديث..
يقينا يعرف مؤلف كتابنا اللقب المذكور، ولاشك أنه فخور به بكل المقاييس.. لكننا نلاحظ من الوهلة الأولى أنه يقدم نفسه من خلال العنوان الفرعي لكتابه من خلال لقب آخر هو «المحافظ»، أي المنتمي إلى فريق المحافظين، دون أن يتطرق بالطبع إلى جماعة، أو فلنقل طغمة المحافظين الجدد ، «نيو كونز».
كما يُعرفون في السياسة الأميركية المعاصرة. وقد نتصور أنه لم يضف عمدا إلى لقب المحافظ أو المحافظين حكاية «الجدد» إياها، فهو في التحليل الأخير كادر محنك سياسيا ويعرف بداهة مطالب سوق السياسة والفكر والإعلام في بلاده ؟ وخاصة في حقبة ما بعد بوش ؟ حقبة أوباما، ومن ثم يعرف أن أي انتماء لفريق «النيو كونز» هؤلاء يمكن أن يدفع المرء ثمنه غاليا وخاصة في ضوء التجارب المريرة التي شهدتها ولاية رئيسه المفضل وصديقه الأثير جورج بوش.
تراجيديا أسرة محطمة
وتكاد تكتمل بين ثنايا النظرة التحليلية لمحتويات الفصول الستة الأولى من هذا الكتاب، الصورة الإنسانية للمؤلف، وهي صورة الأسرة والنشأة والظروف الصعبة، ومن ثم الولوج إلى ساحة الحياة العامة لهذا الفتى المنحدر من أصول تنتمي إلى مناطق اسكندنافيا في الشمال الأوروبي، وهي أصول مهاجرة من النرويج، حيث الاستقرار في ولاية تكساس، التي تعتبر واحدة من أكبر وأهم، وربما أغنى الولايات الأميركية بأسرها.
نلاحظ أيضا أن المؤلف، كارل روف، يتحدث في الفصل الأول إلى الثالث من منطق الصراحة التي تحّطم قلب القارئ في بعض الأحيان!
يكفي مثلا أن يحمل الفصل الأول من الكتاب العنوان التالي:«عائلة محطمة على الجبهة الغربية».
والعنوان يحوي مفارقة بليغة لأنه يحيل أولا إلى رواية شهيرة في الأدب والسينما الأميركية بعنوان «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» التي ألفها أريك ماريا لامارك في عام 1929، وتدور أحداثها حول ملابسات الحرب العالمية الأولى.
وها هو مؤلفنا يحيل إلى عنوان هذا العمل الكلاسيكي الشهير، ولكن مع مفارقة أن كل شيء ليس هادئا، بل نحن أمام عائلة محطمة انتمى إليها مؤلف كتابنا، حيث تحكي الصفحات الاستهلالية من الكتاب عن محاولة انتحار جدة المؤلف بعد وفاة زوجها العجوز، ثم عن الانتحار الفعلي لوالدة المؤلف شخصيا، عقب انفصالها عن الأب، الذي كان يعمل اختصاصيا في علم الجيولوجيا..
فضلا عن ذلك المشهد الذي يحكيه المؤلف بتفصيل بارد وصريح ومثير، ؟ مشهد اللقاء بين كارل روف شخصيا وزوجته الشابة، التي استدعته يوما إلى مكتب محامي الأحوال الشخصية كي تواجهه بالحقيقة المؤلمة، قائلة:
- اسمع يا كارل. أنا لا أحبك.. ولا شعرت تجاهك بأي حب طيلة تلك السنوات التي انقضت على حياتنا الزوجية.. ولهذا فأنا أطلب الطلاق.
وبديهي أن تم الطلاق بكل ما انطوى عليه ذلك من معاناة.
أفكار الحزب الجمهوري
مع هذا كله يكاد القارئ يشعر أن المؤلف إنما يحكي هذه التفاصيل، المثيرة للأسى، لكي يبرر قراره بإلقاء نفسه في بحر أو آتون السياسة. لكن أي نمط من أنماط السياسة هذا ؟
إنها سياسة الحزب الجمهوري، حزب المحافظين الأميركان، بل والجناح اليميني الأكثر محافظة وتشددا، والأخطر تمسكا بالنهج الرأسمالي وتكريس المشروع الخاص وإبعاد دور الدولة وسلطة الحكومة لصالح إطلاق الحرية للفرد والمبادرة الفردية بغير سطوة اللوائح أو ترشيد الضوابط.
والحق أن هذا الاتجاه المحافظ بدأ ؟ كما يقول المؤلف ؟ قبل أن تكتب عليه أقداره أن يواجه ما صادفه في أولى سنوات شبابه من مآسي مفارقة الأب أو انتحار الأم أو طلاق الزوجة.
بدأ الاتجاه المحافظ عند كارل روف وهو ما زال في سنوات المراهقة، حين كان معجبا بالمرشح الجمهوري «باري غولدووتر» الذي كان يعلن اتجاهاته اليمينية (الرجعية في عرف الكثيرين) تحت شعارات تبدو براقة ويعرضها المؤلف على النحو التالي:
الحرية والمسؤولية والكرامة والجدارة لكل فرد.
خطورة تدخل الحكومة في شيء وأهمية الفعل السياسي لحماية هذه المبادئ.
هكذا انبهر المراهق التكساسي بشعارات حرية الفرد وكرامته. كان ذلك في منتصف الستينات من القرن الماضي. بادر الفتى كارل روف بالتطوع في حملة السناتور غولدووتر ضد خصمه (الرئيس) ليندون جونسون.
نشط في حمل وتوزيع الأزرار واللافتات والملصقات التي تروّج للمرشح الجمهوري اليميني ومعها كل ما استطاع الحصول عليه من كتاب السناتور إياه بعنوان: «ضمير محافظ».
الدرس الأول
في تلك الأيام كان المجتمع الأميركي في حال من التطور، وكانت تزدهر حركة الحقوق المدنية المطالِبة بإنهاء الفصل العنصري والقهر الاجتماعي والتمييز الطبقي الذي كانت ترسغ في أغلاله جموع الملونين، الأفرو ؟ أميركيين يقول التعبير الأميركي المتواتر:
بل كان العالم كله ينادي بالعدل الاجتماعي وتكريس نظريات وتجارب وأفكار اليسار التقدمي المستنير.
وفي المحصلة فاز ليندون جونسون برئاسة الولايات المتحدة، وتذوق باري غولدووتر طعم الهزيمة في حملته الانتخابية.
وكان ذلك أول درس مستفاد تلقاه كارل روف بمرارة شديدة على جبهة السياسة. يقول في مطالع هذا الكتاب: لم يكتف جونسون بسحق خصمه ؟ سناتور أريزونا ؟ بل سحقني أنا شخصيا. لقد جاءت هزيمة غولدووتر لتعصف بكياني كله.
ماذا إذن عن الجبهة الأخرى في تكوين كارل روف ؟ وهي جبهة الوعي الاقتصادي؟
يقول مؤلفنا: في سن الثالثة عشرة ظهرت طلائع الوعي الاقتصادي على شاشة راداري الخاص، عندما وقعت في يدي بالمصادفة نسخة من كتاب مهم يحمل العنوان التالي:
«الرأسمالية والحرية».
وهذا الكتاب أصدره عالم الاقتصاد الأميركي الشهير «ميلتون فريدمان» الذي يعده المؤلف، ومعه جمهرة من أهل الاختصاص، واحدا من أهم حُماة ودعاة النظام الرأسمالي. ومن المعروف أن «فريدمان» ينتمي إلى ما يعرف بأنه مدرسة شيكاغو للاقتصاد، بمعنى ذلك الاتجاه الفكري بل والأيديولوجي الذي مازال يتبناه الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة.
هكذا يطرح أمامنا روف بوادر وعيه الاقتصادي الذي تأسس، كما يقول، على كتاب آدم سميث الصادر عام 1776، ويعّده المؤرخون بمثابة إنجيل النظام الرأسمالي، وخاصة من واقع تكريس سميث لقوانين السوق. وخاصة العرض والطلب، وما ذهب إليه ذلك المفكر الإنجليزي من رفض تدخل الدولة أو أي عنصر آخر تحت شعار ترشيد أو تفعيل حركة السوق وكان تعبيره الأثير هو أن السوق قادرة على أن تصحح نفسها بنفسها.. ومن ثم جاءت حكاية «اليد الخفية» وهي اليد التي تمتد دون أن يراها أحد كي تصحح مسيرة السوق الرأسمالي.
الأولوية لاقتصاد السوق
هكذا كانت القراءات والتأثيرات الأولى على عقل مؤلفنا كارل روف، وكانت تتركز كما نرى على الفكر الرأسمالي ومن ثم على أيديولوجية الحزب الجمهوري في أميركا.
ورغم ما واجهه الشاب من حالات النجاح أو الفشل بالنسبة لمصائر من كان يعمل لحسابهم كمرشحين في الانتخابات المحلية أو الجهوية، فقد كانت تلك التجارب بمثابة دورات تدريبية لدوره المرسوم في المستقبل ؟ دور «المهندس»، الذي دفع بصديقه جورج بوش إلى المنصب رقم واحد في الولايات المتحدة.. خلال هذه التدريبات تعلم كارل روف أساليب تدبيج الخطب السياسية، وفن صياغة الشعارات المؤيدة والشعارات المضادة، وأساليب إدارة المعارك الانتخابية. ومثل أي رأسمالي جمهوري محترف، أفضت به تلك التجارب مع مطاع عقد الثمانينات إلى تأسيس شركة صغيرة تحت عنوان «روف وشركاه» اتخذت مقرها في مدينة أوستن عاصمة تكساس، وأعلنت أن نشاطها يتركز بتقديم الاستشارات للمرشحين الأميركيين.
يقول روف في هذا الصدد: «حققنا نجاحا في الشركة، لكن نجاحي هذا ما لبث أن أثار ثائرة المنتقدين، ومن يومها وأنا أسمع أخبارا وتعليقات وانتقادات، بل وخرافات تحيط باسمي».
الكذبة المدمرة
وإذا كانت الخرافات أو الأساطير أمورا لا تصدق، فالواقع أن واحدة من هذه الأساطير كانت حقيقة واقعة. يقولون انني دمرت المستقبل السياسي لواحدة من نجوم تكساس، وهي «لينا جوريرو» التي كان مستقبلها مفتوحا وممهدا لمنصب حاكم الولاية، وقد رشحت نفسها للفوز بالمنصب أمام منافسها، وهو مرشحي الخصوصي جورج دبليو بوش.
كان بوش شابا غنيا، ولم يعرف عنه أحد الاشتغال بالسياسة بصورة جادة، في حين كانت لينا تشغل منصب مفوّض السكة الحديد في حكومة الولاية.
لكن الأمور أسفرت عن فوز مرشحنا جورج دبليو بوش. لماذا؟
لأن مؤلفنا روف ظل يمارس لعبته المفضلة وهي التفتيش الدقيق في تاريخ المرشحة المنافسة إلى أن عثر على أكبر نقطة سلبية في تاريخها كانت تردد أمام الناخبين أنها تخرجت بدرجة الشرف الرفيعة من جامعة تكساس، وظل روف ومساعدوه يحفرون عميقا في سيرتها فإذا بها لم تدخل أبواب الجامعة من الأساس.
وبديهي أن أجادوا إعلان هذا الاكتشاف الخطير، ومهدوا للإعلان بكل سبل التهويل والتهجّم والسخرية الإعلامية. وبعد مراوغات ومحاولات للنفي، اضطرت المرشحة أن تعترف بأنها لم تحصل على أي شهادة جامعية. وعلى الفور أقيلت من منصبها، وطبعا فشلت حملتها الانتخابية. وبديهي أيضا أن سلطت كل الأضواء منذ عقد الثمانينات على شاب يدعى «كارل روف» يتمتع بوصفة مضمونة تكفل النجاح في الحملات الانتخابية.
المؤلف في سطور
عمل «كارل روف» كبيراً لمستشاري الرئيس السابق جورج دبليو بوش خلال حقبتي الحكم اللتين أمضاهما بوش في البيت الأبيض وحتى استقالته في أواخر أغسطس عام 2007، ليعمل خبيرا استشاريا في مجال السياسة الداخلية، وخاصة ما يتعلق بالحملات الانتخابية، تنظيما ودعاية وتمويلا واستطلاعا لآراء الناخبين..
كما سعت لاستقطابه قناة «فوكس» التليفزيونية، التي كرست نفسها في السنوات الأخيرة للتعبير عن آراء وطروحات اليمين، وخاصة في الحزب الجمهوري الأميركي المعارض في الوقت الحالي، حيث يشارك في تقديم برامجها السياسية، والتعليق عليها. ولم يكمل تعليمه الجامعي، وإنما شغلته قضايا السياسة والانتخابات.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



