حلت الأسبوع الماضي الذكرى الـ 48 لاستقلال الجزائر بعد احتلال فرنسي دام 132 عاما بدأ بغزو عسكري العام 1830. وأعلن عن قيام الجمهورية الجزائرية في الخامس من يوليو العام 1962 بعد تصويت ما يقارب 100 في المئة من الجزائريين في استفتاء تقرير المصير وهو أهم بنود اتفاق وقف النار الموقع بينهما في 18 مارس من ذات العام.

وكان التاريخ بين فرنسا والجزائر دمويا حيث بدأ الاحتلال بمجازر رهيبة ضد المقاومين الجزائريين تبعتها سلسلة من عمليات الانتقام والتطويع شملت السجن ومصادرة الأملاك و نفي قيادات المقاومة إلى كاليدونيا الجديدة طيلة فترة الاحتلال.

وفي الأول من نوفمبر 1954 اندلعت إحدى أكبر حروب الاستقلال في القرن العشرين وكسبها الجزائريون بعد أن دفعوا مليون ونصف مليون شهيد.

وصار تاريخ الخامس من يوليو يوم احتفال سنوي يحمل اسم «عيد الاستقلال والشاب». انتهت الحرب إذن، لكن الحرب الدبلوماسية والنفسية والسياسية استمرت حيث لم يزر رئيس جزائري فرنسا إلا بعد نحو عشرين عاما من الاستقلال. وكان من تجرأ على القيام بهذه الخطوة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد وجاءت في ظل خريطة تغيير شامل على سياسة البلاد. أما أول رئيس فرنسي زار الجزائر فكان فاليري جيسكار ديستان العام 1975.

وبعد اعتلاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الحكم في الجزائر العام 1999 انتعشت العلاقات بين البلدين وزار فرنسا ست مرات في ظرف عشرة أعوام بين زيارات خاصة وزيارات عمل قابلتها ثلاث زيارات للرئيس السابق جاك شيراك.

وقد وقع الرئيسان على «بيان الجزائر» العام 2003 في العاصمة الجزائرية خلال زيارة ناجحة بكل المقاييس لشيراك حظي خلالها باستقبال شعبي في مدينتي الجزائر و وهران.

وتم الاتفاق على توقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار كان يفترض أن تكون أقوى اتفاقيات الجزائر مع محيطها الخارجي، لكن موقفا فرنسا واحدا افسد العرس وغير مجرى التقارب إلى تنافر. فقد أصدر البرلمان الفرنسي قانونا في 2005 يمجد الاستعمار ويعتبره فعلا حضاريا خاصة في منطقة المغرب العربي. وحمل في بنوده تكريما خاصا للعملاء من الجزائريين الذين خدموا الاحتلال ورحلوا معه إلى فرنسا بعد الاستقلال.

وكان صدور هذا القانون انقلابا في العلاقات السياسية بين الجانبين . وتحركت منظمات «الأسرة الثورية» في الجزائر والتي تتشكل ممن بقوا من مجاهدي الثورة وعائلاتهم وأسر الشهداء وضغطت ونظمت تجمعات في مختلف المدن تطالب بوقف مسار الصداقة مع فرنسا التي اندفع إليها بوتفليقة منذ بداية تسلمه الرئاسة.

وظهرت لأول مرة فكرة تقديم فرنسا اعتذارا على المآسي التي تسببت فيها للجزائريين خلال فترة الاحتلال وعلى المجازر التي ارتكبتها في تلك الفترة. وتبنى بوتفليقة المطلب وأعلنه لأول مرة في خطاب علني ألقاه بمدينة سطيف شرق البلاد بمناسبة إحياء الذكرى الستين لمجازر الثامن من مايو 1945 التي سقط فيها 45 ألف قتيل من المدنيين الجزائريين.

وانطلاقاً منها بات تقدم العلاقات وتوقيع معاهدة الصداقة مرهون بتقديم الاعتذار لكن الفرنسيين رفضوا بأكثر من طريقة وعلى لسان أكثر من مسؤول هذا المطلب. ومن بين أشهر عبارات الرفض ما جاء على لسان الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي حين كان وزيرا للداخلية حينما قال: «من غير الممكن أن يعتذر الأبناء والأحفاد على ما ارتكبه الآباء والأجداد».

وانقسمت الساحة السياسية الجزائرية بشأن موضوع طلب الاعتذار من فرنسا فبينما يصر فريق يقوده الأمين العام لجبهة التحرير الوطني وزير الدولة عبد العزيز بلخادم على هذا الطلب، يرى فريق آخر من السياسيين والمثقفين ورجال الفكر أن فرنسا أخذت من الجزائريين العقاب اللازم حين هزموها وأذلوها في حرب كبيرة وأن الأمر انتهى ومجرد طلب الاعتذار ينقص من قيمة ذلك النصر ويعيد فرنسا إلى موقع اليد العليا.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي