لم تعد المرأة تتسلح بالأنوثة ورقة المشاعر، بل استغنت بعض النساء عن كل ذلك في ظل امتلاكها الساطور وماء النار؛ لترهب جاراتها، فأصبحت محترفة نصب وسرقة وقتل بدلا من محترفة حب وعطف، واتخذت من القوة قانوناً لها باستخدام عقلها الأنثوي في أشياء تخريبية، فنزلت بقلب حوَّاء الأخضر من سماء صافية إلى بركة من وحل، حتى إنها صارت أكثر عنفاً من بعض الرجال، ولم تقف عند هذا الحد، بل امتلأت صحفها الجنائية بالعديد من السوابق المنوّعة.

وحوّلت منزلها إلى معمل تفريغ للمجرمين، وأنجبت أبناء مجرمين من أزواج أكثر إجراماً؛ لتتشكل باقة من الانحرافات المختلفة، وطبقاً للإحصائيات الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، فإن عدد المسجلات خطر قد تجاوز 50 ألف سيدة في مصر، والأمر أصبح ينذر بكوارث متعددة في جوانب مختلفة من الحياة في المجتمع المصري؛ باعتبار أن الأمَّ مدرسةٌ إذا أعددتَها أعددتَ شَعْباً، وإن أهْمَلتَها دمرتَهُ تدميراً.. فهل المرأة في مجتمعاتنا مذنبة تستحق العقاب والتقويم أم أنها ضحية لها علينا حقوق واجبة؟ إنها البداية التي دائماً ما تأتي مصادفة من خلال زيارة إحداهن لقسم الشرطة لسبب أو لآخر، فيبدأ مشوار الجريمة لها بتعرّفها على مسجلات خطر محترفات، فتتولد صداقات وتبادل خبرات مع هاويات الإجرام.

فتفصح كل واحدة عمّا لديها من أسرار في عالم الجريمة، حتى تصبح صورة البريئة التي دخلت قسم الشرطة منذ يومين معلقةً على جدران الأقسام ومديريات الأمن كواحدة من أخطر المجرمات، مع ذكر التخصص تحت صورتها حسب نشاطها، سواء كان «نشل» أو «سرقة» أو «مخدرات» أو غير ذلك.

باب النشل

وقد يظن البعض الدعارة الباب الرئيسي الذي تدخل منه النساء عالم المسجلات خطر، إلا أن الواقع يؤكد عكس ذلك تماماً وهذا ما تؤكده أيضاً البحوث والإحصائيات التي تُجرى سنوياً على روّاد السجون الصادرة ضدهم أحكام بالحبس، والتي أكدت وجود 2337 مسجلة خطر بالقاهرة وحدها، أغلبهن من أقسام النشل؛ لأنها أكثر الجرائم التي تُغري السيدات، خاصة بالعاصمة التي تكتظ بأعداد هائلة من السكان والمغتربين وأصحاب الأعمال والمصالح.

حيث تندس الشقيات داخل الصفوف ويقمن بسرقة ما تطاله أيديهن، ولا يفرقن بين غني وفقير أو بين مريض وسليم أو بين صغير وكبير، فالكل سواسية في السرقة؛ حيث يعود انتشار هذا النوع من الجريمة في القاهرة إلى «الهنجرانية» اللاتي انتشرن في ربوع مصر، لكنهن تركزن في المناطق المزدحمة حتى أصبحن يشتهرن بأنهن يسرقن «الكحل من العين» نظراً لخفة أيديهن.

والهنجرانية لمن لا يعرف مجموعة من الأعراب يتبعون قبيلة «الهنجران» التي توارثت السرقة والنشل مثل توارث الجينات في البشر الطبيعيين، واعتبرت السرقة بين أهل القبيلة مهنة لها احترامها، فيعيشون من ريعها ويضيفون إليها عادات وتقاليد خاصة بهم؛ حيث تقوم المرأة بالعمل في السرقة ويجلس الرجل في المنزل ينتظر عودتها تماماً مثل أسد الغابة الذي ينتظر أنثاه حين تعود من رحلة الصيد.

ويقوم الرجل في وقت غياب الزوجة «النشَّالة» بمهام البيت من غسيل وتنظيف وتربية الأبناء على أصول الجريمة السليمة؛ لذلك لا تستطيع الهنجرانية الزواج إلا من هنجراني مثلها لتطابقهما في العادات، ثم تأتي بعد ذلك النشّالة التي تعلمت النشل بالصدفة وليس بالوراثة؛ لذا فإنها تبقى في المرتبة الثانية بعد الهنجرانية المحترفة.

آداب ومخدرات وبلطجة

كما تحتل جرائم الآداب المرتبة الثانية بالنسبة للمسجلات خطر، خاصة في القاهرة وتليها المناطق الساحلية؛ حيث تكثر في الفنادق والمولات والملاهي الليلية، ورغم أنها تتصدر قائمة الجريمة الخاصة بحواء، فإن ألاعيب المحامين الذين يتخصصون في هذا النوع من القضايا تجعلها في المرتبة الثانية؛ حيث يتلاعبون بالقانون ويمرون من بين الثغرات مرور السكين في الزبد، فيحصلون على أحكام بالبراءة لعاهرات رغم حالات التلبس.

أما مسجلات خطر المخدرات فيقعن في المرتبة الثالثة بين الجرائم الأنثوية رغم أن المخدرات تتساوى فيها المرأة مع الرجل، بل تتفوق المرأة في بعض الأحيان، وجدير بالذكر أن جرائم المخدرات تحتل المرتبة الأولى على مستوى الجمهورية؛ لأنها تكون وراثية بالدرجة الأولى.

لذلك ترتفع فيها أعداد السيدات المسجلات عنها في أي نوع آخر من الجرائم، وتزخر الأحياء الشعبية بنوع آخر من مسجلات الخطر وهن البلطجيات اللاتي يتم استئجارهن في مشاجرة أو تصفية حسابات، ويتم استضافتهن حالياً في الفضائيات، ونجدهن متباهيات بهذا النوع من النشاط الإجرامي، لكنهن يطلقن عليه لقب «أكل عيش».

وتُعد مناطق مدينة السلام والنهضة والجمالية والدرّاسة ومنشية ناصر من أكثر مناطق القاهرة اشتهاراً بهذا النشاط؛ حيث لا يتم تسجيل السيدة بمعرفة رئيس المباحث أو المأمور فقط، لكن من خلال لجنة مُشكَّلة من قسم الشرطة الذي تتبعه السيدة ولجنة من الأمن العام ولجنة من الإدارة المختصة بهذا النوع من الجريمة ثم تُسجل السيدة بعد دراسة درجة خطورتها وتعد جرائمها في فئة معينة؛ حيث يتم تصنيف الأشد خطورة في الفئة «أ»، والأقل منها في الفئة «ب» ثم الأقل في الفئة «ج».

كما تختلف معاملة الشرطة لكل مسجلة حسب نوع جريمتها، فالمسجلة «أ» يتم وضعها في قيد حديدي واحد مع رجل الشرطة المرافق لها لحماية بقية المجرمات منها، ويتم التعامل معها بحذر شديد ولا يتم وضعها مع متهم آخر في قيد حديدي واحد، خاصة إذا كانت متهمة في جرائم الإرهاب أو مقاومة السلطات أو سرقة بالإكراه أو المتاجرة في المخدرات.

وبالرغم من أن القاهرة تعد من أكثر المحافظات عدداً في المسجلات خطر، فإن محافظة الجيزة تأخذ نصيب الأسد من المسجلات، خاصة في نشاطي المخدرات والدعارة لانتشار الفنادق والملاهي الليلية بها، وتليهما محافظة الفيوم التي تمثل المرتبة الثالثة، ثم محافظة أكتوبر التي احتلت المرتبة الرابعة، رغم حداثة ظهورها كمحافظة، في حين تجاوزت أعداد المسجلات خطر في محافظة الشرقية نهاية العام الفائت نحو 2000 سيدة ما بين آداب وسرقة ونشل ونصب ومخدرات وبلطجة.

وعن التزايد الهائل في أعداد المسجلات خطر، كشفت دكتورة فادية أبو شهبة، أستاذ القانون الجنائي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، عن احتلال محافظات الوجه البحري أعلى نسبة في أعداد المسجلين خطر.

حيث وصلت إلى 31% ثم القاهرة بنسبة 8, 28% والوجه القبلي بنسبة 24% والإسكندرية 9, 7% وبورسعيد 2% والسويس 6%، أما محافظات الحدود فهي الأقل على الإطلاق لانخفاض الكثافة السكانية وسيادة القبلية والعشائر هناك، وأرجعت هذه الزيادة خلال الأعوام العشرة الأخيرة إلى زيادة نسبة البطالة وارتفاع الأسعار وتفشي الجريمة بأنواعها، وظهور أنواع من المحامين المتلاعبين بنصوص القانون.

إمبراطورة المخدرات

وبحسب د. سامية الساعاتي، أستاذ علم الاجتماع، فإن أشهر المسجلات خطر في مصر إمبراطورة المخدرات «همت حسونة» التي تقضي حالياً عقوبة السجن 25 عاماً بعد أن قضت 7 أعوام ثم 12 عاماً وسقطت في المرة الأخيرة بعد خروجها من السجن بـ 6 أشهر بسيارة نصف نقل محمّلة بـ 2 طن من مخدر الحشيش.

وأطلقت عليها الصحف منذ 4 أعوام أكبر صفقة مخدرات في القرن الحادي والعشرين، وكانت «همّت» تحلم بالثراء السريع، وكانت لأسرتها، الممتدة جذورها إلى قرى كوم السمن والجعافرة والحزنية المشهورة بمثلث الرعب في محافظة القليوبية، باع طويل في تجارة المخدرات، لكنها قررت أن تستقل بذاتها، فتزوجت من عامل بسيط لتتخذه ستاراً وراء تجارتها المشبوهة.

ولم يكن الزوج يعلم أن زوجته الحسناء مسجلة خطر مخدرات من الفئة «أ»، لكنها أقنعته بضرورة التعاون معها حتى تنجح صفقة العمر، ومرت الأولى بسلام والثانية كذلك، إلا أنها سقطت في الثالثة وحُكم عليها بالحبس 7 أعوام وعلى زوجها بـ 5 أعوام، وبعد خروجها لم تستطع الاستغناء عن تجارة الصنف بعد أن تم الزج بمعظم أسرتها خلف القضبان فوضعت كل أموالها في الصفقة الأخيرة لتنهي بها حياتها الإجرامية.

ضحايا مذنبون

أما «أم حربي الصعلوك» فتبلغ من العمر 58 عاماً، وتعد أشهر مسجلة خطر سرقات؛ حيث احترفت السرقة منذ 25 عاماً وتزعمت عصابة لسرقة الأطفال حديثي الولادة من المستشفيات الحكومية بمغافلة أمهاتهم وبيعهم للسيدات اللاتي لا ينجبن، وعند علم زوجها بالأمر أبلغ عنها وقام بتطليقها وقضت عقوبة السجن لمدة 5 أعوام.

في حين تعتبر المسجلة خطر «حنان حكايات» أشهر مسجلة خطر آداب؛ حيث يزخر ملفها الإجرامي بـ 500 قضية آداب وتسهيل ممارسة بغاء رغم أنها ضحية أب لم يُراع مشاعرها وقام بتزويجها من رجل يكبرها بـ ربع قرن، ولم يستطع بالطبع إرضاء غريزتها الأنثوية، فاتجهت إلى طريق الرذيلة وادعت أنها تعمل في سوبر ماركت بمنطقة المهندسين، إلا أنها في الحقيقة كانت ترتمي في أحضان قاطني الشقق المفروشة نظير مبالغ مالية جعلتها تدمن المخدرات وتكوّن شبكة للساقطات وراغبي المتعة الحرام.

عقوبات غير رادعة

أضافت أن هناك شقاً آخر من المسجلات خطر يقع في الجريمة تبعاً لتاريخ عائلته الإجرامي، وغالباً ما تكون العقوبات غير رادعة، لكن يجب دراسة الدوافع الحقيقية التي تجعل أعداد المسجلات خطر تتزايد بهذه الطريقة، وطرح وسائل للحل من أجهزة الدولة المختلفة.

كما يجب أن يتدخل رجال الأعمال في مسألة تخفيف أعباء المواطن العادي الذي قد ينحرف في لحظة ضعف ويتحول بعد فترة إلى محترف جريمة في غياب القدوة وانعدام الوازع الديني وتفشي ظاهرة المخدرات واتساع رقعة البطالة والفساد للحد من خطورة تحول النساء إلى مجرمات.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية