تمر العلاقة بين القضاة والمحامين في مصر بمنعطف خطير وتشهد الحياة القانونية في مصر تأزماً كبيراً، وأصيبت جميع دور القضاء والمحاكم في أنحاء مصر بالشلل التام نتيجة إضرابات المحامين التي امتدت لفترة طويلة، الأمر الذي أدى إلى تأجيل آلاف القضايا، بينها قضايا بالغة الأهمية، وذلك على خلفية الاعتداء المتبادل بين اثنين من المحامين، وأحد مديري النيابة بمدينة طنطا، 120 كيلو متراً شمال القاهرة .
وإحالة المحاميين لمحاكمة عاجلة قضت خلال 48 ساعة بحبس المحاميين 5 سنوات وهو ما تسبب في إثارة غضب وحفيظة المحامين خاصة وأن مدير النيابة قدم للمحاكمة هو الآخر.وللتعرف إلى حقيقة وأبعاد الأزمة وما وصلت إليه، وللتعرف إلى أوضاع المحامين بصفة عامة التقت «البيان» مع نقيب المحامين المصريين حمدي خليفة في قلب الأزمة، وأجرت معه الحوار التالي الكاشف لأبعاد تلك الأزمة وغيرها من الأوضاع الداخلية لنقابة المحامين، وكان هذا الحوار.. تعيش مصر حالياً أزمة طاحنة بين المحامين والقضاة على خلفية حبس اثنين من المحامين بسبب الاعتداء المتبادل بينهما وبين أحد مديري النيابة، ما هي الأسباب الحقيقية للاحتقان القائم بين المحامين والقضاة؟
الحدث كان بمثابة كشف لتراكمات استمرت سنوات طويلة نتيجة تفاعلات بسبب العمل واحتكاكات أدت إلى جو مشحون بالاحتقان وذلك يأتي ضمن التركة الثقيلة التي ورثناها خلال الفترة السابقة، وقد كنا حريصين كل الحرص أن يكون التعامل مع هذه الأزمة من خلال الحوار الموضوعي دون أن يكون هناك تداعيات، إيمانا منا بأن العلاقة بين الطرفين نظمها القانون، وأن الطرفين يمثلان جناحا العدالة ولا تستقيم العدالة إلا بهما، ومن حسن سير العدالة أن يكون هناك توحد بين الطرفين، لذلك عندما حدث هذا الأمر دعونا لإضراب عام على مستوى مصر بالاتفاق مع النقابات الفرعية.
والقرار كان نابعا من النقابة العامة والنقابات الفرعية وهو ما يعني أنه كان قرار جمعية عمومية، ولم يكن الإضراب بمثابة إعداد ورقة عمل تنظم العلاقة بين الطرفين، وليس لمجرد الإضراب، فنحن حريصون كل الحرص على التوحد بين الطرفين وحرصنا أكبر إلا تكون.
ألا تعتقد أن التصعيد من شأنه أن يزيد العلاقة بين جناحي العدالة تأزما على عكس ما تتحدث؟
المحامون حريصون على إلا يحدث ذلك، وحريصون على أن تكون النتائج إيجابية، في اطار تطبيق القانون على كافة الأطراف.
وما هو الحل من وجهة نظرك لإنهاء الاحتقان بين جناحي العدالة المحامين والقضاة؟
الحل يكمن في وضع ورقة عمل تستند إلى أحكام القانون، سواء قانون السلطة القضائية أو قانون المحاماة فقانون المحاماة ينص في مادته الأولى على أن المحاماة، مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وبالتالي يجب أن يكون التعامل فيما بين الطرفين من منطلق أن المحاماة شريك في تحقيق العدالة، فإذا تم التعامل عبر ذلك، وتم تفعيل نص المادة الأولى من القانون فمعنى ذلك أنه لن تكون هناك أي خلاقات بين الطرفين.
كما أن نص المادة 47 من قانون السلطة القضائية التي تستوجب تعيين قضاة أمام المحاكم الابتدائية، أن يتم اختيار 25 في المئة منهم من المحامين وهذا الأمر في حد ذاته كفيل بإيجاد نوع من التجانس، فإذا حدث ذلك بين الجانبين، فلن تكون هناك أي خلاقات على الإطلاق، وبالتالي فالفيصل في هذه المسألة تطبيق القانون الذي يحكم العلاقة بين الطرفين.
فضلا عن ذلك فلابد أن تكون للمحامين حصانة قضائية، وهذا الأمر سوف يكون محل اهتمام قانون المحاماة الجديد الذي سيعرض في الدورة البرلمانية المقبلة نظرا لأنه إذا ما توفرت للمحامي حصانة مثل تلك التي يتمتع بها القاضي، فسوف تكون تلك الحصانة مبعثا لتحديد العلاقة بين الطرفين وأن توجد الضابط والمعيار للتعامل بينهما فلن يتكرر هذا الحادث مرة أخرى.
كما اقترحت تكوين هيئة عليا تتشكل من عضو بمجلس نقابة المحامين، وعضو من النيابة العامة، وعضو من المجلس الأعلى للقضاء، وعضو من الشرطة، وأن يناط بهذه الهيئة احتواء الأزمة قبل وقوعها، حتى لا يكون هناك مجال لأي تصرفات فردية يكون من شأنها إحداث أزمة.
اختلاف المواقف
قبيل حادث الاعتداء المفجر للأزمة الأخيرة، وقع اعتداء من أحد ضباط الشرطة بحلوان على أحد المحامين، وأثناء الأزمة أيضاً وقع اعتداء متبادل بين ضابط شرطة وأحد المحامين بجنوب القاهرة، غير أن النقابة لم تتحرك بنفس الشكل الذي تحركت فيه بأزمة القضاة، لماذا، وهل هذا راجع لوجود علاقات قوية بين مجلس النقابة ووزارة الداخلية؟
لا لا، نحن دائما ندافع عن حقوق المحامين ونطالب بالمطالب العادلة أينما كانت، ولكن الأمر يختلف تماما في الموقفين، ونحن لا نتصدى لأي أحداث إلا بعد دراستها دراسة جيدة، ولذلك كان الأمر بالنسبة لنا مدروسا دراسة جيدة، ولذلك تم التصدي لحادث الاعتداء بين المحاميين ووكيل النيابة حتى لا يتكرر مرة أخرى حرصا منا على قدسية القضاء، واحتراما منا لرسالة المحاماة، وباعتبار أن المحاماة لا غنى لها عن القضاء، والقضاء لا غنى له عن المحاماة، ولذلك تصرفنا في هذا الأمر، من خلال المسلك القانوني، الذي نلتزم به دائما.
التصعيد المستمر بين المحاميين والقضاة شهد أقاويل وتحليلات كثيرة منها أن الأزمة الأخيرة التي تم تحميلها أكثر مما تحتمل، وتم تسييسها للتغطية على الانتقادات والاتهامات الموجهة للدولة بحدوث تزوير واسع في انتخابات مجلس الشورى، فما رأيكم؟
هذا حديث غير مسؤول على الإطلاق، فهل كانت الحكومة تعلم أن حدثا سيتم بين المحامي ووكيل النيابة وأنه سيتطور، بالعكس التصعيد كان من الطرفين والحكومة ليس لها أي دور في ذلك نهائيا، وما هي علاقة الحكومة بذلك؟ وهل من مصلحة الحكومة أن تحدث تداعيات للموقف يؤثر سلبا على الاقتصاد وعلى الأمن المصري، هذا الكلام بالطبع غير منطقي وحديث غير مسؤول.
استغلال شخصي
هل صحيح أنك أنت شخصيا قمت باستغلال هذه الأزمة للفت الانتباه عن جهود بعض أعضاء الجمعية العمومية للمحامين لسحب الثقة منكم كنقيب للمحامين؟
سحب الثقة، ليس في ذهني على الإطلاق، وحديث سحب الثقة، حديث مستهلك كان يطالب به البعض منذ فجر الإعلان عن نتيجة الانتخابات النقابية، حتى قبل أن يتبين لهم ما إذا كان مجلس النقابة يعمل أو لا يعمل وهم يسعون إلى ذات المطلب وليس هناك ما يزعجني من سحب الثقة.
وأعلم علم اليقين أن أصوات الجمعية العمومية التي حصلت عليها منذ عام وهي 36 ألف صوت أكبر عدد أصوات يحصل عليها مرشح لمنصب النقيب في تاريخ نقابة المحامين المصرية إذا ما طرح الأمر مرة أخرى خاصة بعدما شهدته نقابة المحامين في خلال سنة ما لم تشهده طوال تاريخها سواء من مشروعات الإسكان أو الأندية أو الجانب المهني وكذلك القومي فهذا من شأنه أن يزيد عدد الأصوات ولا يقللها، وبالتالي لا يزعجني أي حديث عن هذا الأمر ولم ألتفت إليه.
ولم يكن في اعتباري على الإطلاق، وأن هذا الطلب ؟ سحب الثقة ؟ قد استبان بالحكم القضائي الذي صدر وقضى ببطلانه وأنه لا وجود له على الإطلاق وهذا حكم القضاء.
البعض فسر تصريحات الرئيس مبارك الأخيرة حول الأزمة وقراره بعدم التدخل فيها بأنها أعطت الضوء الأخضر للقضاة للتشدد في مواقفهم وعدم التجاوب مع جهود الحل، فما حقيقة ذلك؟
هذا تفسير ليس في محله لأن الرئيس حسني مبارك عندما صرح قال إن هذه علاقة فيما بين جناحي العدالة وأن الحل يجب أن يكون في هذا الإطار، ولم يكن هناك تصريح غير ذلك، ولا يمكن تفسيره بهذا التفسير الضيق في معناه.
قبل الانتخابات النقابية منذ أكثر من عام تقريبا التقينا وتحدثت عن ضرورة أن تكون النقابة مهنية في المقام الأول، وأن لديك برنامجا خدميا طموحا، فهل التجاذب المستمر داخل مجلس النقابة، والهجوم الحاد الذي تتعرض له أديا تشتيت تفكيرك لدرجة انك لم تنفذ أيا مما كنت تتحدث عنه؟
بالعكس نفذنا الكثير من ذلك البرنامج، بدليل أننا نعمل الآن على إنشاء 12 مدينة سكنية للمحامين في أنحاء الجمهورية، و17 ناديا رياضيا واجتماعيا، فنحن خلال عام أنجزنا ما لم تنجزه نقابة المحامين طوال تاريخها منذ إنشائها عام 1912، أي أن ما تم إنجازه في عام يفوق ما تم إنجازه في قرن من الزمان، وهو ما يؤكد أن العمل بالنقابة يسير على الوجه الأمثل، ويؤكد أن مجلس النقابة كله متوحد، ولأول مرة في تاريخ المحامين، رغم عدده الكبير والبالغ 46 عضوا ورغم اختلاف تياراتهم السياسية والفكرية والحزبية.
هناك اتهام لك بأنك أفقدت النقابة دورها القومي وأبعدتها عن محيطها العربي، فما رأيك؟
نقابة المحامين لم تشهد اهتماما بالقضايا القومية في تاريخها مثلما شهدته خلال العام الأخير الذي تشرفت فيه بتولي منصب نقيب المحامين، والدليل أننا تصدينا لجميع القضايا القومية المثارة سواء كان ذلك داخل مصر أو خارجها، وكان من أهم القضايا قضية المرحومة مروة الشربيني التي شهدت منا تفعيلا كبيرا واعتبرنا أن القضية تهم كل المصريين وكل العرب.
ودافعنا عن هذه القضية بكل ما أوتينا من قوة وكانت المرة الأولى في تاريخ القضاء الألماني أن يستمع لمحام مصري مترافعا باللغة العربية، واستطعنا من خلال هذه المرافعة أن نرسل رسالة للعالم بأكمله وأن نقول لهم أن الإسلام دين تسامح.
عندما رشحت نفسك كنقيب للمحامين تقدمت باعتبارك مرشحا مستقلا وبعيدا عن أي انتماءات حزبية أو سياسية وكنت تحرص على مهاجمة الحكومة والحزب الوطني الحاكم، غير أن أعضاء الجمعية العمومية اكتشفوا فيما بعد أنك عضو بالحزب الحاكم، وأنك ترشح نفسك في انتخابات مجلس الشورى الأخيرة عن الحزب الوطني الذي دعمك أيضاً في الفوز بالانتخابات فما رأيكم؟
أفرق تماما بين حمدي خليفة نقيب المحامين، وحمدي خليفة الشخصي، وأنا داخل نقابة المحامين لدى مسؤولياتي، وخارجها أنا محام، وعندما ترشحت في انتخابات الشورى فعلت ذلك باعتباري المحامي وليس النقيب، وأنا لا أخلط بين انتماء الحزبي وعملي النقابي، وقد كانت عضويتي بمجلس الشورى لصالح نقابة المحامين، وليس ضد مصلحة نقابة المحامين، فإن تكون داخل المطبخ غير أن تكون خارجه، وبالتالي فنحن داخل نقابة المحامين نفرق تماما بين الانتماء السياسي والحزبي والانتماء النقابي، علما بأن تاريخ قيدي بالحزب الوطني كان متزامنا مع تاريخ ترشيحي لعضوية مجلس الشورى.
القاهرة ـ عماد الأزرق

