ما أبعد الليلة عن البارحة ! يصدق هذا في ميدان العلاقات بين البشر بقدر ما ينطبق أيضا على مضمار العلاقات بين الأنظمة السياسية والدول.
المقارنة هنا تتعلق بالعلاقات بين روسيا وأميركا.. وبالتحديد بين الأمس الذي راح وانقضى وبين واقع ما آلت إليه هذه العلاقات اليوم.بالأمس البعيد نسبيا وّجه رئيس أميركي أسبق الدعوة إلى الزعيم الروسي «نيكيتا خروشوف».. كان ذلك في ذروة مرحلة الحرب الباردة ـ أواخر الخمسينات ومطالع الستينات من العقد الماضي.. وقتها كانت أميركا تتهيأ لخوض الحرب المطولة في فيتنام.. فيما كانت تشغلها على مستوى الداخل قضايا التمييز العنصري المقيت بين مواطنيها البيض والسود.. وهو ما حمل بعدها في سجل التاريخ الأميركي المعاصر اسم «حركة الحقوق المدنية» التي تزعمها حتى أواسط الستينات الزعيم الملون «مارتن لوثر كنج».
بعد الستالينية
على الجبهة الأخرى للحرب الباردة.. كان الخصم الآخر ـ الاتحاد السوفيتي في حال من الصعود والتعافي من آثار الحرب العالمية الثانية التي تحملت موسكو كثيرا من مغارمها الفادحة ـ فيما انتهت حقبة الحكم الستاليني بكل ما فرضته من عزلة على روسيا وكل ما مارسته من ضروب العسف إلى حد التنكيل بحق قطاعات شتى من الشعب الروسي.
بعدها صعد إلى المنصب الأول والأهم في الاتحاد السوفيتي ـ مع منتصف الخمسينات الزعيم الفلاح ـ الأصل خروشوف سكرتيرا أول للحزب الشيوعي السوفيتي..
ومبشرا بحقبة جديدة رفضت، بل أدانت، التوجهات الستالينية وروجت لما أسمته بحقبة التعايش السلمي بين الأنظمة المختلفة في العالم.. ثم انفتحت على الشعوب الحديثة الاستقلال في عالم ذلك الزمان ـ وجاء ذلك من أبواب التعاون الاقتصادي والمؤازرة السياسية في المحافل الدولية (ونشهد بهذا مثلا تجربة العلاقة البنّاءة التي قامت بين القاهرة ـ في تلك الحقبة وبين موسكو ـ خروشوف وقد أثمرت فيما أثمرت.. التعاون التقني ـ الاقتصادي في بناء سد أسوان العالي).
وعندما عقدت الأمم المتحدة دورتها الخامسة عشرة في سبتمبر 1960 وحملت اسمها المعروف: دورة الرؤساء.. كان خروشوف في طليعة الزعماء الذين حضروا القمة الدولية المشهودة جنبا إلى جنب مع الزعامات التاريخية في تلك الفترة.. تيتو وماكميلان من أوروبا وشوين لاي ونهرو من آسيا وايزنهاور من أميركا الشمالية وفيديل كاسترو من أميركا اللاتينية وجمال عبد الناصر من الوطن العربي.
دعوة خروشوف
هكذا وجهت الدعوة إلى خروشوف لاستكمال زيارة أميركا.. وكان هدف الرئيس ايزنهاور هو أن يطلع القادم من موسكو على ما بلغته أميركا في تلك المرحلة من مراقي التقدم والإبداع التكنولوجي بمقاييس تلك الحقبة. والمشكلة أن خروشوف لم يكن منبهرا.. أو كان منبهرا دون أن يكون مجاملا.. بل وصل به أمر الخطاب السياسي خلال زيارته أن تكلم بلسان نشأته الخشنة في أرياف أوكرانيا قائلا ما معناه:
ـ أيها الأميركيون.. سوف نعيش ونزدهر لكي ندفنكم أو ندفن معكم نظامكم الرأسمالي.. الخ.
والذي حدث أن الذي دُفن هو زعامة خروشوف ذاتها بعد أن أزاحته قيادات الحزب عن منصبه في عام 1964 ثم عاش بعدها في زوايا النسيان.
والذي حدث أيضا أن لم يمض على تلك الأحداث أقل من 30 سنة حتى سقط جدار برلين في عام 1989 وكان تجسيدا لمرحلة الحرب الباردة.. وبعدها بسنوات وربما بأشهر سقط الكيان السوفيتي بأكمله.. وعاشت أميركا على مدار 20 سنة أو نحوها - وهي آخر عقود القرن الماضي وباكورة عقود القرن الحالي ـ دون أن تنشغل بالهاجس الروسي الذي طالما كان مبعث أرق لها.. طيلة الفترة 1945 ـ ,1990.
خلال هذين العقدين الأخيرين كانت روسيا تحاول تضميد جراح الانهيار السوفيتي.. فكان أن عاشت حقبة يلتسين التي أفلست فيها اقتصاديا ومعنويا.. وأعقبتها حقبة بوتين التي حاولت أن تعيد الاتزان إلى خطى المسيرة الروسية.. كي تسلم مقاليد الأمور إلى الرئيس الروسي الحالي ميدفيديف الذي ما برح يرفع شعارات التحديث التي من شأنها أن تعيد القطب الروسي إلى المشاركة في تصدّر مسيرة العالم من جديد.
هكذا كان طبيعيا أن توجَّه الدعوة إلى الرئيس الروسي الشاب لزيارة الولايات المتحدة..
لقاء الشباب
وجاءت الدعوة كما ألمحنا بعد نحو 50 عاما أو نحوها من زيارة خروشوف إياها إلى الولايات المتحدة..
وهكذا كان اللقاء بين القادم من الكرملين وبين القابع ـ المضيف في البيت الأبيض.. كان لقاء زعيمين لا يزالان في سن النضج الشبابي.. ويعيش كل منهما عصر التقدم التكنولوجي ـ المذهل أحيانا ـ في وسائل الاتصال والإعلام والتصنيع والنقل وما إلى ذلك بسبيل.
أين هذا كما ألمحنا من لقاء فلاح أوكرانيا الشيوعي الملتزم ذي اللسان السليط (خروشوف) والرئيس الأميركي وقتها الذي كان جنرالا عظيما خلال الحرب الكونية ولكنه كان قد أوغل في التقدم في العمر وفيما كانت تصادف رئاسته تحديات كانت بالغة الشراسة أيامها.. ليس أقلها نجاح الخصم السوفيتي في إطلاق أول قمر اصطناعي يدور حول كوكب الأرض ولأول مرة في تاريخ الاجتهاد البشري (هو القمر سبوتنيك في عام 1957)..
وبديهي أن أوباما، قائد يعمد إلى أن يضفي على خطواته عناصر الاتزان والتفكير والمشورة والترشيد بعد حقبة المحافظين الجدد في عهد سابقه جورج دبليو بوش التي كادت تطيح بقوائم النظام العالمي تحت شعارها الخطير ـ «الفوضى المنظمة»..
والحق أن هذا المنطلق في التفكير والسلوك السياسي هو الذي قاد الرئيس أوباما إلى توجيه الدعوة بالزيارة لنظيره الروسي ميدفيديف.
تطلع إلى الاقتصاد
بالتحديد «كان أوباما يهدف إلى بناء علاقات (روابط وأواصر) اقتصادية مع روسيا».
هكذا كتب بالحرف المحلل «بيتر بيكر» الذي أوضح في مقاله المنشور مؤخرا في «النيويورك تايمز» كيف أن أوباما بدأ بالتركيز على قضايا الأمن في إطار علاقات واشنطن وموسكو وكان في مقدمتها بطبيعة الحال مسألة نزع السلاح و«حالة» إيران. وبعد أن أنجز الطرفان توقيع معاهدة الحد من الأسلحة، وبعد أن استطاعت واشنطن ممارسة تأثيرها بالنسبة للعقوبات المفروضة على طهران.. بات الرئيس الأميركي يأمل ـ كما يقول الكاتب «بيتر بيكر» - في بناء علاقة اقتصادية تتسم بالقوة والاستمرار وهو ما لم يستطع أسلافه ومنهم كلينتون وبوش بالذات أن ينجزوه.
مع ذلك فقد شاء الأميركان أن يكرروا نفس النمط الذي سبقوا إلى إتباعه خلال زيارة خروشوف منذ عقود عديدة انقضت.
زمان: عمدوا الى دعوة خروشوف لزيارة مزرعة في كاليفورنيا كانت تتبع أحدث أساليب الميكنة الزراعية.. وكان القصد هو الإبهار بالمنجز التكنولوجي بطبيعة الحال.
وقرب منتصف يونيو الماضي.. عمدوا أيضا إلى دعوة ميدفيديف إلى زيارة كاليفورنيا أيضا.. ولكنهم صرفوا النظر هذه المرة عن حكاية المزرعة الحديثة أو آلات الميكنة وما في حكمها.
نعم كان خروشوف من أصول فلاحية.. وطبعا كانت تروقه حكاية تحديث الزراعة..
لكن ميدفيديف حاكم يعيش في زمن منجزات الحواسيب ـ وتكنولوجيا المعلومات والاتصال.. لا بأس إذن من إبهاره بزيارة «وادي السيليكون» الذي تعتبره واشنطن معرض الإبهار بأحدث منجزات تكنولوجيات عصرنا.
وهكذا دارت عجلة زيارة الرئيس الروسي الذي لم يتردد في «خطْب ود» شركات التكنولوجيا الأميركية كما يقول تعبير الكاتب الأميركي الذي ألمحنا إليه.. حيث دعاها لكي تبني لحساب بلاده «مركز الابتكار» في روسيا.
الآمال الواسعة
وهكذا أيضا بدت أمور الزيارة الروسية مشجعة واعدة.. بل كانت مبشرة بتعاون حافل بين الطرفين على نحو ما كان يأمل أوباما. وعلينا ألا ننسى أيضا أن روسيا دولة منتجة للنفط.. والغاز الطبيعي وأنها يمكن أيضا أن تشكل حليفا اقتصاديا بشكل أو بآخر مع أميركا بوجه المنافس الشرس الصاعد باطراد الذي يحمل اسم الصين، وهي أكبر دائن حتى الآن للولايات المتحدة.
المهم أن الزيارة الروسية ظلت معقدا لآمال عريضة، لاسيما وقد كان من المأمول أيضا اتفاق الطرفين على إزالة العقبات التي كانت تحول دون انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية.. وبما يجعل الاقتصاد الروسي أكثر انفتاحا وتنافسا وتكاملا على ساحة الاقتصاد العالمي بأكملها. وربما بدت الأمور وكأن الرياح تسير رخاء في طريقها المرسوم لتهب نسائمها على مرحلة مفعمة بالأمل في العلاقات الروسية ـ الأميركية.
اللحظة الصعبة
مع هذا كله فقد جاءت لحظة عسيرة ومفاجئة تحولت فيها هذه الريح الرخاء إلى عاصفة.. أقرب إلى إعصار بالغ التكثيف حين أعلنت واشنطن وليس غيرها عن اكتشاف شبكة تجسس روسية تضم 11 شخصا، فيما أكدت دوائر مكتب المباحث الفيدرالي ـ «إف. بي. آي» أن 8 من هؤلاء الروس المعتقلين كانوا ضالعين فيما وصفته الدوائر الأميركية بممارسة «مهام سرية كانت قد بدأت منذ فترة طويلة».
حيث كان بعضهم مقيما في الولايات المتحدة منذ أوائل عقد التسعينات الماضي.. كما يشتبه أنهم تلقوا تدريبات على ممارسة الجاسوسية بواسطة الاستخبارات الروسية وفي إطار «برامج غير مشروعة» باشرتها منظمة «إس. اف. آر» الروسية التي خلفت لجنة أمن الدولة «كي. جي. بي» الشهيرة في عالم التجسس أيام الاتحاد السوفيتي والحرب الباردة.
تطويق الأزمة
يلاحظ أيضا مبادرة طرفي هذه المعادلة إلى ما يوصف في العلاقات والعلوم السياسية الدولية بأنه «إدارة أو تطويق الأزمة» أو «تحجيم الخطر».. حيث بادر الطرف الأميركي إلى تصريحات تقول إنه مهما يكن الأمر فلن يكون لذلك تأثير خطير على علاقات واشنطن وموسكو..
ويلاحظ كذلك أن الخارجية الروسية من جانبها قالت إن اتهامات التجسس التي وجهتها واشنطن أمور «لا أساس لها من الصحة». وإن المعلومات الواردة في هذا الشأن تتسم بقدر كبير من التناقض. خاصة وقد جاء الإعلان بالذات بعد أيام معدودة من لقاء القمة بين الرئيسين أوباما وميدفيديف ومع كل ما تحقق من إيجابيات في زيارة الضيف القادم من الكرملين، وما يمكن أن ينعكس إيجابا بالتالي على علاقات روسيا وأميركا..
وأيا كان الأمر فأهم ملاحظة قد نوردها في هذا الجانب، وهي تتلخص في أن الدول لم تعد تهتم بالإطلاع على دواخل المنافسين في المجالات السياسية.. بقدر ما أن الأهم أصبح محاولة التغلغل أو النفاذ ـ إلى حد التلصص أحيانا - على مدى ما حققه الخصم أو المنافس، من أشواط التقدم في ميدان الاقتصاد أو في مضمار البحث العلمي أو على ساحات التكنولوجيا على وجه الخصوص.
.. إن أوضاع العالم تتغير.
وأهداف التجسس تتغير أيضا.
من خروشوف إلى ميدفيديف
لا مفر من المقارنة بين زيارتين تفصل بينهما خمسة عقود من الزمن.. فيما يتصل بالعلاقات بين روسيا وأميركا: الأولى كانت زيارة نيكيتا خروشوف، الزعيم السوفيتي الذي توعّد أيامها المنافسين الأميركيين بأن الاتحاد السوفيتي سوف ينجح في أن «يدفنهم» في نهاية المطاف.. وبعدها جرت مياه كثيرة زال فيها الكيان السوفيتي نفسه من الوجود..
ليفسح المجال للزيارة الثانية التي قام بها مؤخرا الرئيس الروسي الشاب ديمتري ميدفيديف وسط توقعات من جانب الرئيس الأميركي الشاب أيضا باراك أوباما بإقامة علاقات اقتصادية ناجحة وراسخة مع الشريك الروسي، خاصة وأن موسكو تتمتع بكونها منتجة للبترول والغاز الطبيعي، وبأنها يمكن أن تكون طرفا مرجّحا، على نحو ما تتصور واشنطن، في إطار المنافسة الاقتصادية المحتدمة حاليا بين أميركا والصين..
لهذا جاء تعمّد المضيف الأميركي إبهار زائره الروسي حين رتّبوا زيارة محورية قام بها ميدفيديف إلى وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا وهو واحد من أهم مراكز الامتياز في مضمار التقدم التكنولوجي في أميركا والعالم.. حيث فاتح الرئيس الزائر الشركات المختصة من أجل بناء مراكز ابتكار تكنولوجي في روسيا.
مع هذا كله فقد كادت تتحطم كل هذه النتائج والآمال المعقودة على زيارة القادم من الكرملين بعد إعلان المباحث الاتحادية الأميركية عن كشف شبكة تجسس روسية ظلت تعمل منذ عقد التسعينات في الولايات المتحدة.
محمد الخولي

