في حائط المكتبة في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، ومن وراء مقعده، علق بنيامين نتانياهو صورة بنيامين زئيف هرتسل وونستون تشرتشل، اللذين يراهما مصدري الهامه كسياسي. يطل الاثنان على الضيف الذي يجلس قبالة نتانياهو، وكأن والد الصهيونية وزعيم بريطانيا في الحرب العالمية الثانية هما راعيا رئيس حكومة إسرائيل، كي يدرك زوار المكتب من أين أتى نتانياهو والى اين يسعى.
نموذج هرتسل يجل نتانياهو زعماء حذروا من أخطار حتى عندما تجاهلها رأي الاكثرية ورآهم منذرين مقلقين باحثين عن المشكلات، فقد حذر هرتسل على الدوام من معاداة السامية العنيفة وحذر تشرتشل من صعود النازية وتسلح المانيا، ويحب نتانياهو التمدح بتحذيراته التي تحققت، من الارهاب وإيران والصواريخ على عسقلان. لكن يمكن تخمين أن رئيس الحكومة أيضا يجد تشجيعا في حياة تشرتشل السياسية، الذي شبع من الاخفاقات والتأبين الى أن دعي لانقاذ الوطن في الربيع القاتم من سنة 1940.
تصف سيرة ذاتية جديدة لتشرتشل في الحرب العالمية الثانية هي «حرب ونستون» تصف «كبير البريطانيين في القرن العشرين»، كما قال المؤلف ماكس هيستنغز، وأنه سياسي منجذ، عمل طوال الوقت بإنماء صورته وتخليد مكانه في التاريخ واضعاف خصومه في الداخل، حتى في أصعب ساعات المواجهة مع هتلر. جر أميركا للحرب من المحقق أن نتانياهو يأمل أنه اذا حقق الغاية التي نصبها لنفسه، وأنقذ إسرائيل من التهديد الذري الإيراني، فسينسون له المعايب والزلات، وقضية القافلة البحرية والادارة المبلبلة لشؤون الدولة، كما نسوا لتشرتشل سلسلة الهزائم المخزية للجيش البريطاني بين دانكرك الى العلمين.
يصف هيستنغز كيف اعتقد مقربون وخصوم من الساسة ومواطنون بسطاء أنه يجب اخراج تدبير الحرب من يد الفاشل الدائم، وأن يعين شخص ما آخر وزيرا للدفاع، الى أن رجح النصر في معركة العلمين في الصحراء الغربية ووصول الجيش الاميركي إلى جبهة المعركة لصالحه، من أزمة لأزمة الى أن حانت ساعته.
سيتذكر تشرتشل بفضل خطب التشجيع ورفع الروح المعنوي تحت قصف سلاح الجو الالماني في أيام المعركة على بريطانيا. لكن مهمته الرئيسة التي قرن بها نفسه منذ يوم توليه السلطة، كانت أن يجر أميركا الى الحرب الى جانب البريطانيين. وهذا أيضا هو هدف نتانياهو الذي يسوي بين إيران اليوم والمانيا النازية ؟ أي أن يفضي الى وضع تضرب فيه الولايات المتحدة إيران، وتحبط برنامجها الذري وتحطم مكانتها كقوة صاعدة في المنطقة.
تحدي كليهما متشابه: ففي 2010 كما في 1940، يعارض الرأي العام الاميركي بشدة مغامرة عسكرية وراء البحار. فقد رأى الاميركيون البريطانيين مستعمرين يحاربون لانقاذ امبراطوريتهم، كما يرون إسرائيل دولة احتلال تصارع عن المستوطنات في الضفة الغربية. برغم اللغة الانجليزية المشتركة، وأحاديث العمل بين الساسة والجنرالات البريطانيين والاميركيين تميزت العلاقات بينهم بالشك المتبادل وصراع القوة.
حجج تشرشل
يروي هيستنغز ان تشرتشل أبدع مصطلح «قمة» لوصف لقاء بين زعيمي الدولتين. وقد اعتقد ان شخصيته الآسرة وقدرته على الاقناع تستطيعان معادلة فروق القوة بين بريطانيا المصارعة، والمفلسة، وأميركا الواثقة القوية.
لهذا حصر سياسته الخارجية في جهد مقاربة الرئيس فرانكلين روزفلت، وترجيح موقفه من اجل دخول الحرب. وتذكر حجج تشرشل بدعاوى نتانياهو اليوم، حيث كان الأول يعلن أن بريطانيا تحارب حرب العالم الحر للطغيان النازي، كما تحاول إسرائيل نتانياهو ان تقنع الغرب بكونها حصنه المتقدم في مواجهة الاسلام المتطرف.
نجح تشرتشل في أن يحصل من روزفلت على مساعدة عسكرية وسلاح ومصاحبة لقوافل الامداد. ونجح نتانياهو، ووزير الدفاع ايهود باراك بزيادة ضغط التهديد الملمح به بمهاجمة إسرائيل للمنشآت الذرية الإيرانية، للتمتع بتعاون أمني لم يسبق له مثيل. فقد زار رئيس مقار القيادة المشتركة مايك مالن إسرائيل هذا الاسبوع والتقى رئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي للمرة الثالثة عشرة.
ويبدو أن هذه المحادثات لم تكن ترمي فقط لأن يقول الادميرال الأميركي للفريق الإسرائيلي «لا تهاجموا». لن يستطيع هجوم إسرائيلي، حتى لو نجح، في تدمير المنشآت الذرية في إيران، هذا حسب ترجيح ميزان القوى الاقليمي. فستظل إيران اذا قصفت قوية وتهدد استقرار نظم الحكم الموالية لاميركا في الدول المنتجة للنفط وفي الأردن ومصر.
وهنا مشكلة أوباما: هل تستطيع أميركا أن تسمح لنفسها بأن يسيطر الرئيس محمود أحمدي نجاد على امداد الغرب بالنفط، من طريق تأثيرهم المزداد في الشرق الاوسط؟
إن خبراء إسرائيليين ذوي التجربة مقتنعون بأن الاميركيين قد سلموا للقنبلة الذرية الإيرانية، وأن كلامهم على صد ذلك معد لمحاضر الجلسات فقط. لكن اذا كان الأمر كذلك، فكيف سيعيش الاميركيون مع التأثيرات الاستراتيجية لإيران الذرية؟
هآرتس - ألوف بن.


