المكان بحد ذاته كافيا ليدل على قدم مصنع الصابون الذي يديره الحاج معاذ النابلسي في نابلس، المدينة التاريخية التي يعود إنشاؤها إلى أربعة آلاف عام: بناية حجرية قديمة مرتفعة السقف سميكة الجدران، عابقة برائحة التاريخ.

ويقول الحاج معاذ ان مبنى مصنع الصابون القائم في شارع النصر وسط البلدة القديمة من نابلس شيد قبل حولي 800 عام.

وعتاقة المكان كاف للدلالة على عتاقة صناعة الصابون القديم الذي يعتمد على زيت الزيتون والذي كان مركزه هذه المدينة الفلسطينية. لكن هذه الصناعة تصارع اليوم من اجل البقاء وسط تدفق منتجات حديثة متنوعة منه.

ويقول الحاج معاذ ان المنافسة التجارية أضرت بالصناعة التقليدية للصابون. وقال انه شخصيا لم يعد يعتمد على انتاج الصابون، لكنه يحافظ عليها لأنها «صناعة تراثية أسسها الآباء والأجداد». وأضاف: «تراثية الصناعة وعلاقتها مع طفولتي ومع عائلتي وأجدادي تجعلني اشعر ان من واجبي الحفاظ عليها».

ويضيف: «سوف أورث المهنة لأبنائي كي تبقى صناعة الصابون في نابلس إلى الأبد».

وتشير أرقام الغرفة التجارية في نابلس إلى ان عدد مصانع الصابون التي يسميها أهالي نابلس «مصابن» وصل في بعض مراحل المدينة إلى 43 صبانة لكنها تقلصت اليوم إلى عدد قليل لا يتجاوز أصابع اليد.

ولعبت ورشات صناعة الصابون في نابلس القديمة التي يعود تاريخها إلى أربعة آلاف سنة دور المؤسسة الاقتصادية والمالية، اذ كانت ترفد السوق المحلي بالعملة الصعبة، وتوفر السيولة المالية للاستثمار والتوسع الاقتصادي، وتشغيل المئات من الأيدي العاملة.

وقال النابلسي ان مصنع الصابون أو المصبنة كانت تقوم بدور البنك في التاريخ النابلسي القديم، اذ كان أصحابها يقدمون القروض لصغار التجار والفلاحين ويسترجعون ديونهم عند انقضاء الموسم.

وما زالت الخزائن الحديدية في المصانع القديمة العاملة منها والمهجورة تدل على الدور المالي للمصابن، اذا كان من لديه أموال زائدة عن حاجته، ويريد إيداعها في مكان آمن، يسلمها إلى صاحب المصبنة كوديعة. وكذلك كان المزارع يضع زيته أمانة عند صاحب المصبنة وإذا احتاج للمال يحضر إلى المصبنة ويبيعها من زيته المودع فيها ويقبض الثمن بالسعر السائد.

ويقول الخبراء الاقتصاديون والمواطنون بأن الصابون النابلسي غير قادر على مجاراة التنافس بسبب عدم إدخال تغييرات عصرية عليه رغم انه ـ أي الصابون التقليدي ـ أفضل من الصابون الصناعي الحديث لأنه يحتوي على المواد الطبيعية المستخلصة من زيت الزيتون النقي.

ويرجع بعض المؤرخين تاريخ صناعة الصابون في نابلس إلى أكثر من ألف عام مستدلين على ذلك بالكثير من الكتابات التي دوّنها المؤرخون القدماء.

وشكل الصابون النابلسي سابقا أحد أهم السلع المنتجة في المدينة التي تعتبر واحدة من أقدم عشرة مدن في العالم من بينها أريحا ودمشق لما لهذا الصابون من خصوصية وتميز باعتباره أجود أنواع الصابون الطبيعي.

وارتبط الصابون النابلسي قديما بالحمامات العامة إذ كان العامل ينتهي من عمله ويشتري قطعة صابون ويذهب بها إلى أحد الحمامات ليغتسل. ولا يعرف على وجه التحديد من هو مبتكر هذه الصناعة، وهل وجدت في نابلس أم نقلت إليها من مكان آخر، ولكن الثابت أن هذه الصناعة وجدت لها في نابلس البيئة والظروف المناسبة والتي ساعدت على تمركزها في هذه المدينة لوفرة زيت الزيتون في منطقة نابلس ومحيطها والذي هو المادة الأساسية في صناعة الصابون. لكن البعض يتوقع بقاء هذه الصناعة ولو بحدود دنيا بسبب بحث الناس عن المنتجات الطبيعية، إضافة إلى الطابع العائلي للصناعة.

وقالت السيدة ريما نزال، ربة بيت من نابلس: «الصابون النابلسي جيد يذكرني في طفولتي ولكن لم يدخلوا عليه تطور بالحجم ولا بالشكل وأنا لا استخدم ألا القليل منه».

ولا تتوفر أرقام دقيقة حول الكميات المنتجة من الصابون النابلسي في الوقت الحاضر، لكن الحاج معاذ قال «قبل عشرين عاما كنا ننتج في صبانة واحدة 400 طن في العام الواحد أما ألان فالعدد لا يذكر بسبب غلاء زيت الزيتون ومنافسة الصابون الصناعي الكيماوي بمختلف أصنافه». ويقول أصحاب المصابن العاملة في نابلس بانهم يسعون لإدخال تغيرات تتماشى مع المنافسة الحادة في الأسواق من حيث الشكل والألوان والإحجام للحفاظ عليها.

نابلس ـ محمد إبراهيم