ينتظر معظم الأطفال الصغار العطلة الصيفية بفارغ الصبر، حتى يتنفسون الصعداء بعد مشقة الدراسة، والاستيقاظ المبكر من أجل المدرسة، فالعطلة في نظرهم تعني اللهو واللعب وممارسة الهوايات والسباحة و الاستمتاع بزرقة مياه البحر، إلا أن العطلة الصيفية تعني لأطفال الطبقة الكادحة العمل الشاق.
ومحاولة جمع ما تيسر من المال لشراء أدوات المدرسة، فبمجرد خروجك من وسط العاصمة تونس بإتجاه المدن القريبة، للعاصمة حتى تجد أطفالا صغارا يقفون على قارعة الطريق، محاولين بيع الخبز أو البيض أو العسل، وكل المنتوجات الطبيعية التي يصنعونها في بيوتهم الريفية، هم أطفال يتحدون حرارة الصيف، وجنون السيارات المارة عبر الطرقات السريعة، من أجل توفير ثمن الكتب المدرسية أو الأقلام أو لقمة العيش، فالقدر دفعهم إلى تحمل المسؤولية مبكرا، فأصبحت العطلة الصيفية في نظرهم فرصة لكسب الرزق و ليست فرصة للراحة.
محمد الجبوري هو طفل صغير لم يتعد عامه ال8، يقف على قارعة الطريق ملوحاً بخبز «الطابونة» وهو نوع من الخبز الذي تصنعه ربات البيوت في الريف، إذ يتوجب صنعه في الفرن المبنى بالرمل والطين، وينضج الخبز على الحطب، وعادة ما ينصب فرن الطابونة خارج المنزل تفاديا لرائحة إحتراق الحطب، محمد مطالب ببيع أكثر من 50 خبزة طابونة في اليوم الواحد، حتى يستطيع إكمال مشواره الدراسي، فأمه تقوم بتحضير الخبز في الصباح الباكر، وتيقظه من النوم ليتوجه بدوره إلى قارعة الطريق محاولا بيع الخبز الذي في حوزته، يقول محمد :
«تعودت أن أبيع خبز الطابونة في كل العطل المدرسية، حتى أستطيع توفير مصاريف دراستي، لأنني من عائلة محدودة الدخل، وأنا أعتبر نفسي مكافحاً، ولا أخجل من بيع الخبز، لأنه في النهاية عمل، ووالدي دائما ما يقول لي أنت رجل ويجب أن تتحمل مصاعب الحياة حتى تنضج، ومع أنني سعيد بهذه المهمة اليومية إلا أنني أشعر بالحزن أحيانا عندما أرى رفاقي يجتمعون في الحي للعب كرة القدم ولا استطيع اللعب معهم».
ألفة مرزوقي نجحت بامتياز في السنة السادسة ابتدائي، وفور نجاحها طلبت من والدتها أن تحضر لها كمية من الخبز بشكل يومي حتى تبيعه للمارة، وحملت على عاتقها تعليم أختها الصغرى ذات الأربع سنوات «إيناس» هذه المهمة، فأصبحت تأخذها معها كل يوم لتبيع الخبز، وتكتسب خبرة البيع والشراء، ألفة لا تتنازل عن السعر الذي حددته للخبزة الواحدة «500 مليم» أي ما يعادل أقل من ربع دولار واحد، وتصف الخبز الذي تبيعه على أنه الأكبر حجماً، والألذ طعماً، وتضيف:
«أقف كل صباح على قارعة الطريق الساحلي، وأصطاد بنظراتي عابري الطريق، وألوح لهم بالخبز، وأحاول أن ألفت انتباه أصحاب السيارات الفاخرة بالذات لأنهم يشترون مني دون أن يناقشوني في السعر المطلوب، وأحيانا كثيرة يشترون كل الخبز الذي في حوزتي من باب التعاطف، خاصة عندما يرون أختي الصغيرة تقف تحت أشعة الشمس الحارقة، ويشكل لي كل يوم تحديا جديدا لبيع ما في حوزتي من خبز وبيض.
وأحاول أن أبيع بسرعة حتى أوفر بعض الوقت لألعب مع صديقاتي، صحيح أنني أتعب كثيراً طوال اليوم إلا أن كل التعب يختفي حينما أعد المال الذي جنيته في المساء وأعرف أنه أصبح بإمكاني شراء كتبي المدرسية، والأن سأجمع النقود لشراء الكراسات ومستلزمات العام الدراسي القادم، وبعدها سأجمع المال من أجل أختي الصغيرة لأنها ستدرس في الروضة العام المقبل».
وعلى بعد بعض الكيلومترات من المنطقة التي تقف فيها ألفة وإيناس وجدنا الطفل «جلال مرايحي» يلوح بخبز الطابونة وسط الطريق ونظراته كلها إستجداء، توقفنا عنده فورا وقمنا بشراء الأربع خبزات المتبقية في حوزته فأنطلق راكضا كله فرح لأنه أنهى مهمته بنجاح، إلا أننا أستوقفناه مرة أخرى، وسألناه عن السبب الذي دفعه لبيع الخبز فقال:
« زوجة أبي تجبرني على ذلك، وتقول لي ان كل أطفال المنطقة يبيعون الخبز وبأنني لست أفضل منهم، مع أنها لا تسمح لأبنائها ببيع الخبز، بل ترسلني أنا بشكل يومي إلى الطريق، وتغضب كثيرا لو عدت ومعي بعض الخبز الذي لم أتمكن من بيعه، وجلال يعتبر أن يوم الأحد وهو يوم العطلة الرسمية في تونس، هو يوم حظه، حيث تكثر الحركة في الطريق الساحلي الذي يقف فيه، لأن الناس يقصدون البحر عبر ذلك الطريق.
ويضيف : أحيانا كثيرة أبيع الخبز لعائلة يوجد فيها أطفال في عمري ولكن الفرق بيني وبينهم أنهم يتوجهون للبحر والاستمتاع بالعطلة الصيفية فيما أنا أقف هنا لا حول لي ولا قوة، وعندما أكبر سأكون حريصاً على عدم دفع أولادي لبيع الخبز، حتى أجنبهم مشقة العمل، ونظرة الناس المليئة بالعطف».
نادر شريف هو الطفل الوحيد الذي يبيع العسل الطبيعي على قارعة الطريق ويعتبر أن عسله يشفي من كل الأمراض كما أن سعره في المتناول، ويضيف: « أبي يساعدني في البيع ولا يجبرني على الوقوف بشكل يومي على الطريق، فهو الذي يبيع في الأساس، ولكنني أحب أن أساعده في العطل الرسمية، لأنني أعرف أنه يتعب من الوقوف لتوفير لقمة العيش».
الوضع لدى الطفل منير القاسمي ليس أفضل فمنير هو طفل في الثامنة من عمره، نجح في السنة الثانية وسيدرس بداية العام القادم في السنة الثالثة ابتدائي، وهو يبيع الأكياس البلاستيكية السوداء في سوق الخضار المركزي وسط العاصمة، ويقول :
أبيع الكيس ب50 فرنكا، للمتسوقين وأحاول أن ألفتهم بعبارات تعلمتها من والدي كأن أقول لهم «ساعدوني لشراء أدواتي المدرسية» أو «أشتروا الأكياس الكبيرة يا أصحاب القلوب الكبيرة» وهكذا، وأقوم ببيع أكثر من 40 كيسا في اليوم لأوفر ثمن كتبي وأدواتي المدرسية، ولأن العطلة الصيفية طويلة فأنني أكسب الكثير آخر العطلة، فأشتري ما أريده وأعطي الباقي لوالداي، الشئ الوحيد الذي يشعرني بالحرج هو أن أجد أحد رفاقي في المدرسة يتسوق مع والده، فأنا أحاول تجنب زملائي في المدرسة وأهرب كلما رأيت أحدهم في السوق».
استغلال الطفولة جريمة
تقول الطبيبة النفسية الخاصة بالأطفال والناشطة في جمعية لحماية الطفولة الدكتورة مها العامري، ان استغلال الأطفال الصغار في بيع ما تيسر على الطرقات وفي الأسواق، يؤثر على نفسيتهم بطريقة سلبية، فالطفل في ذلك العمر يريد أن يخرج طاقاته في اللعب واللهو والنشاطات التعليمية المختلفة، كما أن ذلك يعرضهم للخطر فوجودهم على الطرقات السريعة أمام السيارات.
وتحت أشعة الشمس الصيفية الحارقة يعرضهم لخطر الأذى الجسدي قبل النفسي، وبما أنه لا توجد إحصائيات رسمية في تونس لعدد الأطفال الذين يتم استغلالهم، فلا نستطيع اعتبار ذلك ظاهرة، فهم مجرد حالات نادرة لأسر لا تجد في تشغيلهم أي مشاكل، ومع ذلك فإن إستغلال الأطفال بتلك الطريقة يعتبر جريمة.
وقد قرر القانون التونسي حماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي، في القانون رقم 62 لسنة 1995 المؤرخ في 10 يوليو 1995 المتعلق بالمصادقة على اتفاقية العمل الدولية رقم 138 بشأن السن الأدنى للشغل أو العمل، وتحرص تونس على حماية الأطفال إذ تعتبرهم الفئة الهشة من المجتمع التي تتطلب وقفة صارمة ومنع إستغلالهم، وتونس اليوم أسست برلمانا للطفل، وهناك العديد من الجمعيات التي تحرص على حماية الأطفال من كل أنواع الإستغلال، كما تقوم وزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنين، بوضع خطط ودراسات لتكافح كل خور قد يقع في المجتمع التونسي بكل أصنافه.
تونس ـ ضحى السعفي
