استفزتها الدسائس التي لمستها في ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم فقررت التصدي لهم، وأقدمت على ترجمة القرآن لتصبح أول مترجمة عربية في تاريخ ترجمة الذكر الحكيم وباللغة الفرنسية.. هذه هي الباحثة المصرية الدكتورةزينب عبد العزيز التي تفند العديد من الأخطاء التي يقع فيها المستشرقون عند ترجمتهم لمعاني القرآن الكريم سواء عن جهل أم قصد، وتحدثت عن الصعاب التي واجهتها والأسباب التي دعتها إلى هذه الترجمة، فإلى التفاصيل.

تمارسين الكتابة منذ أكثر من 40 عاما.. كيف كان طريقك إلى ترجمة معاني القرآن الكريم؟لدى الكثير من المؤلفات التي أعلنت من خلالها الدفاع عن قضايا الإسلام، والرد على نظرة الغرب للمسلمين، وحاولت فيها إبراز هذا الموقف الغريب في عدد من الكتب منها: «هدم الإسلام بالمصطلحات المستوردة»، «الأصولية والحداثة»، و«الإلحاد وأسبابه»، وقد قررت الاتجاه من كتابة الأبحاث إلى نقل الحضارة الغربية وكتابات الغرب، وكثيرا ما لمست تجريحا وإهانات جمة للمسلمين والإسلام بأسباب ومن دون أسباب، ووجدت أن الغرب يتعمدون تشويه الفكر الإسلامي خاصة القرآن الكريم، وتوصلت إلى أن كل ما حققته خلال هذه الأعوام سيضيع هباءً ودون جدوى، فكرست جهدي لهذه الترجمة، ولم تعنني النتيجة سواء تحققت في حياتي أم بعد مماتي.

لماذا اخترت اللغة الفرنسية تحديدًا؟

لأنني بدأت في تعلم هذه اللغة منذ طفولتي، وقد كان والدي يجيد أربع لغات كانت الفرنسية أكثرها استخداما في عمله، وكان يحدثني باللغة دائما حتى أتقنتها وأبدعت في التحدث بها، والتحقت بمدارس فرنسية وحصلت على شهادات التفوق في هذه اللغة، وهكذا أصبحت اللغة التي لا يفوتني فيها كلمة أو نص مكتوب ما بين السطور، ووظفت ما توصلت إليه من معلومات بهذه اللغة للترجمة.

كم استغرقت منك عملية الترجمة؟

التزمت ببعض الطقوس خلال فترة الترجمة التي استغرقت مني ثمانية أعوام، بمعدل 15 ساعة يومياً؛ حيث مكثت في المنزل ومنعت الزيارات وأغلقت الأبواب، فعندما أحب عملاً معينًا أكرس تركيزي وجهدي ووقتي من أجله، وينتابني حالة من الانفصال التام عن المجتمع من حولي، وأفضل العمل في صمت تام خاصة أنني قررت أن أتخذ خطوة جادة وتحقيق هذا الهدف النبيل، وكنت أعلم أنها مسؤولية كبيرة أمام الله أولاً ثم المسلمين ثانيا.

ترجمة القرآن ربما تستلزم اشتقاق ألفاظ جديدة من اللغة الفرنسية.. كيف استطعت ذلك؟ حدثينا عن هذه الاشتقاقات؟

حاولت في بداية الترجمة فهم معاني القرآن الكريم جيدا، ومن المشكلات التي واجهتني أثناء الترجمة اختلاف الوعاءين الخاصين باللغتين الفرنسية والعربية، لكن باعتبار أنني لمست الفرنسية عن قرب.

وأدركت أبعادها اعتقدت أن الأمر في منتهى السهولة، حتى فوجئت عند ممارستي الترجمة العملية باختلاف الوعاءين، ووجدت اللغة العربية أوسع بكثير، فهناك ما يسمى بالجذب في اللغة ويمثل 80 اشتقاقا للكلمة قد يصل أحيانا الجذب الواحد إلى 240 اشتقاقا، ولا نجد أحيانا أخرى في اللغة الفرنسية الفعل، فهي تعد لغة محدودة بدليل أنهم يشتقون نحو ألفي كلمة في العام تقريبا، واعتمدت على القواميس لاستخراج الاشتقاقات الجديدة.

إذن.. ما المنهج الذي لجأت إليه لترجمة معاني القرآن الكريم؟

اعتمدت على جميع المناهج وأساليب الترجمة الممكنة، فهناك مدرسة للترجمة تلجأ للمقابل، وأخرى تترجم بالمعنى، ويوجد أيضا ترجمة بالإجمال، وقد اتخذت الأسلوب المناسب لي الذي يوضح الفكرة والعبارة والكلمة، فأحيانا لو ترجمنا بالمقابل يؤدي ذلك إلى ضياع المعنى، والمردود الخاص للترجمة في هذه الحالة ينتج عنه أخطاء في المعاني، مثل ترجمة: «آخر الأنبياء» فالمردود لها بالفرنسي، أي التركيبة اللغوية تعني «أخيب وأحط الأنبياء» ـ والعياذ بالله ـ وهذه الترجمة خاصة بأحد المستشرقين، فشكلاً تعد صحيحة، لكن موضوعا تمثل إهانة كبيرة للمسلمين، لذا لا يجب الأخذ بها دون التحقق من ماهية القاعدة اللغوية، كما لا يجوز ترجمة القرآن باللفظ أو الحرف، إنما بالمعنى في الكلمات بعيدة عن بعضها تمامًا لكن المعنى في النهاية واحد، ونلاحظ أن التراكيب كثيرة في القرآن، ويجب أن تدرس بمفردها على أيدي الفقهاء لتسهيل عملية الترجمة، ولا يهم كثرة الترجمات بقدر ما يعنينا تعريف وتوضيح الإسلام وشرح آيات القرآن باللغة الفرنسية أو أي لغة أخرى.

حدثينا عن أبرز ما رصدته من أخطاء في ترجمات بعض المستشرقين؟

أخطاء كثيرة وخطيرة من بينها ترجمة المستشرق جاك بيرك والتي حوت أخطاءً فادحة، منها «إن الصفا والمروة من شعائر الله» [البقرة: 158]؛ حيث ترجم كلمة شعائر بمعنى وضع علامات أو إشارات Reperages رغم أنها تعني المناسك الدينية ولها ما يقابلها في الفرنسية Rites.، أيضا «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي» [الأعراف: 157]، فترجمها:

En Faveur De ceux oui suivent lnvoge

Leproph éte naternel®. وتعني «النبي الأمومي» من الأمومة، كذلك {إن الله لا يخلف الميعاد} وترجمها بمعنى «إن الله لا يتخلف عن المواعيد التي ارتبط بها»

Dieu me margue pas ou Rendey-vous, وبالطبع فإن المقصود بالميعاد هو الوعد وليس الموعد.. إلى غير ذلك من الأخطاء الفادحة.

هل وصلت ترجمتك إلى أيدي من توجهت بها إليهم؟

بالتأكيد، فقد طبعت الترجمة بإشراف جمعية الدعوة العالمية الإسلامية في ليبيا، وهي جمعية جادة جدا كالأزهر، اهتمت بتوصيل العمل المترجم للشعوب المتحدثة بالفرنسية، وتتولى توزيعه ووصلت بالفعل ردود من الفرنسيين يشكرونني على هذا العمل.

بما أنك أول مصرية تترجم القرآن للفرنسية.. لماذا لم تطبع الترجمة في مصر؟

لقد عرضت الترجمة على المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وهناك من تحمسوا وشجعوني، ووعدوني بنشر الترجمة بعد أن اطلعوا عليها وأشادوا بها، لكن الأمر تعثَّر لأسباب غير معلومة.

على الرغم من أنك محجبة.. لم تتضمن مؤلفاتك كتابا واحدا عن الحجاب.. لماذا؟

لم أصدر أي كتاب عن الحجاب؛ لأنه حقيقة واقعة ومُسلَّم بها، وكل مؤلفاتي اكشف فيها عن جديد، والحجاب ليس بجديد، فأول من فرض الحجاب اليهودية وليس الإسلام، فاليهودي المتدين من حقه أن يُطلِّق زوجته لو خرجت من المنزل سافرة الشعر أو الرأس، وجاء الإسلام وعدل من وضع الحجاب ولم يفرضه، وذلك يجعل المرأة كجوهرة مكنونة يصونها ويحافظ عليها.

القاهرة ـ دار الاعلام العربية