بعد فشل الحكومات المتعاقبة، منذ الاحتلال حتى الآن، في تحقيق أي شيء يذكر للشعب العراقي، عزت حكومة المالكي، المنتهية صلاحيتها، ذلك الفشل، إلى الطريقة التوافقية، المعتمدة على الطائفية والعرقية، التي بنيت عليها الحكومات، ما أدى إلى عرقلة أعمال السلطات التنفيذية.
وهو ما دفع رئيس الوزراء المالكي، إلى الإعلان في مناسبات عدة عن فشل ما اصطلح عليه «الديمقراطية التوافقية»، وضرورة تبديلها بصيغة أخرى، هي «حكم الأغلبية»، ما أثار تساؤلات كبيرة حول هذا المفهوم أيضاً، وماذا يعني!*، هل الأغلبية الطائفية، أم السياسية، المبنية أصلاً على الأساس الطائفي!؟ وكيف تتحقق الأغلبية دون وجود وضوح فكري لدى معظم النخب السياسية، الأمر الذي دفع القائد العسكري الأميركي الجنرال ريموند اوديرنو إلى إطلاق تسمية «العرقراطية » على العملية السياسية في العراق. تنازلات الحد الأقصى ويلاحظ المراقبون السياسيون، أن المالكي، الذي ينتقد «الديمقراطية التوافقية»، من دون الإشارة طبعاً إلى أن الاحتلال هو الذي اخترع هذه «الديمقراطية»، ما كان يمكن أن يصبح رئيساً للوزراء لولاها.
بل انه، ومعه حزب الدعوة ككل، قدم أقصى التنازلات لشغل هذا المنصب، الذي اختاره له مديره السابق إبراهيم الجعفري، كمرشح تسوية، داخل الائتلاف العراقي الموحد، مقابل عدم حصول حزب الدعوة على أي منصب وزاري. ويؤكد الزبيدي أن المالكي اعتمد في «إدارة الدولة» على مجموعة مستشارين لا خبرة لهم، ما أدى إلى انتشار أوسع فساد إداري ومالي وسياسي، وتدهور البنية التحتية، وتخريب ما كان متبقياً من خدمات، إضافة إلى تدهور علاقات الحكومة العراقية مع معظم الدول العربية. وفي حوار قريب، بين القيادي في القائمة العراقية حيدر الملا، والقيادي في ائتلاف دولة القانون خالد الاسدي، سأل الملا: «خلال السنوات الأربع الماضية كانت ميزانية العراق أكثر من 300 مليار دولار.. أين ذهبت!؟»، فأجاب الاسدي: «حاربنا بها البعثيين»، ثم تساءل الملاّ باستغراب: «ومازالوا موجودين!؟».
نتائج فوق المتوقع وحسب النائب السابق ظافر العاني، إن المالكي الذي كان يطرح شعار «حكم الأغلبية»، أصيب بالصدمة عندما شعر بأن قائمة أياد علاّوي «العراقية» تتقدم على قائمته. واخذ يتصرف منذ ظهور النتائج الأولية كخاسر، ويتهم الآخرين بالتزوير، رغم انه يمسك مفاتيح الحكم. ويضيف: في الحقيقة كانت هناك عمليات تزوير، ولكن في المراحل الأولى من عمليات الفرز، قبل أن تتسلم مفوضية الانتخابات الصناديق، تحت إشراف الأمم المتحدة، وان النتائج التي أعلنت، أعطت لقائمة المالكي أكثر مما كان متوقعاً. ويرى الكاتب السياسي نعيم البصري أن هذا التوجه ينطوي على جهل سياسي مطبق، لأن أول ما يوحي به هو العودة إلى الاصطفاف الطائفي، الذي يمقته الشارع العراقي، وان قسماً كبيراً ممن انتخبوا قائمة المالكي كانوا قد صوتوا لها لرفعها شعارات ضد الطائفية.
كما انه يعني السعي إلى تشكيل «حكومة تقسيم العراق»، لأن معظم الذين صوتوا للقائمة العراقية هم من العرب السنة، وهي إضافة إلى سيطرتها على المحافظات الغربية، تمثل المكون العربي في كركوك، بعد حصولها على نصف مقاعد المحافظة «المتنازع عليها»، كما تمتلك الغالبية المطلقة من المقاعد العربية في نينوى وصلاح الدين وديالى، وهي كلها تتضمن «مناطق مختلفا عليها»، مع الجانب الكردي.
ويقول القيادي في ائتلاف دولة القانون عزت الشابندر: «الحديث عن البرنامج السياسي لا يعني شيئاُ، لان كل الكتل تطرح برامج متشابهة، أما نحن فبرنامجنا هو المالكي».
أي أن ائتلاف دولة القانون يريد شركاء معه من اجل ترجيح كفة المالكي فقط، وهذا أمر صعب المنال، إن لم يكن مستحيلا، لان التيار الصدري الذي يمثل أكثر من نصف الائتلاف الوطني يتحفظ على المالكي، كما أن الأطراف الأخرى هيأت مرشحيها المنافسين، ناهيك عن أزمة الثقة المتفاقمة، التي دفعت الائتلاف الوطني إلى الاستعانة بالأغلبية التي تمتلكها القائمة العراقية، والمطالبة بضمها إلى أي تحالف يتشكل، لأنها ستكون الطرف الضامن لإقالة أية حكومة أو كتلة لا تلتزم بتعهداتها.
من لا يملك لا يعطي
وفي الجانب الكردي، هناك مطالبة «بضمانات» من المالكي، في حال تكليفه بتشكيل الحكومة، تكاد تكون أشبه «بالفيتو»، فالمالكي لا يستطيع أن يعطي أية ضمانات، لا يملكها، لان حل المشاكل مع «الإقليم» لا يمكن أن يأتي إلا من خلال القائمة العراقية، التي أصبحت الآن هي الطرف المباشر.
وكان قياديون في التحالف الكردستاني، أعربوا عن وجود تقارب بين التحالف وأياد علاّوي، في الرؤى، إلا أنهم يعترضون على بعض الأشخاص في القائمة العراقية، وهم يقصدون بشكل خاص قيادات العراقية في الموصل وكركوك.
والى ذلك، هناك مشاكل «تحت العباءة»، بدأت تظهر في البيت الكردي، من خلال فشل مرشحي الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة جلال الطالباني في الحصول على أي مقعد في دهوك، وحصوله على مقعد واحد في أربيل، وحصول الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البارزاني على مقعدين فقط في السليمانية، فيما تبرز المشكلة الأهم في سيطرة الاتحاد الكردستاني على خمسة من المقاعد الكردية الستة في كركوك، مما يؤشر وجود انقسام كردي واضح، احتمالية نزاع كردي كردي في كركوك.
وما يسعى إليه المالكي، بتشكيل تحالف شيعي ـ شيعي، وهو أمر مستبعد، لا يجد له أي تفسير سوى تنفيذ مخطط تقسيم العراق، والدخول في موجات جديدة من العنف الطائفي والعرقي.
الحزبية تحول الفلسطينيين إلى مجتمع فسيفسائي وتعمق الكراهية
اعتبر أكاديميون وسياسيون وخبراء فلسطينيون ان الإثنية والطائفية والحزبية والقبلية من اخطر المشاكل التي تتعلق بالمنطقة العربية، وقالوا إن فلسطين من أول البلدان التي تعيش مخاطر الحزبية، فالتنظيمات تفرض نفسها على الفلسطينيين في كل تفاصيل حياتهم وان الانقسام الحزبي أدى إلى اغتراب فلسطيني في شتى النواحي السياسية والاجتماعية.
وأوضحوا ان ما تشهده الأراضي الفلسطينية يعني مزيدا من التفسخ والكراهية، حيث يميل المجتمع إلى الفسيفسائية الذي تسيطر فيه علاقات النزاع أكثر من علاقات التعايش. وأكدوا ان التفكك يحصل في هذه الأيام بداخل الأسرة الواحدة بسبب الانتماء السياسي والحزبي، واعتبروا أن الحزبية جعلت الشعب غريبا في وطنه وأن الانقسام الداخلي دمر الكثير في حياة المواطنين بالضفة الغربية وقطاع غزة.
ويصف آخرون الحزبية الضيقة والانقسام الحاصل بأنه نكبة جديدة بحد ذاتها، ولا يرى البعض أملا قريبا في علاج الحالة الراهنة بل توقعوا أن تتعقد الأزمة الفلسطينية أكثر إلى حد يرى البعض فيه ان لا سبيل للعلاج أو لجم تلك النعرات في الوقت الراهن، بل سوف يتعاظم شأنها ما دامت الأنظمة العربية عاجزة عن إيجاد حلول للانقسام.
وقالوا «اليوم وبعد 62 عاما من نكبة الشعب الفلسطيني فإن الانقلاب الدامي في غزة يعتبر نكبة بحد ذاتها، ولكن بأيد فلسطينية سببها الحزبية الضيقة».
الدكتور أسامة أبو نحل أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر بغزة يقول إن الإثنية والطائفية والقبلية والحزبية من أهم الأدران التي تعلق الآن بالمنطقة العربية؛ وإن كانت تتراوح حدتها من دولةٍ عربية إلى أخرى؛ فعلى سبيل المثال نجد أن الإثنية والطائفية تعملان الآن على تدمير بنية الكيان السياسي لبعض الدول، مثل العراق ما بعد الاحتلال الأنجلو ـ أميركي؛ متهما الولايات المتحدة بالعمل بعد احتلالها، على خلخلة المجتمع العراقي وزعزعته وجعله مجتمعا متعدد الإثنيات كالعرب والأكراد والأتراك والسريان والآشوريين، ومتعدد الطوائف المذهبية كالسنة والشيعة.
وقد نجحت فيه إلى حدٍّ بعيد حتى يومنا هذا. وعرض مثالا آخر هو لبنان التي تتعرض لخطر التشرذم الطائفي؛ نظراً لتعدد دياناتها ومذاهب سكانها، ما أدّى إلى اندلاع الحرب الأهلية بين سكانها من مسيحيين ومسلمين ودروز، فأكلت الأخضر واليابس.
وما زال لبنان معرضاً لخطر التعددية الطائفية والمذهبية. والمثال الثالث السودان الذي لايزال معرضاً لخطر التقسيم إلى دويلات بين الشمال المسلم والجنوب المتعدد الأديان.
وأوضح أبو نحل انه بالنسبة للقبلية أو العائلية ومن ثمَّ الحزبية؛ فثمة بلدان كُثر تتعرض لخطرها، مثل فلسطين واليمن؛ وانه في حالة فلسطين لوحظ أنه مع نشأة السلطة، ساعد بعض المتنفذين فيها على إحياء النعرات العائلية، فأنشأوا دائرة شؤون العشائر فعمدت بعض العائلات على تعظيم دورها في المجتمع من خلال تسلحها على حساب السلطة التنفيذية، وتسببوا في خلخلة المجتمع. ولكن نفوذ العائلية في قطاع غزة، بدأ بالانحسار كثيراً بعد سيطرة حركة حماس على القطاع.
من جهته برى المهندس منصور السعدي الناطق باسم حركة فتح بمحافظة جنين بالضفة الغربية ان المجتمع الفلسطيني بشكل خاص يعاني من التفكك والتجزئة الاجتماعية والسياسية، مشيراً إلى الحاجة الماسة للانتقال بالأمة من واقع الأوطان والجماعات والأحزاب السياسية المتناحرة إلى واقع المجتمع الواحد والتحول من مرحلة الجماعة إلى مرحلة المجتمع.
وشدد السعدي على ان ما نشهده يعتبر مزيدا من التفسخ والكراهية، حيث يميل المجتمع الفلسطيني إلى الفسيفسائي وتسيطر عليه علاقات النزاع أكثر من التعايش، إلى حد أن التفكك وصل هذه الأيام إلى داخل الأسرة الواحدة بسبب الانتماء السياسي والحزبي. والمح إلى صعوبة علاج الحالة الفلسطينية الراهنة.
وأشار إلى حقيقة شعور المواطن الفلسطيني بالاغتراب، فقال ان هناك السواد الأعظم من هم ليسوا بحزبيين أو عشائريين من الطبقات الكادحة والفقير يبقى في حالة اغتراب تحيا على الهامش قلقة مفزوعة من المستقبل وتفقد قدرتها على الإبداع.
اليوم نعيش حالة غريبة من الاغتراب وفقدان القيم وهي حالة تمكنت بها إسرائيل من هزيمة الشعب من داخله بفقدانه الثقة في القيادة وبالأحزاب بعد أن تحول المجتمع إلى طبقة حاكمة، تمتلك كل المقومات..
المال والقانون والسلطة، وطبقة أخرى هي الشعب، مهزوم وقلق وفاقد للإيمان بكل شيء. من جهتها أكدت الباحثة في الديمقراطية الدكتورة نادية أبو زاهر ان الانقسام والاقتتال الداخلي والتناقضات والخلافات السياسية أدت إلى شعور الفلسطينيين وخاصة اللاجئين بالاغتراب بكل أشكاله. والاغتراب نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة، والشك في النظام السياسي، وانعدام الثقة بحكومة الوحدة الوطنية بين حركتي حماس وفتح.
مخاوف من فوضى النزاعات القبلية والطائفية تهدد المجتمع الكويتي
بات خطر النزاعات القبلية والطائفية والإثنية جلياً وواضحاً على استقرار الكويت ونسيجها الاجتماعي، ليمثل اللغة الرئيسية في خطابات القياديين والسياسيين والشخصيات الكويتية البارزة خلال السنوات القليلة الماضية.
ولعل التحذير الذي أطلقه أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح قبل عام من الوقوع في فوضى عارمة، بسبب ما وصفه بمهالك العصبية والقبلية والطائفية التي ستؤدي إلى تنامي الخلافات والتوترات السياسية في البلاد، أبلغ دليل على ما تعانيه الساحة الكويتية من تداعيات لتلك النزعات والمخاوف المحدقة بالمجتمع.
ويؤكد أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكويت دكتور خلدون النقيب، أن الكويت مقبلة على أزمة كبيرة بسبب الفرز الطائفي والقبلي الذي تمر به حاليا، لافتا إلى أن التنظيمات الاجتماعية قادرة على تجاوز حدود القبيلة والطائفة، وبيّن أن الصورة ليست شديدة التشاؤم بل هناك بصيص أمل في مواجهة الإثنية والطائفية والقبلية السياسية، مشددا على أن الحل الأمثل يكمن في تكوين تجمعات مجتمعية شبابية تخترق حدود القبيلة والطائفة وتستطيع أن تحمي المكاسب والحقوق الدستورية.
وأوضح النقيب أن هناك مؤشرات على أن الحركات الشبابية والتنظيمات التطوعية التي تهدف إلى حماية المال العام تبشر بالخير، مشيراً إلى أنه تم رصد العديد من لجان التحقيق، منها لجان شعبية شبابية في قضايا فساد بالغة الأهمية، في خطوة تشير إلى التحرك الشبابي المضاد ضد آفات المجتمع.
بدوره قال النائب السابق عبدالله النيباري أن الحياة الديمقراطية الكويتية تعاني عدم وجود استقرار حقيقي بسبب الآفات التي تنخر جسده من طائفية وقبلية، تتضح وقت الانتخابات، مشيراً إلى أن النظام الانتخابي ساعد على تعزيز تلك الانقسامات، وأضاف «يجب أن ندفع باتجاه تطوير النظام الانتخابي بغية انتشال التجربة التعددية من الركود الذي تعيشه»، لافتاً إلى أن النظام الانتخابي وفق الدوائر الخمس خفف من الآفات الانتخابية وعلى رأسها الفرز والتحيز الفئوي، إلا أنه لم يستطع القضاء عليها.
وأكد النيباري أن النظام الانتخابي السليم عامل أساسي من عوامل نجاح الحياة الديمقراطية، منوها إلى أن الحل في النظام الانتخابي النسبي، الذي سيكون أكثر عدالة، بحيث لا يرتكز الاختيار على أساس مصلحة فئوية ضيقة، بل على أساس مصلحة الوطن والمجتمع ككل، وقال «هذا النظام يساهم في التقليل من وجود أغلبية مطلقة لفئة معينة داخل البرلمان، فكل كتلة انتخابية حسب النظام النسبي تحصل على مقاعد بقدر ما حصلت عليه من أصوات».
من جانبه قال الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية دكتور فارس الوقيان إن تقسيمة الدوائر الانتخابية في الكويت تعطي فرصة كبيرة للتأثير العائلي والقبلي في العملية الانتخابية بل تعزز الانتماء للفئوية على حساب الوطن، مشيراً إلى أن الحل الوحيد هو إيجاد بديل للنظام الانتخابي يقوم على المساواة بين أفراد الشعب، وأضاف «إن الحل يكمن في اتباع نظام الدائرة الواحدة».
وأكد أن الجو العام في الكويت سواء على مختلف المستويات أصبح يرى ضرورة تغيير التقسيمة الحالية للدوائر الانتخابية، لافتاً إلى أن المطالبة بتقليص عدد الدوائر الانتخابية من قبل كل القوى السياسية وجمعيات النفع العام تعتبر صحوة لتصحيح خطأ استمر لأعوام عديدة، وأضاف «كل الشواهد والوقائع الآن تؤكد أن التقسيمة الحالية للدوائر الانتخابية لم تؤد بالعملية الديمقراطية في هذا البلد إلا إلى مزيد من الفئوية والفرز الطائفي والقبلي».
وأوضح أن من بين الحلول للقضاء على آفات المجتمع التي أفرزها النظام الانتخابي نظام الدائرة الواحدة الذي سيجعل المتعايشين على الفرز الطائفي والقبلي يلاقون صعوبة الاستمرار في عملهم، إضافة إلى أنها ستقضي على الفساد الديمقراطي وستجعل عمليات شراء الذمم صعبة والفرعيات التي تخالف القوانين صعبة أيضاً، منوها إلى أن الاختيار على أساس طائفي أو طبقي سيتقلص وربما ينعدم.
من ناحيته قال الباحث في شؤون القبائل صالح السعيدي إنه عندما تضيع الضمانات والثقة في الحكومة تنمو القبلية والطائفية وأي إفرازات أخرى مبنية على الفئات، مشيراً إلى أن نمو تلك الفئات يأتي من شعور شخصي بأن الدولة لا تستطيع حماية أفراد تلك الفئات، وأضاف أن أي محاولة للتشكيك في مواطنة وجنسية أي مواطن كويتي ليست في مصلحة الكويت والكويتيين على الإطلاق.
وبيّن السعيدي أن الحل لا بد وأن يأتي من شعور مشترك بمدى خطورة التقسيمات الفئوية والقبلية على استقرار البلد السياسي والاجتماعي، لافتاً إلى أن هذا الشعور لا بد وأن تصاحبه إجراءات عملية تساعد على القضاء على تلك الآفات.
الصراعات العرقية تؤثر على وطنية الدولة
ا لتعدد الاجتماعي والتنوع الإثني والمذهبي سنة كونية، ويكاد لا يخلو مجتمع من المجتمعات على وجه البسيطة، منها مع فارق أن بعض المجتمعات وصلت إلى درجة من التطور والوعي الثقافي للقبول بالتعايش في ظل الاختلاف والتنوع فيما البعض الآخر من المجتمعات غارقة في صراعاتها الاجتماعية ومنها اليمن التي استفحل فيها هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة بشكل لافت للانتباه الأمر الذي بات يطرح أكثر من خيار لحل هذه الإشكالية.
حول هذه الإشكالية يقول خالد الرماح الباحث في مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية: أثبتت التجارب صعوبة حسم الصراعات الاثنية والدينية بالعنف، أو أن يفرض احد مكونات المجتمع نفسه بالقوة على الآخرين، لأن ذلك يفضي إلى ظهور حكومات تسلطية مستبدة، معتمدة على العنف والقمع لبقائها واستمرارها. وفي معرض رده على السؤال المعتاد والمكرر وهو: لماذا نجحت بعض المجتمعات في الوصول إلى صيغة مجتمعية للتعايش رغم تعدد مكوناتها الاجتماعية؟
يرى الرماح أن درجة الوعي الثقافي للمجتمع تلعب الدور الحاسم، مشيراً إلى أن الصراعات الاجتماعية سمة مشتركة تقريباً في المجتمعات غير المتعلمة التي تنتشر فيها الأمية، والتخلف الثقافي والعلمي، علاوة على أن الأكثر ثقافة وتعلما يحاولون التثبت بشكل من أشكال الهوية أو العصبية الفئوية الضيقة ما دون الهوية الوطنية أو القومية، والسبب أن الحصول على الحماية والمنافع العامة لا يزال مرتبطا بالانتماء إلى المكونات الاجتماعية الأصعب، وعدم وصول النظام السياسي، والإداري إلى درجة من النضج والمؤسسية.
ويتفاقم الصراع الاجتماعي حسب الباحث الرماح:
- عندما يكون لكل فئة اجتماعية أجندتها الخاصة ولا توجد أجندة عامة توحد الجميع، وعندما يتصرف النظام السياسي كأنه فئة اجتماعية في حد ذاته في مواجهة باقي مكونات المجتمع، وليس إطاراً عاماً يستوعب الجميع.
-الصراع الاجتماعي غالباً يرتبط بالصراع على السلطة السياسية، فنجد المجتمعات التي لم تستطع حسم الصراع على السلطة بطرق سلمية ينظمها القانون والدستور، هي الأكثر عرضة لظهور الصراعات المجتمعية.
- التمييز وعدم المساواة بين المكونات الاجتماعية في الحصول على المنافع العامة، والحماية، والمساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات، يدفع باتجاه التمايز الاجتماعي، ثم الصراع.
- عندما تقوم فلسفة النظام السياسي، وإحدى أدواته لتعزيز سيطرته على تشجيع التباينات والتمايز داخل المجتمعات إهدار موارد وإمكانات الدولة الوطنية في إدارة الصراعات الاجتماعية دوماً أو إسهاماً ما يفوق عملية التطور والتنمية.
ويخلص الرماح إلى التأكيد أن حل هذه الإشكالية تكمن في إزالة أسبابها. أما الدكتور عبدالإله الكبسي أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة تعز فيرى أنه يمكن تخفيف حدة النزاعات المذهبية والإثنية والقبلية بالقيام بمسح شامل وتوصيف وتحليل لمعرفة أسبابها ومدى إمكانية إنجاح محاصرة اثارها الاجتماعية والثقافية والسياسية ومعالجة أضرارها على النسيج الاجتماعي اليمني ويقترح حلولا أهمها كما يطرحها الكبسي:
إشاعة ثقافة التسامح داخل المؤسسات التعليمية الابتدائية وحتى الدراسات العليا وتنشئة ثقافة الانتقال الديمقراطي والحريات، والتوعية بثقافة العيش المشترك لليمن الواحد في إطار التعددية وغرس ثقافة المواطنة.
غياب الديمقراطية يؤجج التوترات الطائفية
يعبر ازدياد بروز ظاهرة الطائفية في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة عن حالة من التوتر المتصاعد لدى عدد من المجتمعات التي شهدت تنامي الظاهرة الخطيرة وظهر ذلك واضحاً في بعض الدول التي شهدت فتناً واشتباكات مسلحة مبعثها التعصب الطائفي أو العصبية الطائفية السياسية.
وعلى الرغم من إجماع بعض المحللين والمفكرين على خطورة تصاعد الظاهرة على البلدان والمجتمعات، ودق ناقوس الخطر تحذيرا من تدحرج كرة النار إلى دول أخرى، إلا ان الظاهرة أخذت في التصاعد خلال الفترة الماضية عربياً.
ولعل ما تعرض له العراق من احتلال أجنبي عام 2003 وما نتج عن ذلك كان الشرارة الأولى في المنطقة، التي أدخلت ذلك البلد في دوامة الصراعات المذهبية والعرقية، ولم تمض فترة طويلة على دخول العراق في أتون الصراعات المذهبية حتى كادت شرارة الحرب الأهلية أن تشتعل مرة أخرى في لبنان عام 2007 نتيجة الاصطفاف الحاد الذي اتخذه زعماء الطوائف بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.
ولم تقتصر خطورة الأمر على العراق ولبنان حيث شكل السودان أرضاً خصبة لتلك الظاهرة الأمر الذي أدى إلى إعادة طرح تقسيم السودان على الطاولة وعودة الاشتباكات المسلحة في الجنوب السوداني بعد مدة قصيرة جداً على انتهاء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة.
رئيس تحرير مجلة سوريا والعالم، أحمد يوسف برر السبب الأساسي لتزايد الظاهرة والتأثيرات السلبية لها،لطبيعة النظام العربي الذي يحرم المواطن من التعبير عن نفسه وفكره وكل ما يعتقد بحرية، الذي يؤدي إلى توترات في المجتمعات، وإلى غياب تنظيمات المجتمع المدني والأحزاب والتيارات الفكرية التي تستطيع التعبير عن نفسها وعن توجهات المجتمع.
وأكد يوسف أن «عدم وصول المجتمعات العربية لحالة النضج التي وصلت إليها المجتمعات الأوروبية يشكل عاملاً مهماً في تزايد التوترات الطائفية»، مشيراً إلى أن «الانتماء الوطني في المجتمعات الأوربية أصبح الغالب على أي انتماء آخر لأن كل إنسان يشعر بأنه مواطن، له كامل الحقوق وعليه كامل الواجبات. ولو كانت مجتمعاتنا ناضجة أكثر وتتمتع بحرية الرأي والأحزاب والفكر كان الأمر مختلفاً تماماً.
ورداً على سؤال حول تعرض لبنان لخطر عودة الحرب الأهلية في الأعوام الماضية على الرغم من تمتعه بقسط كبير من الحرية قال يوسف إن «لبنان يوجد فيه الكثير من الحرية، وقليل من الديمقراطية ويشكل خط تماس بين الغرب والشرق وبين مشروعين في المنطقة ولذلك تستخدم الحلقة الأضعف للولوج للمنطقة. ولتمرير هذه المشاريع من خلال إثارة القضايا الطائفية بداخله». ومشاكل لبنان جزء من مشاكل المنطقة.
وحول الوضع في العراق والسودان قال يوسف إن «الاستبداد والديكتاتورية التي كانت تميز النظام العراقي السابق أدت إلى الحالة المزرية التي وصل إليها في ذلك الوقت، والتي أوجدت مصلحة داخلية وإقليمية ودولية لإسقاط النظام العراقي آنذاك.
وبالتالي أصبح العراق أرضاً خصبة للاحتلال الأجنبي ونتج عنه ما نتج من تداعيات الآن، أما الوضع في السودان فهو لا يختلف كثيراً عن العراق ولكنه معقد أكثر بعض الشيء وان كنا الآن لا نرى هذه التعقيدات ولكن سنراها في المستقبل.
دمشق ـ أحمد كيلاني- الكويت ـ بدر سالم-غزة ـ ماهر إبراهيم - صنعاء ـ عبد الكريم سلام- بغداد ـ عراق أحمد



