يتصور الكثيرون أن ما يحدث على الساحة الدولية من حملات هجومية شعبية ورسمية ضد إسرائيل لا تأثير لها على الموقف الأميركي تجاه إسرائيل، ولا على الإعلام الأميركي الحليف لإسرائيل والمدافع عنها دوما وأبدا.
ولكن هذا التصور غير صحيح بالمرة، فالتغيرات التي تحدث على الساحة السياسية والإعلامية داخل الولايات المتحدة الأميركية بعد أحداث الاعتداء على سفن أسطول الحرية الذي كان ينقل المساعدات الإنسانية القطاع غزة تستحق المتابعة والاهتمام بجدية، وذلك لأنها تعطي مؤشرات واقعية على متغيرات جوهرية داخل المجتمع الأميركي تجاه إسرائيل، والدليل على ذلك ما يكتبه الإسرائيليون أنفسهم عن هذه المتغيرات.
مجلة أميركية
ومن هذه الكتابات مقال يهوشع سوبول في صحيفة إسرائيل اليوم (30 يونيو) تحت عنوان «القدس: المدينة التي تشتعل نارا وفي قلبها قنبلة» والذي يقول فيه: «قبل بضعة أيام دخلت في تجوالي الليلي إلى موقع المجلة الأميركية اليسارية «شوم خفُّيَُ»، وذهلت بنار العداء المتطرف لإسرائيل، والتي تشتعل في صفحاتها.
ذهلت لأن هذه المجلة الجدية لم تكن دوما مناهضة لإسرائيل. قبل أربعين سنة نددت هذه المجلة بشدة بالمقاطعة التي فرضها مجلس الجامعة العربية على إسرائيل، وكشفت النقاب عن الحقيقة المخجلة في أنه بين 1965 و1977 خضعت أكثر من ألف شركة أميركية للمقاطعة العربية وقاطعت إسرائيل.
ومع أن مثل هذه المقاطعة التجارية كانت تتعارض والقانون الأميركي، إلا أن الإدارة غضت النظر عن الظاهرة والمجلة الأميركية نددت بها جدا». ويواصل يهوشع قائلاً «ها هي الآن، ذات المجلة تروج بحماسة لمقاطعة ثقافية، اقتصادية وعلمية على إسرائيل، التي تتهمها بسلسلة طويلة من جرائم الحرب. وعلى معظم المقالات المناهضة لإسرائيل في المجلة يوقع كتاب ذوو أسماء يهودية».
صدمة وحسرة
ويعبر الكاتب الإسرائيلي عن حسرته وألمه الشديد لهذه التغيرات في الإعلام الأميركي قائلاً «قرأت هذه المواد التحريضية، وفجأة انتابني الإحساس بأن المقالات هي قنابل صدمة وغاز مسيل للدموع، والكتاب هم شرطة يلبسون البزات ويعتمرون الطاسات، وكلماتهم هي رصاص مطاطي يطلق نحوي، وإصابتهم سيئة وأليمة.
وإذا كنت قد شعرت ذات مرة وكأني في بيتي بين صفحات المجلة الأميركية، فإني أشعر وكأن كتاب هذه المجلة فجأة انقضوا عليّ بعنفهم وألقوا بي بفظاظة إلى الخارج بينما يلوحون ضدي بمشاعلهم ويهتفون نحوي.. ليتك تحرق!».
ويواصل يهوشع التعبير عن حسرته قائلاً «هربت طالما بقيت لي روح من الموقع الأميركي المحروق إلى مواقع إسرائيلية كي أشعر وكأني في بيتي. واستقبلتني شرطة حرس الحدود، بالبزات وبالطاسات، وهم يطلقون قنابل الغاز والعيارات المطاطية على مواطنين فلسطينيين من سكان القدس ممن يحاولون منع طرد عائلات فلسطينية من بيت العسل في سلوان لإخلائه للمستوطنين، واستقبلتني صور مواطنين فلسطينيين يهتفون بالمرارة في محكمة إسرائيلية تصادق على هدم 22 منزلا في حي الشيخ جراح وطرد سكانها إلى مهب الريح كي تقام هناك حديقة أثرية».
الفرج من غزة
رغم هذا البكاء والأسى على الموقف الأميركي المتراجع تجاه إسرائيل فإن هناك من يرى خلاف ذلك، ويرى أن ما حدث في الاعتداء على أسطول الحرية إنما يخدم الموقف الإسرائيلي في واشنطن وربما يدفع العلاقات الأميركية الإسرائيلية للخروج من أزماتها، والغريب أن هذا الرأي المناقض منشور في نفس الصحيفة التي ورد فيها مقال الكاتب يهوشع وفي نفس اليوم، حيث كتب الكاتب الإسرائيلي زلمان شوفال تحت عنوان «متفائل قبيل لقاء أوباما ونتانياهو» يقول:
«من غزة سيأتي الفرج ـ هكذا قد نصف تأثير قضية الأسطول إلى غزة على الوضع الحالي للعلاقات الإسرائيلية ـ الأميركية، حيث أثبتت هذه المسألة بأنه رغم الخلافات التي تقع بين أميركا وإسرائيل فإن العلاقات الخاصة بينهما مستقرة، وأن واشنطن تدافع عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في وجه نوايا منظمي الأسطول، كما أن الرأي العام في الولايات المتحدة يميل في معظمه لصالح إسرائيل في هذا الموضوع، فيما أن سلوك تركيا يحظى بانتقاد سلبي متعاظم، بما في ذلك في وسائل الإعلام».
ويرى الكاتب شوفال أن حكومة نتانياهو بذلت جهودا معقولة من أجل كسب رضا الإدارة الأميركية وعدم وضع الرئيس الأميركي أوباما في موقف حرج أمام العرب وغيرهم، حيث يقول «ما قامت به الحكومة الإسرائيلية من تجميد مؤقت للبناء في المستوطنات والتواضع في البناء في القدس، إلى جانب موافقة إسرائيل على محادثات التقارب، سحبت، مؤقتا على الأقل، الشوكة من خلافات الرأي بين واشنطن وتل أبيب في المسائل الأساسية مثل القدس، الحدود وطبيعة الكيان الفلسطيني الذي تود واشنطن أن تدفع إقامته إلى الأمام».
د. مغازي البدراوي
