للمرة الرابعة، في أقل من سنتين، تنعقد قمة العشرين للتداول في شأن الأزمة المالية العالمية وتداعياتها؛ من دون القدرة على مغادرة المربع الأول، لناحية التخلص من ذيولها.
والأهم، لناحية اجتثاث أسبابها والحيلولة، بالتالي، دون تكرارها. نفس المقاربة والدوران، في البحث عن المخارج من الذيول. وحتى في هذا المجال، بقيت الخلافات قائمة. بل هي اليوم، أكثر مما كانت عليه في القمم الثلاث السابقة. الفارق، في هذه القمة؛ أن الأجواء كانت أكثر استرخاء، في ضوء انحسار الضغوط الساخنة؛ التي سادت الاجتماعات السابقة.
شبح الانهيارات تراجع. وخطر الوقوع في حالة كساد عالمي مديد، غاب عن أفق الأزمة. لكن ذلك لا يعني أن الأوضاع خرجت تماماً من النفق. حتى رئيس صندوق النقد الدولي، دومينيك ستراوس؛ لا يستبعد حدوث هبوط جديد؛ ولو أن احتمال ذلك «ضئيل»، على حدّ تعبيره. كما ليس هناك، في صفوف القيادات والمسئولين؛ من بإمكانه الجزم بأن الاقتصاد العالمي تعافى وأن الاقتصادات دخلت طور النمو. خاصة في أوروبا. بل في أي مكان آخر، ما عدا الساحة الصينية التي لها خصائصها وعوامل قوتها المعروفة.
الاقتصاد الأميركي، ربما طلع من دائرة الخطر. لكن عودة النمو إليه، ما زالت مهدّدة. في أحسن الأحوال، غير مستقرة. تصريحات المسئولين، من وزير المالية إلى حاكم المصرف المركزي؛ تشي بذلك. وإذا كانت التباينات كبيرة، بخصوص كيفية استعادة الانتعاش الاقتصادي؛ فإنها تبدو أكبر بشأن الإصلاحات المالية. حتى في البلد الواحد، مثل الولايات المتحدة. الأمر الذي يعيد التذكير بتحذيرات عدد من الخبراء والأكاديميين وحتى من المسئولين السابقين، بأن العجز عن التصدّي لجذور الأزمة وطمر الرأس في الرمل؛ محكوم بإعادة إنتاجها، آجلاً أم عاجلاً.
المحاور الرئيسية التي استأثرت بمحادثات القمة، كانت هامة وأساسية؛ في مواجهة تداعيات الأزمة. العجز في الموازنات، كذلك مسألة الديون العامة وعقاقير التحفيز والإنفاق وتدابير التقشف، فضلاً عن الملف المالي وما يتصل به من مقترحات بشأن الضوابط والضرائب على المصارف. لكن المداولات بشأنها، كانت كلها من صنف الدوران في حلقة مفرغة. وكان قد سبق وجرى النقاش حولها باستفاضة، في القمم السابقة. لكن من غير توافق. اختلاف المقاربات بخصوصها، ازداد الآن.
في البداية كانت حولها تحفظات وتخوفات. اليوم، صار كل طرف متشبث بسياسته. الرئيس أوباما خاض شبه حملة، مع وزير ماليته، في القمة؛ للدفع بنظريته القائمة على ضرورة الاستمرار في التحفيز وزيادة الإنفاق، ولو أدّى ذلك إلى زيادة المديونية العامة بسبب زيادة الاقتراض.
التعليل، أن ذلك، من شأنه تنشيط الدورة الاقتصادية وبالتالي محاربة البطالة ، مع ما يرافقه من استرجاع العافية للنمو الاقتصادي فتعاظم إيرادات الخزينة بحيث تصبح قادرة على تسديد يدونها. الأوروبيون على النقيض. ارتفاع منسوب الديون، التي باتت توازي 6% من إجمالي الإنتاج المحلي ؟ تجاوزت المسموح به، 3، حسب القاعدة المعتمدة في الاتحاد الأوروبي ـ ـ ؛ بات الهمّ الأكبر لديهم. تجاوز يرون فيه تهديداً للنمو المرغوب وسبيلاً، بالتالي، لتمادي الركود وتعميقه.
عكس ما تراه واشنطن. وإذا كان الخلاف حول هذه النقطة صارخاً، فإن الخلافات الأخرى لا تقل شأناً؛ وإن جرى تغليفها بتخريجات تحجبها في الظاهر. في بيان القمة أن المؤتمرين تلاقوا على وجوب خفض العجز في موازناتهم، خلال ثلاث سنوات؛ واستطراداً وقف تزايد المديونية العامة. لكنه توافق بلا أسنان، إذ لا إلزام به.
صحيح أنهم حدّدوا ولأول مرة، جدولاً زمنياً لهذه الخطوة. إلاّ أنه، عملياً، جدول على الورق. وهكذا حال موضوع الضريبة على المصارف. بعد نقاش حوله، طغت عليه الخلافات، تمّ ترحيله إلى قمة سيؤل، في نوفمبر القادم. عنوان لتأجيل مفتوح. ومثله وأكثر، ملف أنظمة الضبط المطلوب اعتمادها على المؤسسات المالية.
القناعة في أوساط المراقبين، أن المصارف، خاصة الكبرى، ستبقى سنوات بمنأى عن تطبيق قواعد الضبط ، بخصوص رأسمالها وسيولتها. من هذه القواعد المطروحة، في أميركا مثلاً؛ تقليص عمليات المجازفة والمضاربة؛ التي تقوم بها البنوك، من خلال منعها من استثمار أكثر من 3% من رأسمالها العالي النوعية، في صناديق التحوّط وصناديق الملكية الخاصة.
لكن هذه كلها مع القيود المطلوبة على ما يسمى بالمشتقات؛ جرى تخفيفها أو تمييعها في الكونغرس الأميركي، بحيث طلع مشروع أوباما بخصوصها، مشوباً بالفجوات التي تسهل الالتفاف عليها.
وفي كل حال، ليس هناك ما يضمن عودة الكونغرس عنها في وقت لاحق. خاصة وأن لوبي المصارف النافذ، لن يهدأ قبل تحريك دولاب مثل هذه العودة. ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى استعداد الكونغرس لفرض قيود أشدّ على المصارف العملاقة؛ إذا ما تمادت في مجازفاتها. في غياب لجمها يرى الخبراء ان وقوع كارثة اخرى يبقى مسألة وقت.
فكتور شلهوب
