«صفعة على الوجه».. هو التعبير الذي استخدمه الكاتب الأميركي «ألكسندر كوبيرن» في مقال نشرته مجلة «ذي نيشن» في عددها الصادر في منتصف يونيه الحالي.. أما الوجه فهو وجه إسرائيل وبالذات حكومة الليكود التي تسامع العالم في الآونة الأخيرة بسلوكياتها المبنية على أساس العداء العنصري المقيت، ناهيك بالإرهاب السافر المفضوح، وخاصة ضد جماعات من الناشطين الأتراك الذين اختاروا التعبير عن تضامنهم الإنساني، عبر سفن مدنية سارت في مياه المتوسط مع منكوبي غزة المحاصرين.
أما اليد التي وجهت هذه الصفعة فينسبها الكاتب الأميركي إلى مجموعة من كبار الفنانين وأمهر الموسيقيين العازفين على مستوى العالم كله، وتضم أسماء لنجوم من قبيل «ألفيس كونستييو وكارلوس سانتانا وغيل سكوت هيرون» وقد أجمعوا بغير استثناء على رفض زيارة الكيان الصهيوني وعدم تقديم أعمالهم الفنية الرفيعة على صعيده.
وعلى وجه من التحديد فقد كتب الفنان الكبير «كوستييو» على موقعه الالكتروني رسالة تقول سطورها ما يلي:
- تأتي عليك أحيان من الدهر يكون فيها مجرد إضافة اسمك إلى برنامج حفلة موسيقية أمرا يمكن تفسيره على أنه تصرف سياسي.. وهنا قد يسود الافتراض بأن المرء (الفنان) لم يعد يكترث في قليل أو كثير بآلام الأبرياء.
صفعة ثانية
أما الصفعة الثانية.. فيمكن أن يصدق عليها وصف «الصفعة المرتدة».. بمعنى أن إسرائيل قد أساءت بها إلى سمعتها وهي الحريصة سواء في دواخلها بالشرق الأوسط أو على صعيد العالم الخارجي وخاصة أميركا، على محاولات تبييض هذه السمعة بل والمبادرة الفورية أحيانا إلى ترميم واحتواء ما يوجه إليها من اتهامات.
في هذا السياق بالذات تتعرض مجلة «ذي نيشن» في المقال الذي نحيل إليه إلى جلافة وشراسة السلوك الإسرائيلي في التعامل مع البروفيسور «نعوم شومسكي».
هنا أيضا، وفي تهكم بليغ، يقول الكاتب الأميركي ألكسندر كوكبيرن:
- ها أنت أمام زائر يطرق عليك الباب: هو أشهر مفكر يهودي على ظهر هذا الكوكب.. اسمه شومسكي، ويسعى إلى دخول الضفة الغربية عبر جسر اللنبي من الأردن.. صحيح أن الأستاذ شومسكي يوجه انتقاداته إلى الحصار المفروض والى العقوبات المفروضة (على الفلسطينيين) .
ولكنه جاء ليلقي سلسلة محاضرات مرتبة سلفا في جامعة «بير زيت» قرب رام الله حيث ينزل ضيفا على «مصطفى البرغوثي» وهو من القيادات الفلسطينية العاملة من أجل نبذ العنف وإقرار حقوق الإنسان.. وكان مقررا أن يجتمع شومسكي إلى «سلام فياض» (رئيس وزراء السلطة الفلسطينية) الذي طالما أراد بنيامين نتنياهو أن يعقد معه مفاوضات مباشرة.
رام الله ليست إسرائيل
- ماذا عساك فاعل إذن؟
يوجه الأستاذ كوكبيرن سؤاله إلى إسرائيل ثم يواصل تحليله قائلا:
- الذي حدث هو أن أمسك مندوب الداخلية الإسرائيلية جواز سفر البروفيسور الأميركي الزائر وطبع عليه خاتم «ممنوع الدخول».
بعدها دوت أصداء النبأ في أرجاء العالم كله. بيد أن الكاتب كوكبيرن لا يلبث ينبّه قارئيه إلى خطأ في سرد الحكاية وهو خطأ ظل يصاحب النبأ الذي أذاعته وكالة الأسوشيتدبرس بالنص التالي:
- صرح مسؤول إسرائيلي بأن الأكاديمي والناشط نعوم شومسكي، وهو ناقد بالغ العداء لإسرائيل قد منع من دخول البلاد.
لقد جاء هذا الخبر نقلا عن الميديا الإسرائيلية (هاآراتس مثلا ) التي ذكرت بدورها أن شومسكي مُنع من الدخول إلى إسرائيل.
لكن مقالة الكاتب الأميركي الذي نحن بصددها تؤكد أن هذا كله كان غير صحيح.. كيف؟
لأن الصحيح أن شومسكي منع أصلا من دخول رام الله وليس إسرائيل.. وهذا التمييز الدقيق يسلط الضوء على أمور شتى كما يقول الكاتب المذكور من بينها ببساطة، أو على بلاطة كما يقولون حقيقة دامغة بقدر ما أنها مؤلمة وهي:
- أن إسرائيل تسيطر على الحدود المفضية إلى المناطق الفلسطينية المحتلة.
وانطلاقا من هذه الحقيقة يعلق الصحفي الإسرائيلي المخضرم يوري افنيري قائلا:
- أي جسارة تلك التي تحول بين طلاب بيرزيت الفلسطينيين وبين سماع أستاذ محاضر اختاروه بأنفسهم؟!.. وماذا يعني مثل هذا السلوك في ضوء ما يقول به نتنياهو بشأن «دولتين لشعبين».. وبالتالي ( يتساءل افنيري أيضا ) ماذا عساها تكون نوعية دولة فلسطينية مفترضة إذا ما ظلت إسرائيل هي التي تبّت في أمر مَنْ يدخل إلى أراضي تلك الدولة (الفلسطينية) ومن يحرم من هذا الدخول؟
السيطرة على الحدود
وهنا أيضا تعود المجلة الأميركية إلى تناول قضية السيطرة على الحدود، وهي قضية تعّد من خصائص سيادة الدولة، أي دولة على نحو ما تقضي به أحكام القانون الدولي.. ومن ثم تعلق «ذي نيشن» على هذه السيطرة الإسرائيلية على حدود الضفة قائلة:
- إن السيطرة على الحدود ما برحت تشكل حقيقة دائمة ينشغل بها دعاة وأنصار حقوق الإنسان في العالم، ومعهم أيضا ناشطو السلام والقادة السياسيون.. لكنها على مستوى الداخل (الفلسطيني) تمثل حقيقة الإهانة اليومية بالنسبة للفلسطينيين وأقربائهم.
ماذا عن غزة بدورها؟
تجيب المجلة الأميركية قائلة في نفس السياق:
- إنها أقرب إلى سجن كبير محاصر ضمن حدود خاضعة للسيطرة (الإسرائيلية) من البر والبحر حيث يتم التفتيش باستمرار على الإمدادات الحيوية اللازمة لجموع الفلسطينيين.
لا عجب إذن أن تختار «ذي نيشن» عبارة لها دلالة لا تخفى عنوانا لمقالها المنشور.. وهي:
- إسرائيل تغوص في غياهب الظلمات.
ولتفسير هذا العنوان يحيل الكاتب الأميركي إلى مفكر إسرائيلي آخر هو جدعون ليفي الذي أدلى بحديث صحفي قال فيه:
- إن العام الماضي ظل بطوله يشهد تصدعات أصابت النظام الديمقراطي في إسرائيل..
وهي تصدعات منتظمة.. متواصلة وليست ظواهر متقطعة قد تظهر هنا أو هناك.. فعندما تريد الأحزاب اليمينية تقديم هذا السيل من مشاريع القوانين المعادية للديمقراطية، وعندما تنهال الدعوات من هنا وهناك من أجل نزع الشرعية عن جماعات (سياسية) معينة.. ثم عندما يتدثر هذا كله بغطاء سميك من الصمت.. فحينئذ نقول أن الحالة (في إسرائيل) قد أصبحت أكثر من ميئوس منها.
دعوة لتحرير غزة
ولقد نشرت «ذي نيشن» مقالها الذي عرضنا له في منتصف يونيه.. لكنها عمدت في عددها التالي مباشرة (عدد 21 من الشهر نفسه) إلى نشر افتتاحية تمثل هذه المرة رأي المجلة الأميركية ومن منظور إطلالتها على ما يجري في الشرق الأوسط، وعلى صعيد الساحة الفلسطينية بالذات.. وعنوان الافتتاحية يغني عن أي تعليق وهو:
- حرروا غزة.
تبدأ سطورها بالإشارة إلى أن غارة القوات الصهيونية الخاصة على سفن وناشطي أسطول الحرية جاءت بمثابة صدمة على مستويات شتى.. لاسيما وقد تمت هذه الغارة الإسرائيلية في المياه الإقليمية للبحر الأبيض المتوسط.. ناهيك عن أن أسطول الحرية الذي رفع شعار إنقاذ غزة المجاهدة المحاصرة والتضامن مع شعبها الصامد المناضل بالفعل وليس بالشعار، وبالعمل وليس بالشجب وعبارات التنديد ؟
هذا الأسطول حمل على متنه (كما أكدت المجلة الأميركية في افتتاحيتها المسهبة ) برلمانيين من دول مختلفة وشخصية رفيعة يحمل صاحبها جائزة نوبل العالمية واثنين من دبلوماسيي الولايات المتحدة ذاتها.
وقبل أن تحيل المجلة الأميركية إلى مصادر تركية أو عربية أو حتى المصادر الفلسطينية المكتوية مباشرة بجمر الاحتلال العنصري الإرهابي فقد شاءت أن تحيل إلى مطبوعة هاآرتس الإسرائيلية التي كتبت تقول:
- إن الإهمال (بمعنى عدم الاكتراث) الذي تبّدى من جانب صانعي القرار في إسرائيل بات يهدد أمن الإسرائيليين و(يشوه) صورة إسرائيل في طول العالم وعرضه.
عن حصار غزة
ومرة أخرى تعلق الافتتاحية الأميركية بأن هجوم إسرائيل (المسلح) على سفن وركاب أسطول الحرية جاء بوصفه ذروة لسنوات أربع من السياسة الفاشلة (في تل أبيب) تم على أساسها فرض حصار على سكان غزة بأكملها مما كان له أثر مّمر على هؤلاء السكان الذين تفيد وكالات منظومة الأمم المتحدة بأن أكثر من 60 في المائة منهم يواجهون شبح انعدام الأمن الغذائي، بعد أن انهارت دعائم الاقتصاد الرسمي في طول القطاع وعرضه، ومن ثم باتت نسبة 80 في المائة يعتمدون على وكالات الإغاثة الدولية لمجرد البقاء الكفافي على قيد الحياة..
فما بالك ومازال هذا الحصار الإسرائيلي المفروض يحول دون أي إصلاح للمرافق الأساسية والهياكل الحيوية في غزة، وفي مقدمتها هياكل إنتاج الأغذية وتخزين المؤن والإمدادات الحيوية وإصلاح مرافق مياه الشرب.. بعد أن تعرضت جميعها للتدمير خلال الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي شهدته الفترة 2008 - 2009.
والحاصل أنه بحكم الصلة العضوية، أو شبه العضوية، بين مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين (إسرائيل) وبين الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة ؟ بكل آلياتها وديناميتها وفي مقدمتها جماعات المصالح وتكوينات الضغوط التي تحمل اسم اللوبي هذه الصلة العضوية هي التي مازالت تنقل أزمة السلوك المبني على العنصرية والعنف والتوسع الإقليمي وإرهاب الدولة المنظم كي تنعكس على جوانب سلبية آلت إليها أحوال ما سبق الى وصفه كاتب أميركي آخر هو «بيتر باينار» بأنه المؤسسة اليهودية الأميركية.. وذلك في دراسته المفصلة التي أحلنا إليها في مبحث سبق في هذه الزاوية بالذات.
المؤسسة تتعثر
أخيرا يذهب الباحث الأميركي باينار إلى أن المؤسسة اليهودية بالولايات المتحدة تتعثر خطاها بعد أن شحبت وتضاءلت مقولاتها وشعاراتها بشأن حقوق الإنسان، وشعارات المواطنة المتكافئة والتوافق والتراضي بين الأطراف بالنسبة للأراضي (الفلسطينية والإسرائيلية). وفي كل حال فالباحث العربي يتأمل هذه السطور، ما لها وما عليها..
وبديهي أن لا تتباين رؤيته وآراؤه مع بعض ما جاء في مضمونها.. لكنها في النهاية تمثل، فيما نتصور، شذرات وجزئيات أقرب إلى الظلال ونقاط الضوء والرتوش التي يمكن مع تجميعها بدقة وصبر وأناة وموضوعية أن تشكل صورة متكاملة أو شبه متكاملة، سواء أمام المثقف العربي أو صانع القرار العربي.. كي يدرك هذا أو ذاك أن الطرف الآخر من الصراع العربي - الصهيوني والنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، لم يعد يشكل كيانا جامدا بل هو كيان تعتريه في الداخل وفي الخارج شتى المتغيرات.
متغيرات ينبغي رصدها
أصبح من الأهمية بمكان رصد المتغيرات التي باتت تعتري المقولات المطروحة في إسرائيل وكذلك بين صفوف مؤيديها والمدافعين عنها في الولايات المتحدة على وجه الخصوص ، وهي متغيرات سبق إلى طرحها على طاولة الدرس والتحليل مفكرون وكتاب في أميركا وإسرائيل ذاتها وخاصة في ضوء ذلك التباين أو هي الهوة المتسعة باطراد بين القائلين بالأفكار الكلاسيكية أو المكررة بشأن الهولوكوست والاضطهاد التاريخي لليهود والتماس الوطن القومي.
وبين ما هو ظاهر بجلاء حاليا يجسده سلوكيات إسرائيل التي باتت تتصف بعنجهية العنصرية وإرهابية الدولة والاستعلاء العدواني من جانب القيادات الحاكمة على نحو ما تبدّى بوضوح جليّ سواء في أحداث العدوان والحصار على غزة أو في الهجوم المسلح الذي شنته القوات الصهيونية الخاصة على أسطول الحرية الذي كان على متنه قيادات ناشطة وشخصيات رفيعة تحمل كلها رسالة سلام وتضامن.
وقد بلغ الأمر إلى حد القرار برفض دخول أكبر مفكر يهودي هو البروفيسور الأميركي المعروف ناعوم شومسكي الذي كان مقررا أن يحاضر طلاب وأساتذة جامعة «بير زيت» بالضفة الغربية بناء على دعوة تلقاها من مثقفي فلسطين من دعاة نبذ العنف وإقرار حقوق الإنسان.
محمد الخولي
