حبر سري.. هويات مزيفة.. شفرات سرية.. واعتقالات قامت بها واشنطن في الآونة الأخيرة لأشخاص تشتبه بأنهم جواسيس يعملون لحساب روسيا ما ينذر بأن حرب الجواسيس السرية بين القوتين العالميتين لم تنته بعد رغم مرور عقدين على انتهاء الحرب الباردة.

ويعيد الجدل الأخير بين روسيا وأميركا بشأن التجسس الأذهان للوهلة الأولى إلى الحرب الباردة التي كانت تتوالى أحداثها على خلفية هادئة بشكل مخادع من مقاه وسفارات وضواحي مدن.

وتدخلت تكنولوجيا عصر الانترنت في القرن الواحد والعشرين لتكون التفاصيل التي احتوت عليها أوراق القضية التي رفعت في نيويورك سلسلة من الألغاز حول المصادر والأهداف والأسماء تفوح منها رائحة فضائح التجسس في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

لكن وبغض النظر عن حقيقة الأشخاص الذين ألقت الولايات المتحدة القبض عليهم بتهمة التجسس لصالح روسيا، فإن محللين يرون أن القضية تظهر حقيقة ثابتة عن العلاقات بين القوى العالمية.

فسواء كانت هناك حرب باردة أم لا، فإن صائدي الجواسيس أمامهم الكثير من العمل في عالم سري يعتمد على الخداع. ويرى مراقبون في الغرب أنه لن يكون هناك شك على الإطلاق بشأن الحالة المزاجية لقادة قادة الاستخبارات الروسية بعد إعلان السلطات الأميركية اكتشافها شبكة تجسس كبيرة.

وقال أوليج جورديفسكي وهو عميل بريطاني مزدوج سابق وعقيد سابق في وكالة الاستخبارات الروسية: «سيكونون غاضبين في موسكو». وأفاد أن روسيا «لديها عشرات الجواسيس غير الرسميين الذين يعملون في الولايات المتحدة».

وقال إنه وبمضي الأعوام، «أصبحت موسكو تؤمن بأن هؤلاء الجواسيس لن يكتشف أمرهم وظلت ترسل أعدادا كبيرة منهم ليس فقط إلى الولايات المتحدة ولكن إلى دول غربية أخرى مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا».

وأضاف: «هذه قضية تقول فيها الولايات المتحدة لروسيا ببساطة إننا تحملنا نشاطاتكم في بلدنا لمدة عشرين عاما ونحن نقول الآن إننا نراقبكم وسنتحرك ما لم تتوقفوا».

وقال روبرت أيرز وهو ضابط سابق في الاستخبارات الأميركية: «حجم المعلومات التي حصلنا عليها وتلك التي اختلقها مكتب التحقيقات الاتحادي.. سيكون هذا هو ما يفكرون فيه في موسكو». وقال أيرز إن ما كشفت عنه الولايات المتحدة أدى إلى «قيام قيادة التجسس في موسكو بتقدير عميق للأضرار».

وأضاف أن قادة التجسس الروس سيسألون أنفسهم أيضا: «إذا كانت هذه الشبكة قد تمكنت بالفعل من الحصول على معلومات سرية فهل سيقرر مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي الكشف عن هذا أمام محكمة مفتوحة؟» وذكر أيرز أن من المرجح أن يركز بعض الانتباه على المصادر التي حاول الجواسيس الوصول إليها.

وقال إنه أمر «يتعين مراقبته لأن مثل هؤلاء الأشخاص يتكلمون عن الوقت الذي قضوه في الخدمة». وأردف: «لا يوجد من يمكنه المبالغة أكثر من المسؤول السابق. إنهم مزهوون بأنفسهم كثيراً». وتشير أوراق المحكمة إلى أن الشبكة كانت تحت المراقبة منذ أعوام.

وأفادت أوراق للمحكمة نشرت على الانترنت بأن أحد المشتبه بهم سأل في اجتماع في مقهى في نيويورك مع ضابط في مكتب التحقيقات الاتحادي ادعى أنه روسي: «هل أنت متأكد أنه لا يوجد من يراقبنا؟» ووفقاً للأوراق.

فإن رسالة روسية مشفرة أفادت بأن الهدف الرئيسي لأفراد المجموعة هو أن «يصبحوا أميركيين بما يكفي ليجعلهم قادرين على جمع معلومات عن الولايات المتحدة لصالح روسيا والنجاح في تجنيد مصادر إما في دوائر صنع السياسة في أمريكا أو تكون قادرة على اختراقها».

وتصف السلطات الأميركية أفراد الشبكة بأنهم «خارجون على القانون ينفذون أوامر وكالة إس في إر الروسية وهو وصف خاص بالاستخبارات للجواسيس الذي يعيشون بهويات مزيفة على عكس الضباط الذين يستخدمون صفة دبلوماسية أو غطاء شرعيا».

وكان بوريس سولوماتين أحد أنجح مسؤولي الاستخبارات في الاتحاد السوفيتي السابق قال ذات مرة في مقابلة نادرة معه إن التجسس بين الولايات المتحدة وروسيا «لن ينتهي أبدا» لكنه قال إنه «يجب أن يصبح أقل حدة في فترة ما بعد الحرب الباردة وقد يصبح كذلك».