الجزائر هي صاحبة المرتبة العاشرة بين بلدان العالم من حيث المساحة. وتنتمي، في الوقت نفسه، إلى العالم العربي وإفريقيا وحوض البحر المتوسّط. وقد تعاقب عليها أكثر من مستعمر، كان آخرهم الاستعمار الفرنسي، الذي استمر قرابة 133 سنة. وكان استعماراً مدمّراً وبربرياً.
في البداية يقدّم مؤلف هذا الكتاب توصيفاً للتطورات التي شهدتها الجزائر منذ حصولها على الاستقلال عام 1962، ويبيّن أنها تواجه تقريباً نفس الأوضاع القائمة في معظم البلدان العربية، وأنه يمكن توصيفها، باستمرار، كإحدى الدول النامية، وأنها لم تستطع إرساء قواعد ثابتة لاقتصاد قوي ومتنوّع، كي تتحرر تدريجياً من التبعية حيال الاقتصاد القائم على دخل مصادر الطاقة.:خسائر هائلة:ويؤكّد المؤلف أن الجزائر قد خسرت مبالغ هائلة خلال السنوات الأخيرة. ذلك أن أسعار مواد الطاقة التي تصدّرها يتم حسابها بالدولار الأميركي بينما تستورد نحو 60 بالمائة من وارداتها من الاتحاد الأوروبي، خاصّة من بلدان منطقة اليورو.وبالتالي أدّى الانخفاض في سعر العملة الأميركية إلى خسارة كبيرة في أسعار الصرف بين الدولار واليورو. وكان للأزمة المالية العالمية، التي انطلقت من الولايات المتحدة في خريف عام 2008، والانحسار الاقتصادي الذي ترتب على ذلك، الأثر الكبير في الاقتصاد الجزائري، كما على بقية بلدان العالم.
ويؤكد المؤلف أن التحديات التي تواجهها الجزائر كبيرة، لكنها ليست مستعصية على الحل. وهناك عوامل عدة فعلت فعلها في الجزائر منذ الاستقلال، وظلّت آثارها قائمة حتى اليوم. لكن الأوضاع اختلفت الآن، كما يشير المؤلف، حيث تبنّت الدولة بحزم كبير التوجّه نحو اقتصاد السوق، في محاولة للاستجابة لمتطلبات العولمة على الصعيد الداخلي والخارجي.
وهي تجد العون في توجهها على السعر المرتفع لمصادر الطاقة، من أجل العمل على بناء اقتصاد جديد قائم على مبدأ تنويع مصادر دخل البلاد، وليس على البترول والغاز فقط.
معضلتا نقص المياه والتصحّر
يرى المؤلف أن هناك سبيلين حاسمين وحيويين بالنسبة لمستقبل الجزائر، وهما سيطرتها على مشكلتي نقص المياه وزيادة التصحر الزاحف، من جهة، وتحديد استراتيجية للتنمية، من جهة أخرى.
وهاتان المشكلتان خطيرتان جداً من حيث أثرهما المباشر في النشاطات الاقتصادية، وبالتالي في توزيع السكان في الجزائر، وفي الاستقرار الاجتماعي. ولا يتردد المؤلف في القول، إن المسائل المتعلّقة بالمياه تعتبر حاسمة بالنسبة للمستقبل في الجزائر.
وفي مواجهة فترة الجفاف، التي عرفتها الجزائر بين عامي 2002 و2003، برز احتمال إمكانية استيراد المياه من أجل سدّ حاجات المواطنين. ودفعت الخشية من حدوث بلبلة في النظام العام الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة إلى التحرّك وتنفيذ استراتيجية جديدة، ودعمها بمبالغ مالية كبيرة.
هكذا تأخذ القضايا الخاصّة بالمياه حصّة كبيرة من ال144 مليار دولار، المكرّسة لبرنامج الخطة الخمسية للتنمية. وبفضل هذه الاستراتيجية الجديدة تمّ الشروع في تنفيذ دراسات كانت معدّة سابقاً، لكن دون ميزانيات، كما جرى العمل على إنجاز دراسات جديدة.
وشهد عام 2005 بناء 5 سدود كبيرة و16 سداً صغيراً بحيث بلغ عدد السدود المستثمرة، في عام 2008، 69 سدّاً. وكانت أغلبية السدود حتى عام 2000 تعود إلى الحقبة الاستعمارية. هذا وبلغت زيادة كميّة المياه المجمّعة بعد ذلك التاريخ نحو 2 .2 مليارمتر مكعّب، أي بزيادة تبلغ نسبتها 50 بالمائة تقريباً.
وتتمثل إحدى ميزات الاستراتيجية الجديدة في تبنّيها نهائياً للمرّة الأولى خيار تحلية مياه البحر. وهذا يعود، بالدرجة الأولى، إلى الأخذ بعين الاعتبار واقع أن البلاد شبه قاحلة، وأن دورات الجفاف تتواتر بإيقاع أكبر، خلال الفترة الأخيرة.
وفي فترات الجفاف ينخفض الإنتاج الزراعي كثيراً، وتعاني قطاعات الصناعة والخدمات والمواطنين من الانقطاع الكبير، والطويل، للتيار الكهربائي.
وفي السياق نفسه، تولي الجزائر الاهتمام لتعبئة مختلف الموارد المائية الممكنة لمعالجة المياه المستعملة. ومن المفروض أن يكون عام 2009 قد شهد تشغيل 28 محطة جديدة لتنقية المياه المستخدمة، بهدف زيادة قدرة تنقية المياه من 200 إلى 600 مليون متر مكعّب كل سنة.
وبالنسبة للنضال ضد التصحّر، فإنه يشكّل أحد المهمات الأساسية في إطار مشاريع التنموية المستقبلية. ذلك أن الجزائر مهددة بتصحّر زاحف. ويشير الخبراء إلى أن هناك مساحات كبيرة مهددة بالتصحر إذا لم يتم وقف زحف الصحراء عليها. وتحتل الصحراء مساحة تقارب مليوني كيلومتر مربع من المساحة العامّة للبلاد.
ولا تزيد مساحة الأراضي القابلة للزراعة في الجزائر على 40 مليون هكتار، منها 8 .8 ملايين هكتار يتم استثمارها، بصورة مكثّفة، من أجل تأمين الغذاء للسكان. ومن بين هذه المساحة الشاسعة، هناك 12 مليون هكتار مهددة جديّاً بالتصحّر.
وهذا يجري وسط ازدياد عدد السكان، ما يجعل من المطلوب زيادة الإنتاج الغذائي، إذ إن الإنتاج الوطني لا يكفي أصلاً لسدّ الحاجات المتعاظمة. ويشير المؤلف إلى أن نتائج التصحّر في الجزائر أدت إلى تقليص مساحة الأراضي الزراعية، ودفع ذلك بعدد من السكان للهجرة نحو المناطق الشمالية من البلاد، والمكتظّة أصلًا.
وينبغي أن يغدو النضال ضد التصحّر، في هذا السياق، إحدى أولويات السلطات العامّة، بالنسبة لسياسة التنمية المستدامة. وهذا النضال يتطلّب وقتاً طويلًا، وإمكانات مادية هائلة، وقدراً كبيراً من العزم والتصميم، وبالتالي يتجاوز إنجازه كل حكومة «عابرة»، ويستدعي التزام الشعب كله فيه. من هنا تأتي أهمية التزوّد باستراتيجية تندرج على المدى الطويل، ولا تخضع للتقلبات السياسية.
تحديات آفاق عام 2020
لا يمكن لأي بلد من البلدان أن يتقدّم، إلا إذا استفاد من إخفاقاته ومن نجاحاته. ويؤكّد المؤلف، في هذا الإطار، على نقاط عدّة، في مقدمتها أن الاقتصاد ليس قضيّة أيديولوجية ولكنه قضيّة «فعالية». هكذا غاب عن الحكومات الجزائرية المتعاقبة الاهتمام بقطاع السياحة مثلاً، رغم الأهمية الاستراتيجية لمثل هذا القطاع بالنسبة للاقتصاد الوطني.
والنقطة الثانية هي أن غياب الاستراتيجية القائمة على رؤية طويلة الأمد تؤدي إلى تغيّر السياسات الاقتصادية عامة، مع تغيّر الحكومات. وقد تتناقض الأهداف، وتبرز المشاكل، التي تبقى دون حلول في أغلب الأحيان. من هنا يرى المؤلف أنه لا بدّ من تبنّي استراتيجية تجعلها المعطيات السائدة شرطاً أساسياً لمواجهة تحديات العولمة ورهاناتها.
وانطلاقاً من ملاحظة أن الاستراتيجيات السابقة للتنمية لم تؤد إلى حلول جذرية للمشكلات المطروحة على الجزائر، يرى المؤلف ضرورة تبنّي استراتيجية جديدة لمواجهة التحديات التي ترتسم في آفاق عام 2020.
وعلى أساس المعطيات الاجتماعية الاقتصادية الراهنة، وواقع النظام الدولي الذي أنتجته العولمة، يشير المؤلف إلى إمكانية تحديد بعض الأهداف التي ينبغي العمل على تحقيقها، والتي قد تسمح للجزائر ببلوغ درجة أكبر من السيطرة على مستقبلها، والتخلّص من أشكال الهشاشة المتنوعة.
معدل النمو
وتتمثل أهم أهداف 2020، كما يقدمها المؤلف، بتقوية دور الضبط الذي تلعبه الدولة، لاعتباره ضرورة حيوية في إطار اقتصاد السوق. وهذا ما أظهرته الأزمة المالية العالمية الراهنة بوضوح.
والهدف الثاني هو تكريس قدر أكبر من الاستثمارات والجهود، لتطوير وإيجاد ثروات جديدة. هذا في قطاع الزراعة الذي ينبغي ألا يؤمن الاكتفاء الذاتي الغذائي للبلاد فحسب، بل يتجاوزه إلى التصدير بالنسبة لبعض المنتجات.
وفي قطاع الصناعة ينبغي تبنّي استراتيجية إعادة التصنيع، من أجل تنويع مصادر الدخل الوطني، وتأمين فوائض للتصدير.ومن المطلوب أن يتم تحقيق معدّل نمو اقتصادي سنوي يتراوح بين 8 و10 بالمائة بالنسبة للفترة بين عامي 2010 و2020.
كذلك ينبغي أن تمثّل صادرات مواد الطاقة في آفاق عام 2020 أكثر من 25 بالمائة من مجموع صادرات البلاد. مما يلقي علي كاهل وزير الطاقة يوسف اليوسفي تحديات جسيمة، مع ذلك ينبغي أن يكون تنويع مصادر الدخل بالعملات الصعبة إحدى الأولويات الاستراتيجية.
ويؤكّد المؤلف، إجمالًا، أن أمام الجزائر عشر سنوات كي ترفع من مستواها في عالم العولمة. وهي تمتلك الأوراق الرابحة العديدة للوصول إلى ذلك. ولا ينبغي أن تقل العائدات من قطاع السياحة في عام 2020 عن 10 مليارات دولار. وهذا الرقم يبقى أقل من التوقعات بالنسبة للمغرب وتونس.
أهداف عام 2040
إذا كانت الجزائر في عداد البلدان التي سيكون بمقدورها الاعتماد بتنميتها على صادرات مواد الطاقة في الثلاثين سنة المقبلة، فإنها ستكون قد حققت، كما يفترض، أهداف استراتيجية التصحيح المرحلية. خاصّة التحوّل الكامل إلى اقتصاد السوق، وإرساء أسس مجتمع منسجم ومتماسك، بعد الانتهاء من هشاشات الماضي.
وبدءاً من عام 2020 تبدأ المرحلة التالية التي ينبغي أن ترتقي فيها الجزائر إلى مرتبة البلدان ال25 إلى الـ 35 الأكثر تطوّراً في العالم. والاستراتيجية التي سيتم تبنيها، لذلك ستتعلّق بالسياق الوطني، والسياق العالمي. ومدّة ال30 سنة كافية تماماً، بحسب التحليلات المقدّمة، كي تخرج الجزائر نهائياً من منطقة التخلف الحمراء وغير المستقرّة.
وهناك شرط أساسي يتم التأكيد عليه لتحقيق المطلوب، وهو أن تدخل الجزائر، عن سابق تصميم، في المنافسة الدولية. وينبغي عليها أن «تقاتل» من أجل الحصول على حصتها من الأسواق الأجنبية. وهذا يتطلب الجسارة والطموح. وشرطاً آخر، هو أن تكون الدولة قوية كي تقاوم جميع الظروف. ومن دون الاستقرار، من الصعب خوض مثل هذه المعركة، وأن تفرض نفسها على الساحة الدولية.
وبرر المؤلف أن عدم انتهاج مثل هذه الاستراتيجية، الجريئة والطموحة، سيجعل الجزائر بحالة صعبة في الغد. إن «الغد يتم تحضيره اعتباراً من اليوم»، كما يشير مقال لصحافي جزائري نُشر في عام 2008.
كان ذلك الصحافي قد تخيّل صورة الجزائر في عام 2050 بالقول: «إن الجزائر لم تعد تنتج قطرة من النفط، ولا من الغاز، بل على النقيض من ذلك، تستوردهما من بلدان الشرق الأوسط التي لم تنضب مواردها بعد، لسد حاجاتها من الطاقة.
وللأسف لم يعد هناك أي احتياطي من المال في بنك الجزائر. وليس هناك من يستطيع أن يشرح كيف تبخّر الاحتياطي الهائل للجزائر عبر الزمن، على الرغم من الاستثمارات الضخمة التي استخدمتها الدولة، ولم تترك تلك الاحتياطات المالية أثرها الملموس في اقتصاد البلاد».
ويخلص المؤلف إلى القول، إن الأهداف المرجوّة يمكن للجزائر تحقيقها في الفترة المقبلة، خاصّة أنها تقدمت بعض الخطوات في طريق بلوغها. وما أنجزته من تقدّم على هذا الصعيد، يعتبر كبيراً بالمقارنة مع بلدان العالمين العربي والإسلامي عامّة، والبلدان الإفريقية على وجه الخصوص.
المطلوب إذاً هو تبنّي خارطة للطريق في الجزائر لمدّة 30 سنة، وبناء اقتصاد متنوّع وقادر على المنافسة، من أجل مواجهة تحديات العولمة، والوصول إلى مكانة مشرّفة في عالم الغد. بهذه الكلمات ينهي المؤلف رؤيته لبلاده الجزائر في العقود المقبلة، ولعلّها رؤية تفيد الآخرين.
المؤلف في سطور
صلاح موهوبي من مواليد الجزائر. يحمل درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة السوربون. شغل منصب المدير العام المساعد للمركز الإفريقي للدراسات المالية في العاصمة السنغالية، داكار. كذلك عمل في مناصب رفيعة عدّة في المؤسسات الحكومية الرسمية وفي البنوك الجزائرية والأجنبية.
قدّم العديد من الكتب في عدادها: «التخلّف والانفتاح المالي للعالم العربي» و«العولمة المتقدّمة» و«إفريقيا، حقبة العواصف».
الأوضاع التي شهدتها الجزائر منذ استقلالها فيها الكثير من نقاط التشابه مع بقية بلدان العالمين العربي والإسلامي، التي لاتزال بغالبيتها الساحقة في عداد البلدان النامية.
وكانت الجزائر قد تكبّدت في السنوات الأخيرة خسائر مالية كبيرة، وذلك لأنها تبيع صادراتها من مواد الطاقة بالدولار، بينما تشتري وارداتها باليورو من بلدان الاتحاد الأوروبي.
وتعاني الجزائر من مشكلتين كبيرتين هما شحّ المياه، من جهة، والتصحّر الزاحف، من جهة أخرى. وقد تبنّت الدولة استراتيجية جديدة للحد من تهديد مشكلة المياه تعتمد على بناء السدود، واللجوء إلى تحلية مياه البحر، وتنقية المياه المستعملة. أمّا مكافحة التصحّر فتحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى لا تخضع لتقلبات السياسة.
وتحدد الرؤية المقدّمة أهدافاً ينبغي على الجزائر تحقيقها على مرحلتين في أفق عامي 2020 و2040. وأهم هذه الأهداف تقوية دور الدولة في إطار اقتصاد السوق، وإيجاد ثروات جديدة، وتحقيق نمو اقتصادي سنوي مرتفع، وتنويع الصادرات.

