انطلقت دورة صياغة قانون النفط والغاز في لبنان يوم الاثنين، وسط ملامح تصعيد سياسي داخلي، وتسخين إسرائيلي لنهب الثروات اللبنانية الكامنة.

وإذا كان المعنيون بالتهدئة في المنطقة تحركوا بشكل لافت ومكثف قبل شهرين لاحتواء التصعيد المتبادل بين إسرائيل وحزب الله وإسرائيل وسوريا في ظل حديث عن صيف ساخن وتخوف من تكرار سيناريو صيف 2006.

فإن الكشف عن «فتيل» التفجير المتخوف منه تأخر كثيراً حتى كشفت إسرائيل الأوراق قبل أسبوع بالتهديد الصريح للبنان من مغبة التنقيب عن الغاز والنفط في البحر الأبيض المتوسط.

وبحسب توقعات خبراء نفطيين، واستنادا إلى تقرير للمعهد الجيولوجي الأميركي (USGS) أصدره في أواخر إبريل الماضي، تخفي مياه البحر الأبيض المتوسط في أعماقها كميات كبيرة من الغاز تقدر ب122 تريليون قدم مكعب.

كما يقال أيضا إن هناك 265 تريليون قدم مكعب من الغاز و308 ملايين برميل من النفط في المياه اللبنانية.. الدراسات تنهال على لبنان، أما الخبر اليقين الملموس فينتظر إقرار القانون الناظم والذي تتقاذفه السجالات السياسية وموازين القوى في لبنان.

ولسبر تفاصيل المشهد الذي حاول لاعبون إقليميون وغربيون تهدئته واستخدم أقطاب لبنانيون التلميح في الحديث عنه قبل أن يرفع الإسرائيليون الغطاء عن كنز حقل ليفياتان وبلغة عسكرية تلقي بظلال التوتير على المنطقة..

ناقشت «البيان» القضية مع عدد من الخبراء اللبنانيين الذين أكدوا على أن لبنان أنجز العديد من المسوحات في العام 2009، وسبق الإسرائيليين في معرفة ما يخزنه البحر في أعماقه.

وقال مدير عام المنشآت النفطية في لبنان سركيس حلّيس لـ «البيان» إنه لايمكن الجزم بأن حقل الغاز الإسرائيلي المكتشف له امتداد داخل الحدود اللبنانية، لكنه أشار إلى أن المسوحات ثنائية الأبعاد ومن بعدها ثلاثية الأبعاد التي أجرتها السلطات اللبنانية في المياه الإقليمية وفي المنطقة الاقتصادية الخالصة أفرزت معلومات ونتائج واعدة جداً، لكنه أشار إلى أن السلطات لم تبدأ لا الحفر التجريبي لا الإنتاجي، بانتظار إعداد التشريعات اللازمة.

وقال سركيس إن لبنان بدأ المسوحات النفطية بالاستعانة بشركات عالمية في العام 2008 وتواصلت حتى العام 2009 في العديد من البقاع البحرية داخل المنطقة الاقتصادية بين لبنان وقبرص، وفي مناطق مختلفة من المياه الإقليمية اللبنانية التي تقدر مساحتها بـ 25 ألف كيلومتر مربع.

وعن احتمال امتداد الحقل الإسرائيلي داخل المياه اللبنانية وما يستدعيه من إنتاج مشترك بحسب القانون الدولي، قال سركيس لـ «البيان»: إن إسرائيل بالنسبة للبنان دولة عدوة، فلا مجال لتعاون مشترك، وعليه لا مجال للتهاون.

تصد للنهب الإسرائيلي

من جانبه، قال الخبير النفطي والأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت د. علي حيدر إنه إذا ثبت وجود امتداد لحقل ليفياتان داخل الأراضي اللبنانية فإن لبنان لن يسمح بأي شكل من الأشكال لإسرائيل بنهب مخزونه.

وعن كيفية التصدي للأمر إذا أصر الإسرائيليون على المضي قدماً وتجاهل حقوق لبنان، قال د. حيدر لـ «البيان»: إن المرحلة الأولى ستكون اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي ومحاولة التوصل إلى تفاهم بالطرق السلمية، محذراً من أنه إذا كانت القرارات غير مجدية فإن المنطقة «قد تشهد ما شهدنا له مثيلاً في صيف 2006».

وعن أسباب هذا التصور الموغل في التشاؤم، رد د. حيدر على «البيان» بالقول إن «المورد ضخم جداً»، مشيراً إلى أن كل يوم يتأخر اللبنانيون في الحفر واستخراج ثروتهم المدفونة يعتبر خسارة كبيرة. وقدّر مخزون حقل ليفياتان بـ 450 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

وعن حقوق لبنان في الحقل المكتشف في مياه فلسطين المحتلة، قال الخبير اللبناني إن المشكلة لها شقان: سياسي، إذ إن إسرائيل كيان لا يعترف بحدوده «فكيف سيعترف بحقوق الآخرين».

والثاني، الخرائط، فهناك نوعان منها، الأول يظهر التقديرات التجارية وهذا قد تستخدمه إسرائيل لحرمان لبنان من الحقوق في الحقل، والثاني جيولوجي يظهر مواقع الحقول، وفي هذا الشق لا يمكن لإسرائيل أن تزوّر، «ولدينا خريطة إسرائيلية توضح تماماً أن الحقل له امتدادات طبيعية في الساحل اللبناني».

وعن كيفية الاستفادة من الحقل، أشار د. علي حيدر إلى «مشكلة»، فلبنان لا يستطيع توقيع اتفاقات مع إسرائيل التي لا يعترف بها، على خلاف الحال مع قبرص التي تم التوقيع معها على تقاسم المناطق البحرية.

ومع ذلك، قال إن استخدام الخط الوسط سواء الموازي، والذي ترفضه إسرائيل على اعتبار ان سواحل البحر على شكل قوس، أو استخدام خط الوسط المتقوس يؤكد أن للبنان حصة في الحقل البحري الجديد رغم محاولات التلاعب الإسرائيلية.

وقال إن الخرائط المتوافرة تظهر وجود الغاز في مناطق يفسرها الجانب اللبناني على أنها لبنانية بينما الخريطة التي بثتها وزارة البنى التحتية الإسرائيلية الأسبوع الماضي تدعي أنها إسرائيلية.

وأضاف الخبير النفطي اللبناني الذي كان عضواً في العديد من لجان المسح النفطي، أن لبنان بدأ تاريخياً في استكشاف النفط والغاز في الستينيات من القرن الماضي عبر حفر مجموعة من الآبار في التراب اللبناني.

لكنها «لم تنتج شيئاً مهماً على المستوى الاقتصادي»، ثم تحول الاهتمام إلى الساحل حيث عقدت الدولة اللبنانية عقد استكشاف ومسح مع شركة سبيكترم (بريطانية) لإجراء مسح اهتزازي ثنائي الأبعاد ما كانت نتائجه واعدة إذ اكتشفت مصائد نفط ومصائد غاز طبيعي..

وبالتالي انتقلت السلطات اللبنانية إلى مرحلة إضافية بالتعاقد مع شركة بي.جي.اس النرويجية لإجراء مسح ثلاثي الأبعاد وكانت نتائجه الكشف عن مصيدة للهايدروكربون.

يذكر أن الدراسات الأولية التي خلصت إليها شركة بي. جي.اس أعطت تقديرات بأن لبنان يمتلك مخزوناً قد يصل إلى 8 مليارات برميل من النفط. وهكذا ساهمت المسوحات في تحديد بعض الأماكن التي قد يتوافر فيها البترول والغاز بكمية اكبر، ما يجذب شركات التنقيب، إلا أن غياب قانون للنفط والغاز يحول دون اهتمام الشركات الدولية بالتنقيب ما لم تتوضح لها القاعدة التي ستعمل على أساسها.

تجاذب سياسي

وعلى الجانب السياسي اللبناني الداخلي من القضية، فإنه إذا كان التحرك الإسرائيلي وراء الاستفاقة المتأخرة على الموضوع النفطي في لبنان، والتي جاءت أولى إشاراتها قبل نحو أسبوعين على لسان زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي قال مدافعاً عن المقاومة إن «أهمية سلاح المقاومة ستزداد للدفاع عن الثروة النفطية في بحر لبنان»، وهو تصريح كان غير مفهوم في حينه..

لتتوالى ردود الفعل، وتتقاذفه التيارات السياسية، حتى تحول الأمر، بحسب الصحافة اللبنانية، إلى تجاذب بين الرئاستين التشريعية (نبيه بري) والتنفيذية (سعد الحريري) لجهة تحديد مرجعية إدارة هذا الملف.

وتجلى هذا السجال حمل بري القضية إلى هيئة الحوار الوطني المخصصة أصلا لدراسة الاستراتيجية الدفاعية للبنان، بينما تزايد التجاذب بين طرفي المعادلة السياسية اللبنانية مع استخدام حزب الله القضية مسوغا جديدا للاحتفاظ بسلاحه الذي تتزايد الضغوط لنزعه أو دمجه في المؤسسة العسكرية.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله هاشم صفي الدين عن أن «حاجة لبنان للمقاومة أصبحت مضاعفة اليوم في ظل أطماع العدو بنهب ثرواته النفطية».

تسوية في الأفق

في هذه الأثناء، تكشّفت التسوية الحكومية النيابية في شأن مشروع قانون التنقيب عن النفط عن إقرار الرأي على المضيّ في المسارين الحكومي والنيابي بسرعتين متعاكستين، إذ تعجّل الحكومة في مناقشة مشروع القانون المطروح أمامها عبر عمل اللجنة الوزارية التي اجتمعت أمس لدفع مهمّتها قدماً.

وتواصل اللجان النيابية من جهتها مناقشة اقتراح القانون الذي قدّمه النائب علي حسن خليل بوتيرة متمهّلة، ولذا حدّد 12 يوليو موعداً للجلسة المقبلة واكتفِي أول من أمس بإقرار المادة الأولى من القانون، والمتعلّقة بالتعريفات فقط.

وفي سياق متصل بهذا الملف، قالت مصادر معنية لـ «البيان» إنها لا تستبعد أن تكون الخطوة التالية للحكومة الطلب من الأمم المتحدة أن تتولّى القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) الإشراف على المنطقة البحرية، لافتة الى تحدٍّ آخر يتصل بالقانون الذي يسمح للشركات بالحقوق قبل أن تأخذ على عاتقها مهمة التنقيب عن النفط أو استخراجه، ذلك أن «تكاليف مهمات كهذه باهظة وتحتاج الشركات التي ستكلّف الأمر الى قانون حماية».

ومع ذلك، يرى العديد من السياسيين اللبنانيين أنه مع تلويح إسرائيل بتوسيع خط الحدود المائية شمالاً باتجاه عمق المياه الإقليمية اللبنانية وتحديد وزراء إسرائيليين باستخدام القوة من أجل حماية حقول الغاز الطبيعي التي تم اكتشافها في البحر المتوسط، فإن أفضل رد على إسرائيل هو الإسراع في إقرار قانون التنقيب عن النفط، وإن اختلفت التقييمات على طرفي فرقاء الساحة السياسية اللبنانية.

خريطة ملغومة

طرحت خريطة نشرتها الصحف الإسرائيلية عن أماكن وجود النفط في المياه الإقليمية في المنطقة، ومنها جزء من حقل نفطي في المياه الإقليمية اللبنانية، السؤال عن كيفية مواجهة لبنان الهجمة الإسرائيلية التي تطرح مسألة السباق الإقليمي على التنقيب عن النفط والغاز والذي يشكل عنواناً إضافياً جديداً للمواجهة اللبنانية الإسرائيلية، إلى جانب السباق على مصادر المياه والمواجهة في شأن الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تقرير - نضال حمدان