منذ نحو نصف قرن كتب الباحث الفرنسي رونيه دومون كلمات . بدت قاسية بالنسبة لقارّة كانت قد حصلت للتو على استقلالها السياسي. لقد رسم يومها في كتابه الشهير «إفريقيا تتلكأ» صورة قاتمة للقارة رغم غناها. وقد أثبت تطوّر هذه القارّة الإفريقية للأسف توقعاته المتشائمة. هذا مع أن كتابه قد أثار فضيحة عند صدوره . ولم يقبل سوى القلّة القليلة تشاؤمه.
كان رونيه دومون يحب إفريقيا . ولذلك لم يقبل أن يقول سوى ما كان يعتقده صحيحاً حول مستقبلها . دون مواربة. واليوم أثبتت الأيام صحّة تحليله وموضوعيته. وإفريقيا في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين تعتبر القارّة الأكثر فقراً . والأكثر تخلّفاً . والأقل تهيئة . لمواجهة تحديات العولمة ورهاناتها. والأسوأ من ذلك . هو أنها القارّة الوحيدة التي يبدو مستقبلها مشوشاً على ضوء المعطيات القائمة.في المقابل . تتقدم آسيا وأميركا اللاتينية بخطيً عملاقة . وأصبحت تدريجياً قوى فاعلة كبرى في إطار العولمة. وتستفيد أميركا اللاتينية من ديناميكية العملاق البرازيلي . وبدرجة أقل من المكسيك وتشيلي والأرجنتين وفنزويلا.وفي آسيا هناك القاطرة الصينية . وكذلك اليابان والبلدان الصاعدة الأخرى. وفيتنام . التي عرفت حرباً طويلة مدمّرة . تحقق اليوم أعلى معدّل للنمو الاقتصادي بعد الصين. هكذا غدت آسيا محرّكاً حقيقيا في العولمة. ومن دون آسيا ما كان للعولمة أن تكون ما هي عليه اليوم . كما يؤكد المؤلف.
مشكلات بنيوية
أمّا في إفريقيا فليس هناك أي شيء من هذا كلّه. ولا يستطيع أي بلد إفريقي من جنوب القارّة إلى شمالها أن يلعب دور القاطرة. ذلك أن البلدان المعنيّة تعاني جميعها من مشكلات بنيوية عميقة . واقتصادياتها في طور التشكّل بصورة عامّة. كما أن جنوب إفريقيا . التي تشكل الوزن الاقتصادي والسياسي الثقيل في القارّة . لا تطلق سوى إشعاع محدود في جوارها المباشر.
تعتبر إفريقيا الأقل استقراراً بين قارّات العالم. وجميع بلدانها تقريباً لم تعرف تنظيمات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية جديرة بدولة. وليست هناك تقاليد دولة تسمح بالارتقاء عن الانتماءات العرقية والقبلية والعقائدية.
هذا ما يفسّر . برأي المؤلف . حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها أغلبية البلدان الإفريقية. ويشار . في هذا السياق . إلى أن الحقبة الاستعمارية لم تسمح ببروز نخب سياسية وثقافية إفريقية وطنية. كما حرصت القوى الاستعمارية على أن تسلّم السلطة إلى أشخاص من المتعاونين معها . وليس إلى نخب سياسية قد تنتهج خطّاً وطنياً.
ومن أهم العوائق التي تعاني منها الدول والأمم الإفريقية واقع أن السلطات السياسية تعتمد غالباً على مرتكزات عرقية أو لغوية. واختصاراً قليلة هي الدول الإفريقية التي تشذّ عن هذه القاعدة. وقليلة أيضا الدول التي تتمتّع بالاستقرار والتلاحم. وأي حدث عادي أو سياسي . يمكن أن يبيّن مدى هشاشة هذه الدول . ومدى عمق الشروخ الاجتماعية القائمة فيها.
أمّا حدود البلدان الإفريقية فهي لا تخضع لأي منطق سوى الإرادة الاستعمارية. وينقل المؤلف عن الرئيس الأميركي الأسبق ريشارد نيكسون قوله بهذا الصدد: «ليس هناك سوى دلالة محدودة . بالمعنى الإقليمي . لحدود أغلبية الدول الإفريقية الحالية.
إنها لا تتناظر مع حدود طبيعية . أو قبلية . وهي مرسومة تبعاً للأمكنة التي توقفت عندها جيوش القوى الاستعمارية . أو حيث أراد راسمو الخرائط في باريس أو لندن وضعها. والبلدان الإفريقية تضمّ غالباً عشرين أو ثلاثين قبيلة . بينما تنقسم كثير من القبائل الأخرى بين بلدين . أو أكثر . عبر الحدود الموروثة عن الاستعمار. ونقص الوحدة الوطنية . الناجمة عن هذا الوضع . يجعل الخيار الديمقراطي مستحيلاً تقريباً . والتنمية الاقتصادية حلماً بعيد المنال . والتوتر الداخلي واقعا مستمرّاً».
مسيرة التراجع «المزمن»
في مطلع الألفية الجديدة . وبعد عقود من الاستقلال الوطني . ما تزال الانقسامات من كل نوع هي الخبز اليومي لإفريقيا . ولا تزال أغلبية الدول الإفريقية عاجزة في أغلب الأحيان عن تأمين الاستقرار وبلوغ مصاف الدول الحديثة ذات الاقتصاد المستقل والقادر على تأمين الحاجات الأساسية لشعوبها.
وباستثناء حفنة قليلة من الدول الإفريقية . فإن جميع البلدان في القارّة تعيش على المساعدات الدولية. وتدل دراسة أعدّها المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة أن من بين البلدان ال48 . الأكثر فقراً في العالم . هناك 36 بلداً موجودة في القارّة الإفريقية.
وتدل دراسة صادرة عن البنك الدولي أنه من بين البلدان الـ 50 الأكثر تبعية للمساعدة الدولية في العالم . يوجد 31 بلداً إفريقياً تزيد نسبة المساعدة المقدمة إلى 21 منها على 10 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي للبلاد.
ويشير المؤلف . اعتماداً على دراسات مختصّة . إلى أن الإنتاج الداخلي للفرد في إفريقيا جنوب الصحراء . أي إفريقيا المعروفة بالسمراء . يراوح مكانه منذ الاستقلال . بل وتراجع خلال العقد الأخير؛ الأمر الذي لم تعرفه أية منطقة اخرى من العالم.
وخلال العشرين سنة الأخيرة تراجعت حصّة إفريقيا من التجارة الدولية بمعدّل النصف . وزادت وارداتها من الحبوب ثلاثة أضعاف . كما زادت ديونها عشرين ضعفاً. كما أن الهجرة من الريف . وتفشّي البطالة في المدن . خاصّة . والأزمات المالية المتكررة . وإفلاس المؤسسات المالية والبنوك . وهروب رؤوس الأموال . تشكّل كلّها مؤشرات على الفشل الاقتصادي الذي تعاني منه إفريقيا.
في المقابل . وبعد ما يزيد على 40 سنة من الاستقلال . ما تزال المواد الأولية تشكّل ما نسبته 90 بالمئة تقريباً من الصادرات الإفريقية. وتضاءل وزن القارّة في السوق العالمي من 2 .4 بالمئة عام 1970 إلى 1 .4 بالمئة عام 2000. وتبلغ حصّتها من الاستثمارات المباشرة في الخارج نحو 3 بالمئة. ومنذ 30 سنة كان متوسط الدخل الإفريقي يمثّل 14 بالمئة من دخل البلدان المتطوّرة . لكنه لا يمثّل اليوم سوى 7 بالمئة.
كارثة سكانية
إن إفريقيا هي أيضا القارّة الأكثر إصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة «الايدز» . ولا شك في أن التخلّف أسهم كثيراً في ذلك. وفي المحصّلة يمثل «الايدز» إحدى الكوارث السكانية الكبرى في العديد من البلدان الإفريقية .
ويتم تشبيه ما يفعله الوباء فيها مع ما فعله الطاعون الأسود في أوروبا في نهاية العصور الوسطى. وتشير بعض الدراسات إلى أن متوسط العمر في القارّة الإفريقية سوف ينخفض 17 سنة من الآن وحتى عام 2030 .
أي أنه سوف ينخفض من 64 سنة . في حالة عدم وجود مرض «الايدز» . إلى 47 سنة. وينقل المؤلف عن تحقيق أميركي أُّجري في بتسوانا أن متوسط الأمل في الحياة سوف يتدنّى في حدود عام 2030 إلى 27 سنة فقط.
وتدلّ أرقام أخرى صادرة عن الأمم المتحدة في عام 2003 أن البلدان الـ 53 الأكثر أصابة في العالم بمرض الايدز سوف ينقص عدد سكانها بمقدار 129 مليون نسمة في حدود عام 2015 و480 مليون نسمة في حدود عام 2050. وفي إفريقيا سيتناقص عدد سكان البلدان الـ 37 الأكثر إصابة بالوباء 91 مليون نسمة في حدود عام 2015 و330 مليون نسمة حتى عام 2050 .
إفريقيا والعولمة والمستقبل
مع سقوط جدار برلين لم تعد إفريقيا رهاناً دولياً . وفقدت مباشرة من مكانتها حيال متطلبات النظام الدولي الجديد . الذي بدأت ملامحه بالظهور.
لقد وجدت إفريقيا نفسها ببساطة أكثر ضعفاً في إطار العولمة التي عرّفها زبيغنيو بريجنسكي . كما ينقل عنه المؤلف قوله: «العولمة هي التعبير السائد اليوم . وهي زاخرة بالأوهام بالنسبة لأميركا . إذ إنها تعني حقبة جديدة من الانفتاح والشفافية والتعاون الكوني. لكنها ترمز أيضاً إلى فقدان الحساسية الأخلاقية واللامبالاة أمام المظالم الاجتماعية . التي قد تتسم بها الدول الأكثر ثراء في العالم . بدءًا من الولايات المتحدة».
وذهب هنري كيسنجر إلى أبعد من ذلك في تبريره لتهميش إفريقيا عقب نهاية الحرب الباردة . إذ ينقل عنه المؤلف قوله: «مفارقة إفريقيا هي أنه عليها مواجهة مشكلات كبيرة في الوقت الذي لا يمكن فيه تحديد المفاهيم التي قد تعتمد عليها السياسة المطلوبة لحلّها.
كما فقدت الإجراءات . التي سادت في ظل السياسة التقليدية للحرب الباردة . شرعيتها بسقوط الاتحاد السوفييتي». هذا وبتعبير آخر ينبغي على إفريقيا أن تتخلّى عن مساعدات «الدخل الدبلوماسي» التي كانت تحصل عليها كمساعدات لاستمالتها من أحد المعسكرين . الغربي أو الشرقي . أثناء فترة الحرب الباردة.
معضلة صعبة
إفريقيا التي وجدت نفسها متقهقرة أمام العولمة الزاحفة . وموضع تجاهل من قبل النظام الدولي الجديد منذ انهيار الكتلة الشرقية وبروز الولايات المتحدة كقوّة عظمى وحيدة في العالم . أدركت أنها أمام معضلة صعبة هي التحرّك أو الزوال.
وبالطبع لن تزول عن خارطة العالم . ولكنها ستتهمّش أكثر فأكثر . بينما سيرتبط بقاؤها بالمساعدات التي تقدمها المجموعة الدولية بين فترة وأخرى كي تدفع عن نفسها فكرة سلوكها البربري وعدم الاهتمام بآلام الآخرين.
وفي هذا السياق الدولي الجديد . حاولت الدول الإفريقية خلال سنوات التسعينات المنصرمة . أن تواجه تحدي التهميش. وأدركت أنها عبر تنسيق جهودها . على غرار المجموعات الاقتصادية في العالم . قد تستطيع الخروج من جمودها . وتفرض نفسها على المسرح الدولي.
هكذا تأسست في أبوجا عام 1991 المجموعة الاقتصادية الإفريقية. كان الهدف بوضوح هو الانخراط بشكل أفضل في العولمة . ثمّ قامت بتحويل هذه المجموعة الاقتصادية إلى الاتحاد الإفريقي.
وتمثّلت أهداف هذه المساعي كلّها في إرساء أسس سوق إفريقية مشتركة . وتأمين حرية انتقال الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال. والعمل على تكامل جميع القطاعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية الإفريقية . وتأسيس صندوق نقد إفريقي وبنك مركزي إفريقي. لكن هذه الأهداف كلّها ظلّت في إطار الأحلام الجميلة . دون ترجمتها إلى الواقع.
والمشكلة هي أن الشطط في الطموحات كان كبيراً . مما أثر في مصداقيتها . ولم يجر تبنّي أهداف متواضعة يتم التوصل إليها تدريجياً . كما فعلت البلدان الأوروبية. لكن هذا لا يمنع حقيقة أن قيام منظمة الوحدة الإفريقية . وبعدها الاتحاد الأوروبي . قد أمّن لإفريقيا حضوراً دولياً شكلياً ورمزياً.
ومع ذلك تبقى آفاق تنمية القارّة الإفريقية موضع شك . كما تدل جميع المؤشرات الاقتصادية . خصوصا أمام المعادلة الصعبة المتمثّلة في الانفجار السكاني من جهة . والانحسار الاقتصادي من جهة أخرى.
معطيات جديدة
ويشير المؤلف هنا إلى ضرورة التأكيد على أن مشاريع التحوّل جرى فرضها بسبب المعطيات الدولية الجديدة. وقد دلّت التجارب كلّها أن جميع الحلول وأشكال العلاج التي تمّ اللجوء إليها في إفريقيا لم تؤدِ سوى إلى زيادة تردي الوضع العام في القارّة السمراء . وكشفت سياسة التصحيح . التي كانت تهدف لوضع الاقتصاديات الإفريقية المريضة على السكّة الصحيحة . عن عجزها الكامل.
إن الدول الإفريقية لم تتوصّل في أفضل الحالات . ما عدا بعض الاستثناءات القليلة كجنوب إفريقيا . لأكثر من تمويل النفقات الضرورية لآليات عملها. لكنها بقيت عاجزة عن الشروع بأيّ برامج استثمارية تنموية من أجل المستقبل. وهذا يعني أن آفاق النمو الاقتصادي غائبة عملياً . فالدول الإفريقية تزداد درجة فقرها . في الغالب . وليس هناك بصيص أمل يلوح في الأفق.
لقد قيل وكُتب الكثير عن إفريقيا. ووُجّهت إليها التحذيرات من أصدقائها وخصومها على حد سواء . ولم يعد لها الحق في الشكوى. فالكرة الآن في مرماها . وبالتالي ينبغي على شعوبها وقادتها أن يدركوا أن المجموعة الدولية . في الواقع . بصدد أن تدير ظهرها لهم . وعليهم أن يواجهوا بقدراتهم الذاتية الكبيرة التحديات والرهانات التي تستدعيها العولمة. هذه هي الرسالة الأخيرة التي يوجهها المؤلف لأبناء القارّة السمراء.
حصلت الغالبية العظمى من البلدان الإفريقية في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين على استقلالها السياسي. ظهرت آنذاك بعض التوقعات المتشائمة جدا . التي أثبتت العقود اللاحقة صحتها. إن القارّة الإفريقية هي اليوم الأكثر فقراً وتخلّفاً في العالم بينما يتقدّم الآخرون.
البلدان الإفريقية تعاني كلّها تقريباً من غياب البنى السياسية والاقتصادية الجديرة بالدول الحديثة. وحدود الدول الإفريقية القائمة اليوم رسمتها المصالح الاستعمارية وواضعو الخرائط في باريس ولندن.
إن إفريقيا تعاني باختصار من مسيرة تراجع «مزمن» منذ استقلال بلدانها . التي تعتمد جوهرياً . ما عدا بعض الاستثناءات القليلة . على المساعدات الدولية. الأرقام والإحصائيات والدراسات التي أعدتها الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية . تبدو بليغة في هذا الصدد.
وما تزال المواد الأولية تشكّل نحو 90 بالمئة من الصادرات الإفريقية. وهي صاحبة الحصّة الأوفر من المصابين بمرض «الايدز» . لكن مصير إفريقيا . الغنية بمواردها . يبقي بيد أبنائها.

