لم يؤدِ سقوط الشيوعية إلى تهدئة العلاقات الدولية. ذلك أن الإسلام اتخذ صورة الخصم لدى الغرب، عامّة، والولايات المتحدة خاصّة. والنقد الذي وجهه رجال سياسة ومثقفون غربيون بدا شديد العنف، خلال السنوات الأخيرة.

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن العالم لم يواجه أبدا وضعا، ولّدت الكلمات انحرافات تحمل هذا القدر من مخاطر المواجهة. وهذا كله في بداية الألفية الثالثة وفي عصر التقدم العلمي والتكنولوجي.وقد ساهمت تفجيرات 11 سبتمبر 2001، في بروز خصم جديد للغرب، بعد أن كان محروما من مثل هذا الخصم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وكتلته، عام 1991. وكان المحافظون الجدد المحيطون بالرئيس الأميركي السابق جورج بوش قد وجدوا مبررا في تلك التفجيرات، لتنفيذ رؤيتهم الأحادية للهيمنة على العالم.ويحدد مؤلف هذا الكتاب عاملين أساسيين لهما طبيعة جيوسياسية، يساعدان على فهم الأسباب التي جعلت العالم الإسلامي في قلب العلاقات الدولية اليوم. العامل الأول يعود إلى التاريخ، فالآثار التي تركتها فترة الاستعمار عميقة، ويحتاج بعضها إلى زمن طويل كي يزول. وفي الجزائر، مثلا، كان الاستعمار مفرطا في عنفه، وسعى إلى نزع الثقافة الوطنية هناك بكل السبل.

كما وقف الاستعمار بقوّة ضد مختلف الأفكار التنويرية، التي سعى أصحابها، في إطار حركة النهضة، لإخراج بلدانهم من التخلّف الاقتصادي، الذي كان أصلا أحد أسباب احتلالها من قبل القوى الأجنبية. ويرى المؤلف أنه بوقوف المستعمرين في وجه تلك الأفكار، أضاعت البلدان الخاضعة لهم فرصة تاريخية ثمينة.

والعامل الثاني في دفع العالم الإسلامي إلى مسرح الاهتمام الدولي، يتم تحديده في استخدام الغرب المطول لهذا العالم، كورقة في استراتيجيته، التي جعلت من إيجاد الحواجز أمام منع امتداد الشيوعية هدفا أساسيا لها. وخلال فترة الحرب الباردة سعى الغرب لجعل العالم الإسلامي أداة في الصراع مع الكتلة الشيوعية، وبالتالي المساهمة في زوالها.

ومع سقوط المعسكر الشيوعي، قام فراغ إيديولوجي ملأته بسرعة الليبرالية، التي جسّدتها قوّة عظمى واحدة، هي الولايات المتحدة. ولكن العولمة، التي دعّمت من جهة الدور الأميركي الجديد على المسرح الدولي، جلبت معها، من جهة أخرى، أشكالا من الغموض.

ولم تضمن استمرارية زعامة واشنطن في عالم يسود فيه قطب واحد، ودون وجود عدو معلن، «يحظى «بالمصداقية»، كالذي مثّلته الشيوعية سابقا. بعد 11 سبتمبر تحوّلت الشبهات إلى اقتناعات ثابتة، وأصبح الإسلام يمثّل التهديد الجديد في الألفية الثالثة.

لقد جرت، بشكل مدروس ومنسّق، إشاعة مثل تلك الأطروحة التي وجدت خلفيتها في النظرية المتعلّقة بصدام الحضارات. ويتم التأكيد هنا على ضرورة عدم التعامل مع هذه النظرية باستخفاف، وعدم تجاهل ما قد يترتب عليها، والاكتفاء بالقول انها لا تعبّر عن أي واقع، وبالتالي لا أساس لها.

صدام الحضارات

وينقل المؤلف عن وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فدرين قوله بهذا الصدد «بدلا من طمس نظرية صدام الحضارات، علينا أن نجد وسائل الخروج من ذهنيتها، فهي قد نشأت منذ فترة طويلة، وتستمرّ أمام أنظارنا، وقد تزداد خطورتها. إن عناصر الصدام تفعل فعلها في هذا الطرف أو ذاك. ويبقى مزيج الضغائن وأشكال الجهل والخوف المتبادل مزيجا متفجّرا».

ومن المقاربات الخطيرة، التي تتم الإشارة لها، تلك التي ترى أن الإسلام مرادف للعنف، وأنه معادٍ للغرب، ومناهض للديمقراطية. وينقل المؤلف في هذا السياق عن مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي، تأكيده على وجود تيار في الولايات المتحدة تعتبر أنه لا ينبغي النظر إلى تفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك، وواشنطن.

وغيرها، على أنها، بحسب ما يسميها هذا التيار، مظاهر «الإرهاب» في الحياة السياسية الأميركية، وناجمة عن مشكلة سياسية مرتبطة بالتاريخ الحديث للشرق الأوسط، ولكنها بالأحرى أحد أعراض تهديد اعمّ وأشمل، وهو ما يوصف بـ «التهديد الذي يمثّله الإسلام على الحضارة الغربية».

هذا القول، وأقوال مشابهة صدرت عن العديد من المرجعيات السياسية الغربية الأخرى، يجد فيها المؤلف ما يشير بوضوح إلى أن هناك في الغرب من يريد تقديم الإسلام على أنه غدا بعد الشيوعية مصدر تهديد بالنسبة للإنسانية جمعاء. ومن هنا، بالتحديد، تأتي فكرة ضرورة القيام برد على المستوى العالمي لتهديد عالمي هو الآخر.

حوار جاد

ما تمّ التوصل إليه في هذا السياق هو التأكيد على وجود خطر حقيقي، إذا لم يتم الشروع بحوار جدّي بين الغرب والعالم الإسلامي. ويرى المؤلف أن الوصول إلى حلّ عادل للقضية الفلسطينية يشكّل نقطة جوهرية في سبيل إعطاء مثل هذا الحوار القدر المطلوب من المصداقية.

ذلك أن الوضع في الشرق الوسط هو في أصل التوترات الراهنة، وهو الذي يغذّي اليأس المخيّم. ويرى العالم الإسلامي عامّة في التحيّز الغربي، وخاصّة الأميركي، لإسرائيل ظلما فادحا، وخرقا لأبسط حقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

وكان الغرب عامّة، وفرنسا على وجه الخصوص، ساعدت إسرائيل على امتلاك السلاح النووي، مع ما يتضمّنه ذلك من خرق للقانون الدولي. ومارس سياسة الازدواجية في التعامل، التي أعاقت كثيرا مسيرة السلام بأكملها في الشرق الأوسط.

ويبدو واضحا أن هناك نوعا من «الجبهة المشتركة» قائمة في الواقع الفعلي بين الغرب وإسرائيل. وهذا يعقّد بدوره العلاقات الدولية، على عكس ما تقتضيه العولمة، بما يخلقه من توترات. ولا يصبّ في النهاية سوى في مصلحة طرف واحد هو إسرائيل.

ويرى المؤلف أن السياسات الغربية، عامّة، حيال العالم الإسلامي تنقصها العقلانية عندما تقوم على فكرة المواجهة الدائمة. هذا في الوقت الذي تغيب فيه هذه الفكرة، بشكل كامل، فيما يخصّ السياسات المتعلقة بالمجالات الحضارية الأخرى، كالصينية أو الهندية، اليابانية، الكونفوشيوسية، او البوذية. ويدرك الجميع أن هذه المجالات الحضارية لا تشارك الغرب قيمه.

والنتيجة المباشرة التي تترتب على مثل هذه الممارسات، التي تخالف أصلا المبادئ التي يرفعها الغرب، هي بروز نوع من الميل لتهميش العالم الإسلامي على المسرح الدولي، من جهة، وتهميشه في إطار العولمة، من جهة ثانية.

إن جعل أية منطقة تحت «التوتر العالي»، باستمرار، يمنعها من أن تركز جهودها على مواجهة التحديات الحقيقية، التي ينبغي عليها التصدّي لها، من أجل الشروع ببرامج تنموية طموحة.

هذا فضلا عن أن فعل التهميش، في حدّ ذاته، يؤدي إلى تقديم المنطقة المعنيّة فيه على أنها عامل عدم استقرار، قد يعرّض سلام وأمن العالم للخطر. وبالتالي قد يثير طرفا من المجموعة الدولية ضدها. ويرى المؤلف في هذا خطأ استراتيجيا فادحا، فالمجموعة الدولية عليها أن تسعى للتهدئة وليس لزيادة التوترات.

نتائج سلبية

من النتائج السلبية التي تثيرها المواقف الغربية، غير العقلانية، ضد العالم الإسلامي تشجيع الجمود فيه. والوجه الآخر للجمود هو تشجيع النزعات المتطرّفة أيضا.

وهذا يعني أن تتسرب الطاقات في غير مكانها الطبيعي، عبر استيعابها من قبل «تحديات مزيّفة». وليس مصادفة أن بلدان العالم الإسلامي،ما عدا بعض الاستثناءات القليلة، ما تزال تعتبر في عداد البلدان النامية. أما القوى الغربية فلا تعير أهمية حقيقية سوى لمصالحها الخاصّة.

وهذا ليس في مصلحة السلام والأمن العالميين، بل ان مصلحتهما تكمن في قيام علاقات هادئة متجددة بعيدة عن الأهواء واللاعقلانية ومؤسسة على الاحترام المتبادل بين الغرب والعالم الإسلامي، الذي يشكل حوالي سدس سكان البشرية.

الوجه الآخر للصورة

يسوق المؤلف العديد من الآراء التي تؤكّد أن العالم الإسلامي هو بصدد التطوّر. وهو تطوّر مشوب بالألم، كما يصفه، من أجل تحقيق أهداف ثلاثة متداخلة فيما بينها، وهي النجاح في الاندماج بالعولمة، وإرساء أسس مجتمعات مسالمة ومستقرّة، وبلوغ الحداثة.

هذه الأهداف هي، في الوقت ذاته، تحديات كبرى، وحاسمة، بالنسبة للمستقبل. وهذا يحتاج إلى دعم جدي من قبل المجموعة الدولية. لكن الواقع يقول إن حالة عدم الاستقرار ليست بعيدة عن مختلف أشكال التدخل الخارجي. ومن السهل ملاحظة أن النشاطات العسكرية في الخارج، تنحصر تقريبا في بلدان تنتمي إلى العالم الإسلامي.

وينقل المؤلف عن زبيغنيو بريجنسكي تأكيده على عدم الشك في تطوّر العالم الإسلامي، ومطالبته الغرب بالمقابل بإعادة النظر في رؤيته للعالم وللعلاقات الدولية. ولا يتردد في التأكيد على أن هذا العالم سوف يتطوّر بحسب إيقاعه الخاص، وأنه ينبغي على الغرب، عامّة، وعلى الولايات المتحدة، خاصّة، أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار.

يقول بريجنسكي في كتابه «الخيار الحقيقي: أميركا وبقية العالم» ما مفاده «ينبغي على الولايات المتحدة أن تتجنّب إعطاء الانطباع أنها تماثل بين الخصوصيات الثقافية للعالم الإسلامي، وبين عقبات لا يمكن تخطّيها، تمنعه من اجتياز المراحل نفسها في تطوره السياسي، والتي كانت قد عايشتها العوالم المسيحية، أو البوذية.

وإذا كانت ألمانيا واليابان اليوم في عداد البلدان الديمقراطية، فإن مثل هذا الأمر كان بعيدا عن التصوّر منذ 60 سنة فقط. ولم يكن متصورا أن تجرف كوريا الجنوبية وتايوان في السيل نفسه منذ عشرين عاما فقط، ولم يكن واردا، أيضا، أن يعزل الاندونيسيون اثنين من الرؤساء، بطرق قانونية وسلمية، عن السلطة قبل خمس سنوات».

المشكلة التي يتم التأكيد عليها، في هذا السياق، هي أن الولايات المتحدة تنظر إلى علاقاتها مع العالم الإسلامي من خلال منظور أمنها الداخلي. ومثل هذا المفهوم يحمل في طياته خطأ في التقدير، ويمكن أن يولّد، بصورة آلية، انحرافات من خلال احتفاظه ببذور المواجهة.

وهذا ما أعرب بريجنسكي نفسه عن خشيته منه، وطالب بمقاربة جديدة مع العالم الإسلامي، وبتغيير جذري في الاستراتيجية الأميركية، التي يعرف جيدا خباياها.

وإذا لم يتم مثل هذا التغيير، فإن الأوضاع القائمة قد تستمر. وإذا لم تتخلّ الولايات المتحدة عن دعمها غير المشروط لإسرائيل، الذي يقوم على رفض الشرعية الدولية، وعن الربط بين الإسلام والعنف، فإن الطريق المؤدي إلى صدام الحضارات سيكون مفتوحا أكثر.

وهناك وعي متزايد لدى المجموعة الدولية بخطورة الدعم، غير المحدود وغير المشروط، لإسرائيل. من هنا تظهر بعض المحاولات الأوروبية لمقاربة أكثر توازنا في سياسة أوروبا حيال الشرق الأوسط.

يبقى استمرار التوتر وخطر التفجّر في العالم الإسلامي، عامّة، والشرق الأوسط، خاصّة، منافيا لآليات عمل النظام السياسي الدولي في عصر العولمة. ثم إن «الفوضى العالمية الجديدة» تتطلّب تبنّي استراتيجية أقل صلابة من تلك التي عرفتها المواجهة خلال فترة الحرب الباردة.

فهي تتطلّب آليات مرنة ومتنوّعة، والحرب على الإرهاب بعد 11 سبتمبر لا ينبغي أن تشكّل الأساس الذي تقوم عليه السياسة الأمنية الأميركية، والسياسة الخارجية الأميركية، عامّة. وهذا الأساس مختزل جدا، من جهة، وفيه الكثير من الغموض في تحديد العدو، من جهة أخرى، كما يقول بريجنسكي.

وفي المحصّلة، يبقى على المسلمين أن يبرهنوا أنهم قادرون على فهم الرهانات في عالم اليوم، لوقف مسيرة تراجعهم في إطار العولمة. وهناك دروس كثيرة عليهم أن يتعلّموها من الهند الفقيرة، والتي يراها البعض في موقع القوة العالمية الثالثة، في أفق عام 2040. وإن لم يفعلوا ذلك فسوف يبقون جسدا ضعيفا ومعرّضا لكل الأخطار. هكذا يختتم المؤلف حديثه عن مكانة المسلمين في العالم.

أصبح العالم الإسلامي بنظر الكثير من الغربيين هو الخصم، عقب سقوط الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي. وتعززت مثل تلك النظرة أكثر على يد المحافظين الأميركيين الجدد بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

ومع سقوط المنظومة الشيوعية، ونهاية الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين، غدت الولايات المتحدة قوّة عظمى وحيدة في العالم. وبحثت من أجل تبرير هيمنتها على الساحة الدولية عن عدو «ذي مصداقية»، فوجدته في الإسلام، على خلفية مقولة صدام الحضارات. ومثل هذه الأطروحات تجعل من الضروري، استراتيجيا، قيام حوار بين الغرب والعالم الإسلامي.

وهناك اليوم حالة من التهميش يعاني منها العالم الإسلامي على المسرح الدولي كما في إطار العولمة. وتدفعه التوترات المزمنة إلى صرف النظر كثيرا عن تحدي التنمية، وما ينجم عن ذلك من أشكال الجمود والتطرّف.

لكن العالم الإسلامي يبدي اليوم مؤشرات عديدة على تطوّره «المؤلم» لبلوغ اهداف ثلاثة، وهي الاندماج بالعولمة، وإرساء أسس مجتمعات مستقرّة، وولوج دروب الحداثة.