فيما إسرائيل بدأت تعيد ترسيم الحدود المائية لتضع يدها على الغاز المكتشَف في البحر، وفيما اللبنانيون ما زالوا يتساجلون، لا بشأن كيفية تأكيد السيادة على المياه الإقليمية وموجوداتها، بل على مَنْ يُصدِر قانون التنقيب، تقدّم موضوع حقول الغاز المكتشفة في البحر إلى صدارة المشهد السياسي.

لكنّ المثير للاستغراب أنّ تزايد الاهتمام بالأمر لم يأتِ نتيجة محاولة إسرائيل مدّ يدها إلى المياه الإقليمية للبنان تمهيداً لفرض حدود مائية جديدة، وتهديدها باستخدام القوة من أجل حماية القانون البحري الدولي، بل جاء على طريقة اللبنانيّين في التعامل مع أيّ ثروة عامة، والخلاف على الجهة التي يجب أن تديرها، وبالتالي يصبح كل شيء مبرّراً، بما فيه قول الشيء وعكسه، وحتى الذهاب إلى المطالبة بترسيم الحدود المائية شمالاً، فيما إسرائيل تحاول تغييرها جنوباً.

والردح اللبناني، بشأن من يعدّ قانون التنقيب أوّلاً، دفع بوزير الطاقة جبران باسيل إلى إطلاق صرخة، بعد لقائه الرئيس نبيه بري أول من أمس، بأنّ الأمر لم يعد موضوع إقرار القانون أو عدمه، بل «الإسراع في ذلك، لأن الوقت أساسي»، محاولاً التوفيق بين الجهتين، فلدى الحكومة مشروع تقني، ومن حقها أن تتقدّم به، وكذلك فإنّ أيّ نائب من حقه أن يقدّم اقتراح قانون. وفي النهاية، لا يُقرّ القانون إلّا بتكامل بين الحكومة ومجلس النواب.

وتزامناً، يعود ملفّ التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية اللبنانية إلى الواجهة السياسية، مطلع الأسبوع، مع الانعقاد المرتقب للّجان النيابية المشتركة، برئاسة رئيس المجلس النيابي نبيه بري.. وسط حسابات متضاربة لاعتبارات سياسية وطائفية.

وكانت مصادر الرئيس اللبناني ميشال سليمان نقلت عنه أمس القول إنه يولي اهتماماً كبيراً لموضوع التنقيب عن حقول النفط والغاز الموجودة في المياه اللبنانية، وأنه استمع إلى شرح مفصّل حوله من وزير الطاقة والمياه جبران باسيل.

كما نقلت المصادر عن الرئيس سليمان قوله إن هذا الموضوع مهم جداً، ويجب أن توضع التشريعات القانونية اللازمة له من أجل تحديد كيفية استفادة لبنان منه.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه من المقرّر أن تعقد اللجان النيابية المشتركة جلسة غد برئاسة الرئيس بري، للبحث في اقتراح القانون المتعلّق بالتنقيب عن النفط المقدّم من النائب علي حسن خليل، في جلسة هي الثانية بعد تطيير نصاب الجلسة السابقة، حيث اتهم نواب المعارضة كتلة المستقبل وحلفاءها بتطيير نصاب الجلسة.. علماً أن بري أعلن أنه «في حال تكرّر تعطيل النصاب، سيستمر في الدعوة إلى جلسات متتالية، وإلى ما شاء الله».

وبدا واضحاً من خلال مسار المناقشات أن فريق الأكثرية يصرّ على «تلزيم» موضوع النفط للحكومة، عبر القول إن هناك مشروع قانون مقدّماً من وزير الطاقة وهناك لجنة حكوميّة تمّ تشكيلها لهذه الغاية ولا يجوز للمجلس وضع يده على الموضوع.

وردّاً على سؤال عما إذا كان نواب كتلة المستقبل سيحضرون جلسة اللجان المشتركة، قال النائب سيرج طور سركيسيان لـ «البيان»: لا يوجد أي قرار بعدم حضور جلسة اللجان المشتركة، وهذه شأنها شأن أية جلسة تعقدها اللجان النيابية، والأمر المستغرب هو أن يُثار هذا الضجيج الإعلامي حول تطيير النصاب، وهذا غير صحيح».

من جهته، أكد وزير الطاقة أنه لن يوفّر جهداً لإقرار القانون المتعلّق بالتنقيب عن النفط بالسرعة اللازمة، خصوصاً أن هناك تهديدات إسرائيلية تتطوّر في هذا الإطار، قائلاً: «بالأمس سمعنا كلاماً جديداً حول قضية الحدود البحرية للمنطقة الاقتصادية الخالصة، وكلاماً إسرائيلياً مناهضاً لكل القوانين الدولية بتحديد نقطة الحدود.. نتمنى الإسراع في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لترسيم الحدود البحرية، أولاً بتصديقها من المجلس النيابي، وثانياً بإرسالها إلى الأمم المتحدة لإعلامها بها».

وردّاً على سؤال «البيان» حول وجود وجهتَي نظر في اللجان المشتركة، أكد باسيل أن المطلوب هو التعجيل في إقرار القانون و«أن يبذل الجميع في الحكومة والمجلس النيابي الجهد في هذا الاتجاه، ولا سيما أن أي عرقلة لهذا الموضوع غير مسموحة، ويمكن اتهامها بعد ذلك بأمور أخرى، ونحن لا نريد أن نخدم أحداً بتأخير إقرار القانون».

إلى ذلك، علمت «البيان» أن الوزير باسيل يقوم بمسعى بين الرئيسين بري وسعد الحريري من أجل الإسراع في إقرار قانون تنظيم قطاع النفط، خصوصاً أنه قانون واحد، سواء جاء من طريق اقتراح قانون مقدّم من النائب علي حسن خليل، أم من طريق مشروع قانون مقدّم من الحكومة، لأنه هو نفسه مشروع القانون الذي كان وضعه باسيل ورفعه إلى الحكومة قبل ثلاثة شهور، لكنها تأخّرت في طرحه لانشغالات عدّة، منها الموازنة وملفات أخرى مستعجلة.

بيروت - وفاء عواد