العالم العربي تتراجع مواقعه في إطار العولمة. لكن هذا ليس قدرا وحيدا محتوما، والخروج من هذا الوضع ممكنا ولكنه يتطلّب شروطا عدة لا بدّ من تحقيقها.
المطلوب أولا إعادة التفكير بواقع العالم العربي على ضوء التبدّلات التي عرفتها بلدانه من جهة، وعلى ضوء الرهانات والتحديات التي تطرحها العولمة، من جهة أخرى.
الخطوة الأولى تكمن في تنقية الأجواء، ثم الانتقال إلى بناء مؤسسات جديدة في ذهنية وحدوية، كتأسيس بنك عربي للتنمية الاقتصادية على غرار البنك الأوروبي للتنمية الاقتصادية، والشروع في إقامة مجموعات إقليمية تؤدي بعد حين إلى درجة من التنسيق على المستوى العربي العام. ومن المطلوب في هذا الإطار تبنّي مشروع «مارشال» حقيقي لرفع مستوى البلدان العربية الأكثر فقرا.
وهناك أهداف مستقبلية ينبغي العمل على تحقيقها، في مقدّمتها تبنّي سياسة زراعية مشتركة، وتكامل صناعي بعيد عن المنافسة، وضمّ الجهود في مجال البحث العلمي والتكنولوجي. وهكذا يمكن للعالم العربي أن يواجه التحدي الحضاري، في مواجهة صعود مشاريع حضارية أخرى.
العالم العربي يعاني من التراجع بمواجهة العولمة. هذا ما يشرحه مؤلف الكتاب، بصورة مطولة، ويقدّم ما يعتقد أنه الأسباب الموجبة لذلك. لكنه يؤكّد في المقابل على أن هناك العديد من المعطيات الموضوعية التي تدلّ على وجود آفاق أخرى مفتوحة أمام العالم العربي. والمهمّ هو تأمين الشروط التي لا بدّ منها لولوج تلك الآفاق.
إن شعوب العالم العربي على قناعة تامة بوحدة مصائرها، مهما كانت العوائق التي تكبح ذلك في هذه الحقبة التاريخية أو تلك. هذه المشاعر لا تزال حاضرة وقويّة، ولم يؤدِ الزمن ولا أيّ نظام سياسي إلى تخريبها. ومن الصعب تصوّر أن يقوم نظام سياسي عربي بمخاطرة فصل كيانه عن العالم العربي.
ويرى المؤلف أن مثل هذا الوضع يحمل في طيّاته مفارقة واضحة. فمن جهة، هناك قناعة بالانتماء إلى نفس الحيز الحضاري، ومن جهة أخرى، ليست هناك أيّة جهود من قبل الدول لتوحيد الصف العربي. وما يتم تأكيده في التحليلات المقدّمة هو أن هذه المفارقة ليست مرشّحة للزوال إلاّ إذا جرت إعادة النظر بالمفاهيم الأساسية للعالم العربي ولّلأمّة العربية، على ضوء مسيرة التطوّر والتبدّل التي عرفتها البلدان المعنيّة، من جهة، والتحديات والرهانات التي تطرحها العولمة، من جهة أخرى.
ويرى المؤلف أن المطلوب اوّلا هو قراءة الواقع كما هو، والإقرار أنه ليست هناك اليوم إرادة لدى جميع مكوّنات العالم العربي للعيش المشترك في أطار سياسي ودستوري ينتج مؤسسات مشتركة تبرهن على الانتماء إلى نفس المجموع.
هذا هو الحال منذ قيام الدول والشعوب بعد الاستقلال السياسي، حيث لم تقم أيّة بنى توحيدية مثلا على غرار المجموعة الأوروبية المشتركة، وتطوّرها إلى الاتحاد الأوروبي. ويتم هنا التركيز على أن الإتحاد الأوروبي لا يقوم أصلا على مفهوم أمّة أوروبية غير موجودة، ولكنه يمثّل مجموعة متناسقة مزوّدة بمؤسسات مشتركة، وبعملة موحّدة، وربما غدا بسياسة موحّدة، على صعيد الدفاع والسياسة الخارجية.
خطوات لا بدّ منها
يحدد المؤلف شرطين تمهيديين لا بدّ من تحقيقهما لتنقية الأجواء وفتح الآفاق أمام العالم العربي في سياق العولمة الراهن. الشرط الأوّل هو عدم تدخّل أي بلد بالشأن الداخلي للبلدان الأخرى. فقد حان الوقت للتخلّي عن ممارسات تعود إلى حقب أخرى. وينبغي أن تقود تسوية الخلافات العربية إلى أجواء من التهدئة والثقة والسلام. وبتعبير آخر، ينبغي على البلدان العربية أن تتقبل بعضها كما هي، كي تستطيع أن تصوغ شخصيتها المشتركة تدريجيا.
الشرط التمهيدي الثاني هو أن تلتزم جميع البلدان العربية بعدم انتهاج سياسيات خارجية يمكن أن تعرّض للخطر بلدانها بالدرجة الأولى، وبالتالي العالم العربي. تتم الإشارة هنا إلى الحالة العراقية، التي لم تؤدِ إلى هشاشة العراق فحسب، ولكن إلى هشاشة العالم العربي برمّته.
عندما يتم تحقيق هذين الشرطين التمهيديين، يغدو من الممكن الانتقال إلى خطوة أخرى، وهي التزوّد بمؤسسات جديدة على غرار الاتحاد الأوروبي، الذي يشكّل، بنظر المؤلف، نموذجا فريدا وعمليا قدّم البراهين على فاعليته. ثم إن المؤسسات العربية المشتركة القائمة لا تستجيب لبلوغ أهداف مجموعة اقتصادية وتجارية، وبروز مجال عربي موحّد.
ولا يتردد المؤلف في القول إن المؤسسات العربية لا بدّ لها، كي تكون فاعلة، من أن تندرج في قالب اتحاد عربي ينبغي تأسيسه بشكل لا يتم النكوص عنه. ومن الأمثلة التي يوردها المؤلف إمكانية المحافظة على صندوق النقد العربي، واستكماله بإنشاء بنك عربي للتنمية الاقتصادية على غرار البنك الأوروبي للتنمية الاقتصادية، وبحيث لا يقل رأسماله عن 50 مليار دولار.
إن العالم العربي يتسم، من جهة، بقدر كبير من التفاوت بين بلدانه، ومن جهة أخرى، بالتباين الكبير بين منطقة وأخرى. مثل هذا الواقع ينبغي أخذه بعين الاعتبار في منظور إعادة هيكلة جديدة.
هنا أيضا يرى المؤلف أنه من المفيد استخلاص الدروس والعبر من تجارب الاتحاد الأوروبي والمجموعة الاقتصادية الإفريقيةـ التي تأسست عام 1991 من قبل منظمّة الوحدة الإفريقية.
وكانت هذه المنظمة قد أشادت بتأسيس مجموعات اقتصادية إقليمية. ويرى المؤلف أنه يمكن تصوّر مثل هذه المقاربة بالنسبة للعالم العربي. وقد يكفي التأمّل بخارطة جغرافيته، وأخذ المعطيات الاقتصاديّة بالاعتبار، كي ترتسم أمامنا أربع مجاميع إقليمية على أساس عوامل طبيعية واقتصادية متناسقة. هذه المجاميع الإقليمية يتم تحديدها كالتالي:
* موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس.
*ليبيا ومصر والسودان وجيبوتي والصومال وجزر القمر.
* مجموع بلدان مجلس التعاون الخليجي.
*لبنان وفلسطين وسوريا والأردن والعراق واليمن.
ومن السمات الأساسية التي يتم التأكيد عليها في هذه المجاميع الإقليمية وجود نوع من التوازن بداخلها، حيث توجد في كل منها بلدان أكثر تطوّرا، يمكنها أن تقوم بدور القاطرة للبلدان الأقل تطوّرا.
ويعرض المؤلف في هذا السياق أطروحة تقول أن كل مجموعة إقليمية سوف تحقق الأهداف المشتركة للعالم العربي بمجمله. ويرى أنه ينبغي لهذه المرحلة، التي قد تستمر ما بين 10 و15 سنة، أن تؤدي إلى بروز مجموعة واحدة متوازنة بهذه الدرجة أو تلك. لكن لا بدّ من الشروع بتنفيذ مشروع «مارشال» حقيقي، كالذي عرفته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لصالح البلدان العربية الأكثر فقرا من أجل رفع مستواها خاصّة في مجال البنى الأساسية الضرورية.
وسيكون على بلدان كل مجموعة إقليمية، حسب الرؤية المطروحة، تقديم الجهود من أجل البحث عن أشكال لتعزيز اندماج اقتصاداتها، من جهة، والتقريب بين تشريعاتها بمنظور درجة من التوحيد على الصعيد العربي العام، من جهة أخرى. بهذا المعني تكون الغاية النهائية للمجموعات الإقليمية هي الانحلال بعد فترة انتقالية، يتم خلالها تحسين مستوى المجموعة الأعم التي يمثلها العالم العربي.
أهداف للمستقبل
بالتوازي مع مثل هذه الإستراتيجية يتم التأكيد على ضرورة أن يبذل العالم العربي الجهود من أجل تحقيق بعض الأهداف المشتركة، لتعزيز وحدة موقفه، واستقلاله، وموقعه، على الساحة الدولية، وفي مواجهة تحديات العولمة. ويرى المؤلف أن الأولوية قد ينبغي أن تُعطى في المرحلة الأولى للعمل في الميادين التالية:
ـ تبنّي سياسة زراعية مشتركة لضمان الأمن الغذائي، ذلك أن العالم العربي يعاني عامّة من العجز في هذا المجال. فهو يمتلك إمكانيات زراعية هائلة، خاصّة في السودان وبلدان المغرب، ويستطيع أن يسد حاجته، بل ويمتلك فائضا غذائيا.
صناديق تطوير الزراعة ينبغي أن ترى النور في هذه الحالة. ثمّ إن تطوّر الظروف الدولية يسمح بالقول أنه لن يكون هناك خلل في التوازن بين العرض والطلب للمنتجات الزراعية، فحسب، بل إن أسعارها سوف ترتفع أكثر فأكثر. وهناك خطورة من أن يدفع العالم العربي في المستقبل ثمن غذائه غاليا.
ـ تبنّي سياسة تكامل صناعي بالاعتماد على الإمكانيات والأوراق الرابحة التي يمتلكها العالم العربي. وهنا أيضا ينبغي قبول حد أدنى من التفاهم مع بعض التنازلات من الجميع، وفي إطار التكامل وليس التنافس، وتأمين سبل تمويل مثل هذه الإستراتيجية للتكامل الصناعي.
ـ تبنّي سياسة مشتركة في ميادين البحث العلمي والتكنولوجي. وهذا يتطلّب إمكانيات مالية وبشرية هائلة تتجاوز إمكانيات أي بلد عربي بمفرده. هناك بعض البلدان تمتلك قاعدة أساسية في هذا المجال لكنها متواضعة، ولا تستطيع الارتفاع إلى المستوى المطلوب. ومن المهم، في هذا المجال، تأسيس صناديق خاصة لتمويل النشاطات في القطاعات النووية والفضائية والتكنولوجيا الحيوية.
ـ تأمين حرّية انتقال وإقامة الكوادر والباحثين الجامعيين في شتّى أنحاء العالم العربي. وهذا يسمح بتجنّب هجرة العقول العربية نحو بلدان أخرى. بل وسيساهم هذا في عودة الكثيرين إلى البلدان العربية ممن هاجروا إلى الخارج في ظروف سابقة. وهذه هي بالتحديد السياسات التي كانت قد انتهجتها بلدان صاعدة عدة، ليس أقلّها الصين والهند وباكستان.
هذه الميادين ليست كل شيء، ولكنها تثبت أنه يمكن «تحريك» الأمور، وتوجّه العالم العربي نحو إمساك مصيره بيده. وليس هناك أي بلد عربي قادر على أن يواجه وحده تحديات العولمة. بل بالعمل المشترك والمتضامن ستمتلك البلدان العربية مجتمعة مثل هذه الإمكانية. ويدفع هذا المنطق المؤلف إلى حد القول أن هذه البلدان تجد نفسها أمام معضلة في منتهى البساطة، تتمثل بالاختيار بين توحيد الجهود، أو الزوال. وهناك تحدٍ حضاري آخر هذه المرّة، كما يحدد المؤلف، ففي سياق العولمة الراهنة يثبّت الأقوياء مواقعهم، ويبرز آخرون.
العالم الأميركي، الاتحاد الأوروبي، الصين، روسيا، الهند، واليابان، كلها تؤكّد نفوذها. وكل منها تحمل حضارة وطموحات. ولا يمكن للعالم العربي أن يقبل التخلّي عن تراثه ومساهمته في الحضارة الإنسانية، في زمن عظمة العالمين العربي والإسلامي، وهو مطالب بأن يعيد إيجاد مجال حضاري قائم على التقدّم والتسامح والحداثة.
تأليف: صلاح موهوبي
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: فايار- باريس -2009
