بعد إصدار مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر الماضي قراراً دولياً بفرض عقوبات ضد - اريتريا بتهمة دعم المعارضة الصومالية المسلحة واحتلال أراض جيبوتية شمل فرض حظر على مبيعات السلاح وحظر سفر بعض المسؤولين وتجميد أموال في الخارج، طلبت «البيان» من - السلطات الاريترية السماح لها بزيارة عدد من المعسكرات التي ذكرت وسائل الإعلام الغربية - وناشطون في المعارضة الاريترية في الخارج أنها تستخدم في تدريب معارضين صوماليين أو يوجد بها عسكريونٍ أجانب أو مقاتلون يمنيون حوثيون وذلك بغرض إجراء تحقيق صحافي.
وجاء الرد سريعاً من أحد كبار مساعدي الرئيس أسياس افورقي بالموافقة على زيارتنا والسماح لنا بالدخول. بدأت رحلة البحث والتحري والتحقيق الصحافي لـ «البيان»، التي يؤكد المسؤولون الإريتريون أنها أول صحيفة أجنبية يسمح لها بدخول معسكرات الجيش والتحقيق والتصوير فيها منذ قيام الدولة، من معسكر ساوا على الحدود مع السودان قبل أن ننتقل جنوبا إلى مدينة عصب الساحلية لنتجول في مصفاتها النفطية القديمة التي يقال إن خبراء إيرانيين يعملون على تطويرها وأن بها قوات إيرانية تحرسها. كما شملت الزيارة معسكرات كليما التي قيل إن مقاتلين حوثيين وصوماليين يتدربون فيها.
وشملت زيارتنا أيضا جبل رأس دوميرة المتنازع عليه بين اريتريا وجيبوتي والذي سبق أن منعت السلطات الارترية بعثة الأمم المتحدة من الصعود إليه في إطار التحقيق في النزاع الحدودي مع جيبوتي منذ شهر مايو 2008. كما شملت الزيارة شبه جزيرة ؟حالب التي قالت الدول الغربية إن الإيرانيين يديرون فيها مصنعا متطورا للزوارق الحربية السريعة.
كما شملت جولة «البيان» أيضاً معسكر رأس درما الذي يعد أكبر منطقة عسكرية في عصب وفي إقليم جنوب البحر الأحمر بأكمله ويوجد به مقر القيادة البحرية في ذلك الإقليم، إضافة إلى زيارة لمعسكرات: قلعلو وأكليلو ومرسى فاطمة قبل أن نتجه شمالاً إلى ميناء مصوع لننطلق منه إلى جزيرة دهلك التي قيل إن بها منصات صواريخ إسرائيلية وأحيانا إيرانية.
معسكر ساوا
بدأنا جولتنا الصحافية في معسكر ساوا الذي يسمى حالياً بـ «مركز التدريب لقوات الدفاع - الاريتري». وهو يقع على بعد 35 كيلومتراً شمال غربي العاصمة أسمرة وبالقرب من الحدود مع السودان،حيث كان مفتوحا في السابق للمعارضة السودانية التي كانت تدرب فيه قواتها العسكرية.
و تحول المعسكر الآن إلى مجمع رئيسي ووحيد للتجنيد الإجباري للطلاب والطالبات لكافة المناطق والأقاليم الإريترية. يصعب على المرء التأكد من نوع المعاملة التي يتلقونها من القائمين على هذا المعسكر الذي تصفه المعارضة الإريترية بأنه «سجن كبير لهؤلاء الطلاب والطالبات».
ويقع معسكر ساوا في منطقة جبلية وهو محاط بجبال شاهقة من ثلاث جهات. كما تنتشر داخل المعسكر الكثير من التلال الجبلية الصغيرة ويوجد به فندق راق اسمه ورساي أنشئ العام 2002 مؤلف من طابقين يقع على تل جبلي وإلى جواره برج للإرسال الإذاعي وإذاعة محلية يصل مداها إلى 50 كيلومتراً.
مشكلة التجنيد
ولكن تبقى المشكلة أن الخدمة الوطنية الإلزامية في اريتريا تختلف عن مثيلاتها في بقية دول العالم لأنها مفتوحة وغير محددة بفترة زمنية معينة، كما يمنع الشباب من السفر للخارج لتحسين أوضاعهم المعيشية.
وفي إحدى حواراتي السابقة مع أفورقي برر ذلك قائلاً: «الخدمة الوطنية الإلزامية موجودة في كل الدول، ولكنها بالنسبة لنا ممتدة لأننا أصبحنا رهينة للخلاف الحدودي مع إثيوبيا».
وأضاف أفورقي: «كان لدينا اتفاقيات مع الأمم المتحدة والبنك الدولي لإيجاد مفوضية لتسريح من أكملوا خدمتهم الإلزامية، إلا أنها أعيقت من قبل الإدارة الأميركية السابقة. أما بالنسبة للعمل في الخارج، فإننا وقعنا اتفاقيات مع عدد من دول الخليج مثل السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر حيث يعمل آلاف الشباب في هذه البلدان».
موسوليني وتشرشل
خرجنا من معسكر ساوا وبدأنا رحلة العودة إلى أسمرة عبر طريق طويل يمر بمنطقة اغرودات التي ينتمي إليها مرافقي عبدالله دامر ومدينة كرن ذات الطابع السوداني والتي خاض فيها الجيش السوداني إبان الحرب العالمية الثانية معركة شرسة ضمن قوات الحلفاء لدحر القوات الإيطالية بقيادة موسوليني ما جعل رئيس الوزراء البريطاني تشرشل يعدل عن فكرة الاستسلام للألمان.
حركة بتصريح
ولكن أسو ما يواجه الزائر الأجنبي في اريتريا أنه لا يستطيع أن يتنقل الا بالحصول على تصريح أمني مسبق. وبعد حصولنا للتصريح الأمني الذي يخولنا السفر برا إلى المناطق الساحلية من مصوع إلى عصب جنوبا عبر الشريط الساحلي المطل على البحر الأحمر، انطلق بنا السائق الماهر أخليلو الذي يعمل في قسم البروتوكول إلى مصوع عبر شبكة طرق لولبية تتلوى كما الثعابين.
وفور وصولنا إلى عصب وقبل الذهاب للفندق توجهنا إلى مقر القيادة العسكرية في المدينة واستقبلنا أحد موظفي الجنرال قريز قبهرآند ريام قائد المنطقة العسكرية لإقليم جنوب البحر الأحمر ولم يكن يعلم مسبقا بمهمتنا ولكن مرافقي عبدالله دامر شرح له الهدف من الزيارة وأبرز له التصريح الأمني وأخبره بأنني قادم بناء على موافقة الحزب الحاكم «الجبهة الشعبية» ووزارة الإعلام، فاتصل بالقائد الذي كان هو ونائبه خارج المدينة وأخبره بما سمع فوافق على الفور. ومن المؤكد أن القائد نفسه اتصل بقيادة الحزب قبل أن يأذن لنا بذلك لأننا كنا في انتظار الموافقة لأكثر من ساعة.
بعد أن حصلنا على الموافقة قمنا بزيارة لمصفاة النفط في عصب التي ذكر الغرب والمعارضة الإريترية في الخارج أن خبراء إيرانيين يعملون على تطويرها وأن بها قوات إيرانية كبيرة تحرسها.
ونفى أحد الضباط أن يكون هناك اي فنيين إيرانيين زاروا المصفاة في وقت سابق تمهيدا لتطويره، وقال إذا كانت هناك اتفاقية مع إيران تطوير المصفاة كما أخبرتني فإنه بالتأكيد لم يتم تفعيلها.
ولم نلحظ في الجولة التي قامت بها «البيان» إلى مدينة عصب أي وجود أجنبي لافت في هذه المدينة الصغيرة التي تتشكل غالبية سكانها من قبائل الفعر المسلمة خاصة وأن عصب كانت تاريخيا جزءا من سلطنة أوسا العفرية قبل أن يتعاظم النفوذ الإيطالي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
أسمرة - عبدالنبي شاهين

