خلال افادته، عن الوضع في أفغانستان، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي قبل أيام؛ أصيب الجنرال دافيد بتريوس بالإغماء. صدفة وكأنه جرى ترتيب ظروفها.
فالحادثة، بالرغم من طابعها الصحي؛ تعكس واقع حال خطة أوباما المتعثرة هناك. أو تغري بإسقاطها على هذه الخطة. فالجنرال، من موقعه ودوره في التصعيد العسكري الأخير هناك؛ يقف على حقيقة الوضع واحتمالاته.
وقد أدلى بشهادته ـ قبل سنة من بدء الانسحاب الذي وعد به الرئيس أوباما ـ بصيغة تطرح علامة استفهام كبيرة حول إمكانية تنفيذ الوعد الرئاسي في موعده. وهو يعرف أن هذا الاحتمال الراجح، محرج له؟ لأنه كان أحد الداعين إلى التصعيد، من باب نسخ تجربته في العراق ـ بقدر ما هو مكلف سياسياً للرئيس. فهذا الأخير وضع مشروعه كمخرج من الورطة التي ورثها من سلفه. كلام بتريوس، يشي بأن خطة أوباما في مأزق. وقد تفاقم بانفجار الخلاف حولها بين الجنرال ماكريستال والبيت الأبيض كما بين لندن وواشنطن.
الرئيس أوباما وقع من البداية، في أزمة. السلام كان محور خطابه الانتخابي. لكن مع دخوله البيت الأبيض، بدا أنه لا يملك رؤية محدّدة وحاسمة؛ إزاء حرب أفغانستان. استمرار النقاش والجدل داخل الإدارة لعدة أشهر، عكس حالة التخبط. بالنهاية رسا، أواخر عامه الأول، على صيغة وسط؛ بين استمرار الموروث وبين تعديله.
من جهة، اعتمد التركيز على بناء المؤسسات الحكومية الأفغانية. ومن جهة أخرى، وافق على تعزيز القوات بإضافة ثلاثين ألف جندي، بناء على إلحاح العسكريين. وبالتحديد بتريوس، قائد قوات المنطقة العالمية الوسطى والجنرال ماكريستال، قائد القوات في أفغانستان. لكن موافقته جاءت مشروطة، بمنح هذا الخيار مدة تنتهي في يوليو 2011، بحيث يبدأ الانسحاب في هذا التاريخ.
عشية بدء العد العكسي لهذا الموعد، يبدو من تقييم بتريوس أن الواقع على الأرض، بشقيه العسكري والمدني؛ مخالف للتوقعات. وقد تأخذه فترة طويلة قبل أن يتوافق معها. في ردّه على استفسار حول ما إذا كان بالإمكان ترجمة التزام الرئيس، بمباشرة الانسحاب بعد سنة من اليوم؛ كان جوابه أشبه ب»لعم». ترك الاحتمال معلقاً.
بل مستبعد. على الصعيد العسكري، منذ زيادة عدد القوات الذي بات يقارب المئة ألف جندي؛ لم يحصل سوى استرجاع منطقة هلمند من طالبان. معركة تطهير قندهار، التي يجري الإعداد لخوضها بعد حوالي شهر، تجمع توقعات الخبراء بأنها ستكون طويلة وصعبة.
يزيد من إرباك العمليات العسكرية القادمة، أنه مع حلول فصل الصيف، يزداد تدفق عناصر طالبان عبر الحدود الباكستانية، إلى مختلف المناطق الأفغانية. على صعيد عملية «بناء الدولة» لبسط سيطرة الحكومة على كافة الأراضي الأفغانية؛ ما زالت المحاولة في بداياتها.
اختراق جدار العلاقات القبلية، مسألة شاقة؛ كما تتحدث عنه التقارير الأميركية. يلزمها وقت، ليس أقل «من خمس سنوات». يزيد من الصعوبة، ضمور وربما انعدام الثقة بحكم الرئيس كرزاي؛ مما يترك لطالبان اليد الطولى في استقطاب المقاتلين، كما في منع المواطنين، عبر التخويف، من التعاون مع الهيئات الحكومية التي يجري تأسيسها خارج كابول.
الفريق المدني الأميركي، وجد أن عملية تركيب وإقامة نظام حكومي؛ أصعب من هزيمة طالبان. القناعة السائدة لدى أوساط « الناتو»، أن مثل هذه الهزيمة مستبعدة. كثير من دوله، إما تطالب بجدول للانسحاب ـ مثل بولندا ـ وإما في طريقها لسحب قواتها ؟ مثل الدانمرك ـ. وحتى بريطانيا باتت تجد صعوبة في مواصلة مشاركتها. في آخر استطلاع، أعرب 64% من البريطانيين عن اعتقادهم بأن الحرب عصية على الحسم.
المبعوث البريطاني في كابول غادر لخلافه مع الأميركيين واعتقاده أن الخيار العسكري فاشل.
الشق العسكري من خطة أوباما موضع شكوك كثيرة وخلافات، أطاحت بماكريستال. الشق المدني لبناء دولة وحكومة فعالة، الذي يراهن عليه أوباما لانسحاب يحفظ ماء الوجه، متعثر ويلزمه سنوات. احتضان واشنطن لكرزاي المشكوك بشرعيته زاد من الصعوبة. ضبابية ووسطية الرؤيا الأوبامية اصطدمت بواقع عنيد، تتعذر معالجته بغير تسوية سياسية على قياسه.
فكتور شلهوب
