تعد الإثنية والطائفية الداء العضال الذي ينخر في عظام الأمة العربية، بل أنه معول الهدم الأخير الذي يستهدف هدم المشروع العربي، والأداة الناجعة في يد أعداء الأمة العربية في تمزيق الجسد العربي من خلال تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ،.

ولم يعد يمر يوما إلا ونسمع ونشاهد ونتابع عن أحداث مأساوية تكون أحد المناطق بإحدى دولنا العربية مسرحا لها بسبب الإثنية والطائفية على اختلاف أنواعها، وما يستلزم دق ناقوس الخطر حول هذا الخطر الداهم لعلنا نستطيع المقاومة والقضاء على هذا الخطر قبل فوات الأوان، والبكاء على اللبن المسكوب كما تعودنا دوما في عالمنا العربي.أيمن فايد الباحث الاستراتيجي بمركز دراسات الشرق الأوسط أكد أن مشكلة الإثنية أو الاندماج الوطني تعد من أعقد المشكلات التي تواجه الدول العربية منذ استقلالها، وأن هذه المشكلة باتت تشكل الظاهرة الأصلية التي تنبثق عنها كافة مشكلات المنطقة العربية كظواهر فرعية لها، مشيرا إلى أنه بدون التوصل لإيجاد حلول لهذه المشكلة فإنه سيكون من الصعوبة بمكان أن يتحقق للجسد السياسي العربي ذلك القدر من الاستقرار الذي يمكنه من مواجهة كافة المشكلات الأخرى.

وأضاف أنه على الرغم من تواجد ظاهرة الإثنية في الكثير من الدول والمناطق حول العالم بما في ذلك دول العالم المتقدم مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وكندا وبلجيكا وبريطانيا وأسبانيا، إلى جانب دول أخرى مثل الهند وباكستان وأفغانستان وإيران، وغيرهم الكثير من الدول، غير أن المنطقة العربية مرشحة أكثر من غيرها لأن تكون أكثر عنفوانا نظرا لاستهداف المنطقة فهي بامتياز تمثل مستقبل العالم. انهيار الدولةوعقد فايد مقارنة حول الإثنية بين أربع دول وهي العراق والصومال ومصر والإمارات العربية المتحدة، حيث تعد العراق صورة مصغرة للإثنية في العالم بما تحويه من كل أنواع التعدديات (التعددية الدينية، واللغوية، والثقافية، والاقتصادية، والاقليمية، الإثنية)، ويحدث بها ما يحدث من اثنية طائفية.

وتابع أنه بالنسبة للصومال فهي على النقيض تماما فهي البلد الوحيد في العالم كله التي ليس بها أي تعددية من تلك التعدديات الست ومع ذلك وقعت مشكلة الاندماج الوطني، وانهيار الدولة في الصومال بصورة أبشع مما حدث في العراق أو في أي مكان أخر في العالم، حيث تمتاز الصومال بشعب يتشكل من أمة ذات هوية قومية متميزة لا مثيل لها، بالإضافة لوحدة اللغة والدين باعتبارهم كلهم مسلمون سنة.وأضاف أما بالنسبة لمصر مثلا فإنه بها عدة تعدديات دينية واقتصادية واقليمية ولغوية، ومع ذلك لم تحدث مشكلة الاندماج الوطني فيها، وذلك لأنها عولجت ولكن بطريقة سلبية، فالمشكلة كامنة وفي أي وقت يمكن أن تخرج للسطح.

ولفت فايد إلى نجاح دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا الصدد، ونجاحها في اختراع حلم قومي لها، وهو حلم الوحدة، الذي اجتمع عليه الكل، وعلى الرغم من أن دولة الإمارات العربية بها تعددية اقليمية ومذهبية، إلا أنها استطاعت صنع حلم الوحدة الذي التف حول الجميع وشاركوا فيها.

تعارض وتضارب

من جانبه، أشار الدكتور أنور زناتي الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة عين شمس إلى أن مرض الاثنية والطائفية ينخر في عظام الوطن العربي من المحيط إلى الخليج فنجدها تبرز في أمثلة صارخة مثل السنة والشيعة والصابئة والجعفرية واليازيدية والأرثوذكس، إلى الإثنيات مثل الأكراد والتركمان والبربر والأرمن، والدروز والمارونيين النوبيين الخ.

وأضاف أن الطائفية والمذهبية تمثل تهديد لمقومات ومصير المجتمعات بأكملها وتؤدى بالتأكيد إلى بروز الصراعات الإثنية والطائفية، والتي بلا شك تعمل لأطراف وجهات تتربص بمنطقتنا العربية، في محاولة لاستغلالها للسيطرة على خيرات المنطقة، والسعي لتأجيجها على الأقل لضمان انهيار العالم العربي بأكمله وهو ما من شأنها أن يعيدنا إلى العصور المظلمة.

وأوضح أن العلاقات داخل الوطن العربي تميل إلى التعارض والتضارب أكثر مما تميل إلى التوافق مما يعني أن أي أزمة ستجد بسهولة التربة الخصبة لكي تنمو وتنتشر ففي العراق لعبت الطائفية والإثنية سلاحا في انهيار النظام العراقي بالكامل وتشتته في مواجهة العدو المشترك، وقد أحدثت الطائفية من الشيعة والسنة في العراق ولبنان فجوات صارخة بين الطائفتين واستخدام السلاح كل طائفة ضد الأخرى.

وفي مصر نجد أن محاولات الإصلاح بين عنصري الأمة والتي تعقب كل صدام يحدث بين الطرفين تبوء بالفشل، لأن العلاقات بين عنصري الأمة المصرية وصلت إلى أسوأ مراحلها، لأن الحلول تكون شكلية ومظهرية أكثر منها حلولا جذرية فعالة، مشيرا إلى أن نفس السيناريو القائم في العراق وفي مصر تدور أحداث مشابهه له في الكثير من الدول العربية في لبنان والسودان واليمن والجزائر وسوريا، وغيرها من الدول العربية.

ويرى زناتي أن الحل يكمن في ضرورة تفعيل التعامل القانوني والقضائي العادل والحاسم في مواجهة التعديات التي تقع من أتباع أي طرف تجاه الأطراف الأخرى على أساس المواطنة، وأن تكون المواطنة هي أساس التعامل، وأن يكون القانون هو الفيصل في العلاقات بين مختلف الأطراف، على أساس المساواة والعدالة.

كما شدد على ضرورة الرفض التام لأي تدخل خارجي، وعدم السماح لأي طرف خارجي أن يستغل تلك الفوارق والاختلافات في ضرب الوحدة الوطنية في مقتل ونشر الفتنة الطائفية بين الجانبين، لأن الجميع سيخسرون، وسيكون الوطن هو الخاسر الأكبر من كل ذلك.

شعوبنا تخندقت داخل الحزب فضاعت هيبة الدولة

قال رئيس جمعية ميثاق العمل الوطني في البحرين أحمد جمعة أن بعض الشعوب العربية انجرفت في السنوات الأخيرة نحو التخندق داخل الكتل، سواء الحزب أو الطائفية أو القبلية في سلوك لم تعرفه هذه الشعوب في العقود الماضية .

ولم تكن عليه خلال المراحل المختلفة من تاريخها باستثناء المرحلة الراهنة الممتدة منذ تأسس تيارات الإسلام السياسي الذي قسم المجتمعات العربية إلى مؤمنين وكفار وسنة وشيعة، ثم تم إقصاء الليبراليين والأديان الأخرى وجرى التقسيم ليشمل البيئة الواحدة ليصل الأمر إلى سلف وإخوان وجهاديين، ثم ينحدر إلى بيئات أخرى تتكتل داخل القبيلة أو الحزب.

وأوضح أن كل ذلك جرى من خلال تحول سياسي واقتصادي واجتماعي وصراعات وهزائم مرت بها الأمة العربية دفعتها لليأس والقنوط فاستغلت هذه الأجواء الكتل التي يهمها السيطرة على الأوضاع لمصالح ضيقة تتمكن خلالها من الهيمنة الكلية على المجتمعات العربية.

وأشار جمعة إلى أن المتابع اليوم مستوى الانحدار الذي نزلت إليه المجتمعات العربية وتحول المطالب السياسية المتمثلة في الديمقراطية والانفتاح وتحقيق الرخاء والرفاهية للشعوب إلى مطالب تتعلق بالحجاب والنقاب وأسلمة المجتمعات والتخندق داخل كتل سواء كانت قبيلة أو حزب أو أثنية أو غيرها من الخنادق التي أصبحت عليها الأوطان اليوم، كل هذا يدفع إلى الوقوف وتأمل هذه الحالة والأسباب التي نتجت عنها هذه الفقاعة المهيمنة على المجتمعات، وهي أسباب عديدة ذكرت في مقدمة الحديث بأنها نتاج صراعات ونكسات وهزائم ولكنها بالدرجة الأولى هي أسباب تقف وراءها وتشجعها على النمو أخطاء الأنظمة العربية التي سمحت من البداية بتقريب هذه الكتل وإتاحة الفرصة لها وإعطائها مبرر وجودها على الساحة.

وقال الصحافي إبراهيم النهام أن القبلية والأثنية من الركائز التي تحول دون أن يكون هناك مواطنة بالمفهوم الحقيقي، بمعنى تجسيد هوية المواطن المستقل والمبادر والمطالب بالتغيير وبترسيخ ثقافة التنوع والتعبير عن الرأي بلا قيود، موضحاً بأن المعنى في هذا المقام هو المواطن الذي تنشده الطبقة المثقفة الواعية، وهو ذاته المتحلل من مرجعياته الطائفية والعشائرية والقبلية.

وأبدى النهام أسفه من الآليات المتبعة في الدولة العربية التي تعيد إنتاج مجتمع ما قبل الدولة، وتثبت أن هذا المجتمع يبقى هامدا بلا حراك، مشيراً إلى أن الإشكالية ليست في الوصف بقدر ما هي في المسببات الحقيقية المعطلة عن العمل.

وأوضح أن ذلك التشخيص يقودنا إلى المطالبة بخلق مجتمعات مدنية فاعلة، والتي تشكل ـ بالأساس ـ عماداً من أعمدة الوعي بالمواطنة وممارسة الديمقراطية الصحيحة جنباً إلى جنب مع مبدئي المساءلة والمحاسبة كما هو الحال لدينا في مملكة البحرين رغم حداثة التجربة الديمقراطية، متسائلاً «كيف هو الحال في بلدان العالم العربي عموماً»؟

وأكد أن السؤال هنا مشروع، فالبعض حتى الساعة لا يعترف بوجود مجتمع مدني، أو بمجتمع مؤسساتي، فبنية السواد الأعظم من البلدان العربية تقوم على العشائرية أو القبلية والحكم العسكري مع استثناءات قليلة في ظل شبه الغياب التام للحياة الديمقراطية.

وأضاف «نعم لدينا مجتمعات مدنية، ولكن فعاليتها ضعيفة أو مهمشة كما يقول أكثر من باحث ومحلل ومتابع، لذلك ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بات سؤال المجتمع المدني في العالم العربي أكثر إلحالحاً من أي وقت مضى»، وقال «ما الذي يمنعه من المشاركة؟ وكيف يمكن تفعيل دوره؟

وما المطلوب لخلق بيئة ملائمة تسمح بتطوره؟ ما هو دور القطاع الخاص؟ وهل صحيح أن بعض الحكومات العربية تخاف من وجود مجتمعاتٍ مدنية؟، إنها تساؤلات تنتظر الإجابة».

منطقان متعارِضان يتحكّمان باللبنانيّين

الطائفية في لبنان علّة كل العلل.. وأسوأ ما فيها أن الطائفيّين يتنكّرون لها في الخطب والتصاريح، ويسلكون طريقها دون خجل أو وجل.. كما أن غير الطائفيين، باستثناء قلّة منهم، يكتفون في عملية محاربتها بأن يرجموها بمحاضرة أو ندوة، أو يشتمونها بمقالة أو دراسة، ومن وقت لآخر يشنّون عليها حملة هجاء تنتهي بتنظيم مؤتمر أو إصدار بيان، ثم تستكين القوى اللاطائفية مكتفية بالكلام لرفع العتب وكأنها أدّت قسطها من تلقين الطائفية درسا مفيداً.

وفي لبنان، بفعل التقليد وليس بحكم القانون، خمسة مناصب تتطلّب قيداً طائفياً، وهي: رئاسة الجمهورية (ماروني)، رئاسة مجلس النواب (شيعي)، نائب رئيس مجلس النواب (أرثوذكسي)، رئيس الحكومة (سنّي)، ونائب رئيس الحكومة (أرثوذكسي)..

أما المقاعد النيابية، فهي مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ونسبياً بين الطوائف والمناطق، في حين تندرج العضوية في الحكومة ومناصب الفئة الأولى، أو ما يعادلها في الإدارة والقضاء والمؤسّسات العسكرية والأمنية والمختلطة، في خانة المناصب التي تخضع، وفق أحكام القانون، للقيد الطائفي، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين..

وتبقى المناصب التي هي بلا قيد طائفي، وتشمل عضوية المجالس البلدية والاختيارية ورئاساتها والمختارين، والوظائف من كل الفئات ما عدا الفئة الأولى.

وحيال هذا الواقع، يرى الرئيس الأسبق للحكومة الدكتور سليم الحص أن اللبنانيين يعيشون اليوم «حالة انفصام وطني في الموقف من قضية إلغاء الطائفية السياسية»، ف«هناك منطقان متعارضان يتحكّمان بالساحة السياسية اللبنانية: منطق الإبقاء على النظام الطائفي ومنطق الدعوة إلى إلغاء الطائفية».

ولأن الحياة السياسية في لبنان «عليلة»، حسب توصيفه، يلفت الرئيس الحصّ إلى أن الشاهد على ذلك هو «هزال الممارسة الديمقراطية بمعناها الصحيح، حتى لا نقول انعدامها»، إذ «انعكس اعتلال الحياة السياسية اعتلالاً في الخطاب السياسي، فلا تواصل ولا حوار بنّاء بل مجرّد أصوات تتصادم عبر الأثير وعلى صفحات الجرائد.. هناك من يتحدّث وليس من يصغي».

و«لأن اللبنانيين توّاقون إلى أن يكونوا مواطنين متساوين أحراراً، في دولة مدنية لا تفرض ديناً بالإكراه ولا ترفض ديناً بالإنكار»، يؤكد رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني أن «الاحتضار» الزمني للنظام الطائفي في لبنان «قد يطول أو يقصر، لكن صلاحيته التاريخية انتهت».

وأن الأزمة السياسية التي يشهدها لبنان من وقت إلى آخر «ليست أزمة حكم أو حكومة فحسب، بل هي أزمة نظام وكيان»، مشدّداً على ضرورة «تكوين قوّة فكرية وعملية، لصياغة مشروع الدولة اللبنانية المدنية، المدخل لحلّ الأزمة اللبنانية العتيقة»، ولا بدّ أن تكون هذه القوة «شاملة ومستقلّة، لا أسيرة هذا الشخص أو ذاك، أو أسيرة هذه الطائفة أو تلك، أو هذه الدولة الشقيقة أو الصديقة تلك».

وهذا الواقع، بالنسبة إلى وزير العدل السابق بهيج طبّارة، لا يدعو إلى التشاؤم، بل بالعكس، ف«هو حافز مثير لنا للعمل بقوة وجدّ ومثابرة، من أجل تطوير نظامنا السياسي وإزالة ما يعتريه من عيوب وشوائب، على أن نواكب هذا التطور بعقلنا وعاطفتنا معاً، لكي تتحرّك مؤسّساتنا السياسية بالروح التي يزداد في ظلها اطمئنان الوطن إلى حاضره وإلى غده»..

أما الجهد، فيجب «أن يهدف إلى إزالة الحواجز المصطنعة التي يقيمها التعصّب الطائفي داخل المجتمع، بحيث يُتاح للبنانيين أن يتجمّعوا على أساس العقيدة والمبدأ أو على أساس المصلحة المهنية أو الحياتية».

وإذا كان النظام الطائفي في لبنان أرتكز على «نظرية التعدّديّة»، والتي أعطي لها ضمناً صفة «الدينية» أو «الطائفية» أو «الإثنية»، فإن هذا النظام «هجين»، في توصيف لوزير الإعلام طارق متري الخبير في حوار الأديان، ذلك أن غالبية اللبنانيين «مصابون بازدواجية الرأي والرؤية والمواقف».

ويضيف: «لست أستثني من بين هذه الأكثرية جماعة المثقّفين والعلمانيّين، الذين لا يتردّدون في مطالبتهم بإلغاء الطائفية على أنواعها من على المنابر والمنتديات والإعلام، وهم في المقابل يحتمون بطوائفهم التي تشكّل بالنسبة لهم حاضنتهم الأولى، يليها العشيرة فالقبيلة فالعائلة.. ليأتي الاحتماء بالوطن والتميّز بالمواطنيّة الصالحة آخر اهتماماتهم».

ومن زاوية إشارته إلى أن النظام اللبناني «علماني في أحد وجوهه»، يشدّد متري على أن هذا النظام «قابل للتطوير، إذا تخلّى السياسيون ورجال الدين عن مصالحهم الفئوية والطائفية الضيّقة، وأيضاً في استحداث قانون حديث للأحزاب التي باتت في غالبيتها متطيّفة، في ظلّ انحسار الأحزاب العقائدية عن لعب دورها الحقيقي، بعد محاولات كثيرة سبقت الحرب الأهلية لعلمنة ثقافية تمكّنت ميليشيات الأمر الواقع الطائفية من محاصرتها، اعتباراً من أن العين لا تقاوم المخرز».

وبحسب رأي رئيس «حركة الشعب» النائب السابق نجاح واكيم، تكمن مشكلة لبنان في «فقدان روح المواطنة التي تجمع اللبنانيين على الولاء والوفاء للوطن الواحد، وفي طغيان الفئوية والمذهبية والطائفية.

وهي جملة عصبيات تتصادم وتفرّق بين أبناء الشعب الواحد»، مؤكداً أنه «يوم يوم تسود روح المواطنة اللبنانية والعربية، يستعيد لبنان حصانته في مواجهة كل التحدّيات الداخلية والخارجية، وتعود العافية إلى الحياة العامة فيه وتنفتح آفاق الحرية والديمقراطية وسائر حقوق الإنسان، وكلها من القيم الحضارية التي يفتقر إليها لبنان في الوقت الحاضر».

وعن فشل التجربة الحزبيّة في لبنان، يعزو الرئيس الأسبق لحزب «الكتائب اللبنانية» الوزير السابق كريم بقرادوني أسباب ذلك إلى كون المجتمع اللبناني «ما زال مجتمعاً بدائيّاً، تحكمه العقليّة القبليّة»، فهو على حدّ قوله «أقرب من الفكر العشائري منه إلى الفكر الحزبي المؤسّساتي»، ف«غالباً ما تأخذ هذه العقليّة أشكالاً عدّة، كميول هذا المجتمع إلى شخصنة كل شيء».

وهذه الازدواجية التي يعيشها المجتمع اللبناني بين الحداثة الممثّلة بالمؤسّسات والأحزاب من جهة، والرجعيّة الممثّلة بالعشائرية والولاءات العمودية من جهة أخرى «جاءت نتيجة طبيعيّة لتراكمات ثقافية طبعت الفرد اللبناني، وبالتالي المجتمع»، وفق رأي بقرادوني.

غياب العدالة والمساواة ينمي الهويات الفرعية

اعتبر الدكتور فارس بريزات الباحث الاستراتيجي في جامعة قطر انه في غياب العدالة والمساواة على أساس المواطنة، تنمو الهويات الفرعية بكل أشكالها على حساب الهوية المدنية وعلى حساب سلطة الدولة مما يُضعف الدولة والمجتمع معاً.

وقال بريزات إن الإصرار المنقطع النظير من قبل بعض المنظمات والحكومات الغربية على مسألة حقوق الأقليات في العالم العربي من أجل التحضير للديمقراطية يطرح عدة أسئلة حول مدى صدقية الخطاب الديمقراطي الذي تتبناه تلك المنظمات والحكومات.

وأضاف أن الدفاع عن حقوق الأقليات في بلدان لا تحترم حقوق جميع مواطنيها ولا تساوي بينهم هو تمييز ينافي أبسط قواعد المساواة بين المواطنين وقال من الأجدر بهذه الحكومات والمنظمات أن تدافع وتتبنى حقوق المواطنين وليس حقوق فئات محددة بهوية دينية أو طائفية أو عرقية إذا كانت أهدافها نبيلة كما تدعي. فليس من المنطق الديمقراطي بشيء أن تدافع عن حقوق أقليات في بلد حقوق الجميع فيه مهضومة. انتقاء أقلية ما لا يخدم الديمقراطية لأنه يعزز الهوية الفرعية لهذه الفئة على حساب هوية الدولة والمواطنة.

وشدد الدكتور بريزات على أن تبني فئات بعينها والضغط الدبلوماسي لدعمها أدى إلى حدوث تفاوت طبقي مبني على أسس الهوية التقليدية التي تتقدم على هوية الدولة والمواطنة فيها حيث تم تعزيز هذا التفاوت الطبقي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً من خلال أطر غير ديمقراطية فرضت على بعض المجتمعات أطراً يصعب الحراك خارجها بعد أن أصبحت هي قواعد اللعبة.

واعتبر أنه لا يوجد بلد غير جاهز لممارسة الديمقراطية السياسية التي تعني تداول السلطة عن طريق انتخابات حرة ونزيهة لجميع البالغين الحق في المشاركة فيها وتمتاز بالتنافس السياسي الحر ومن الصعب بمكان قبول «هوية الأقلية» أساساً للديمقراطية والمساواة لأنها تنفي المساواة بين الناس من خلال تقديم الهوية الفرعية. لكنه اعتبر أن الديمقراطية تحت الاحتلال تبقى الاستثناء وليس القاعدة.

من جهة أخرى قال الدكتور بريزات ان الأمن الاستراتيجي يرتكز في بعده الداخلي إلى قوة الدولة وقدرتها على فرض القانون على الجميع بالتساوي ويشمل هذا الإطار ضمان المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين وقال إن الثقة العامة في مؤسسات الدولة قد تتعرض لتجاوزات تسهم في ضعضعة هذه الثقة وأن ابرز التجاوزات هي تقديم الهوية الفرعية بتفرعاتها المختلفة من العشائرية، القبلية، العائلية، الاثنية، الطائفية، الدينية على المعايير المدنية التي تشكل أساساً لبناء الهوية الوطنية الجمعية .

نظرة أوروبا للعرب يحكمها التطور والتحضر

تنظر أوروبا من خلال مركزية الذات إلى الوطن العربي على أنه لا يزال متخلفا في سلم التطور الاجتماعي والثقافي والعقلاني، لأنها تعتبر نفسها حضاريا قد تجاوزت القبيلة والطائفية عبر معايير كثيرة تثبت دعائم التقدم والرقي والحضارة.

ويقول الباحث والإعلامي الليبي الصديق حسين إن القبيلة ليست شرا محتما، فالإنسان يبدأ بالأسرة ثم القبيلة ثم القومية وأخيرا العالمية. والقبيلة في الوطن العربي حافظت على القيم والعادات والتقاليد وشكلت ذراعا اجتماعيا كل من يريد أن يخرق الأعراق أو القوانين التي تعارف عليها المجتمع.

أما الجانب السلبي فهو توظيف القبيلة كآلية من آليات الحكم وقد لعبت العصبية القبلية دورا بارزا في الحكم والتسلط على الآخرين، وكما يقال في علم السياسة العرب (الحكم بالعصبية) الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة الفاطمية.

ويضيف أن بعض الدول العربية وخاصة مصر تجاوزت القبيلة وأصبح الإنسان يعرف بالجهة التي ينتمي إليها مثل شرقاوي ومنياوي ومنصوري واسكندراني وأسواني وهكذا. وفي لبنان حلت فيها الطائفية السياسية مكان القبلية..

وفي السودان يدور الصراع الآن جهوي، وحرب الجنوب، وحرب دارفور وأيضا في اليمن بين الشمال والجنوب وخروج طوائف سياسية دينية الآن ما يعرف بالأحزاب الدينية في اليمن مثل الحوثيين الشيعة والسنة والقاعدة. وأيضا ما يحدث في العراق من أحزاب طائفية على أساس ديني مثل الأحزاب الشيعية والأحزاب السنية وأيضا حزب البعث وغيرها مزقت البلد وأدخلته في حرب شبه أهلية بتغذية من قوى إقليمية وخارجية.

وبخصوص الحزبية في الوطن العربي يقول صديق: بالطبع في الوطن العربي القبيلة قد تتحول إلى حزب سياسي أو ديني وأكبر دليل على ذلك الأحزاب السياسية في السودان هي أحزاب اجتماعية قبلية. كما في الكثير من البلدان العربية تؤثر القبلية والجهوية في تكوين الحزبية جلبها لنا قراء جون ستورات من ديمقراطية.

واقصد أن الحزبية لم تأت كتطور طبيعي للبنية الاجتماعية والسياسية في الوطن العربي، بل هي أحيانا صنيعة غربية امبريالية من اجل إضفاء الشرعية على الاحتلال مثل ما يحدث في العراق والسودان.

ويشير الصديق قائلاً المجتمع العربي مليء بفسيفساء من الاثنيات والأقليات، مرهونة بهيمنة هوية وطنية اندماجية، خاصة لدى صناع السياسات العامة، ترى بالفرد ؟ أياً كان انتماؤه العرقي أو الديني أو المذهبي- «مواطناً» متساوياً في الحقوق والواجبات تحت كل الظروف، وبكلمات أخرى، تفترض الولاء للمجتمع أو الأمة، وهذا الولاء.

القاهرة ـ عماد الأزرق- بيروت ـ وفاء عواد- المنامة ـ غازي الغريري-الدوحة ـ أنور الخطيب- طرابلس ـ سعيد فرحات