هناك من ينتحر من أجل فكرة، وهناك من يفعل ذلك لإبراز شجاعته، وهناك من ينتحر لضعفه عن مواجهة مشاكله؛ لذا تتعدد الطرق والأساليب والموت واحد عن طريق الانتحار. لكن الغريب أن تستحدث وسائل تقنية تمنح الراغبين تأشيرة لمغادرة الحياة. وقد روّجت التكنولوجيا الحديثة للانتحار الجماعي عبر الشبكة العنكبوتية، بالصورة والصوت، وقد أصبح متاحاً ودون عناء لكل راغب في ذلك وأياً كان وجوده في مختلف أنحاء العالم.

الجديد في الاختيار لطرق الانتحار يقودنا إلى تتبع بعض تلك الحالات في الفترة الأخيرة، كالحادثة المروعة لانتحار عاشق قبل أسابيع شنق نفسه على كوبري قصر النيل. ومواطن أشعل النار في نفسه لعجزه عن تدبير نفقات زواجه. وآخر شنق نفسه بسبب فشله في مصالحة زوجته، وأخرى تنتحر على ضفاف النيل أيضا، لكنها لم تلفت الأنظار كثيرا لكونها انتحرت في صعيد مصر بعيدا عن فلاشات المصورين وكاميرات الفضائيات. لكن يبدو أن هؤلاء جميعا وغيرهم العشرات ممن ملوا الحياة في الأسابيع الأخيرة.. كلهم «دقة قديمة»، كما يقول المثل، لأنهم اتبعوا طرقا تقليدية، مملة، رتيبة، تفتقر إلى الإبداع، والإثارة.

على عكس ما يتميز به الجيل العنكبوتي.. فحتى التكنولوجيا بعد فترة من الاعتياد عليها تصبح مملة ورتيبة أيضا، لذلك بادر العديد من هواة الإثارة والديناميكية إلى إضفاء ما يطمحون إليه من إثارة. لا يهم أن كانت تفضي إلى الهلاك والانتحار الجماعي عنكبوتياً.. المهم أن تحقق غايتها من الإبداع والإثارة.. هكذا يريد شباب «المفتح ».

ألعاب الموت

على الرغم مما أعلنته إحصائيات عديدة حول حالات الانتحار في مصر من قبل أطباء وجهات حكومية مثل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي أكد أن معدل الانتحار في مصر في عام 2009 بلغ 14 حالة يومياً، لكن يبدو أن الانتحار العنكبوتي كارثة أخرى، إذ يستبدل بحبل الشنق الشهير وسائل أخرى أكثر حداثة وجدة.

كثيرون أكدوا أن العالم العربي كان بمأمن عن هذه المواقع لأعوام طويلة مضت، إلا أن ألعاب الموت التي يمارسها شباب الغرب انتقلت أخيراً بعدوى الإنترنت إلى الشباب العربي الذي يتعامل مع تلك المواقع من باب المتعة والإثارة، وهو ما حدث مع الشاب «محمد أحمد»، لاعب المنتخب المصري لكرة الماء، الذي لم يكن يدري أن ممارسته لإحدى ألعاب الموت بهدف الاستمتاع ستقوده إلى إنهاء حياته بيده؛ حيث فوجئت به أسرته منتحراً في غرفة نومه..

ولم يكن انتحار الشاب وليد حالة يأس، أو اكتئاب، فكل الشواهد كانت تؤكد أنه كان مقبلا على الحياة بشكل كبير.. غير أن التحقيقات كشفت أنه كان من بين من دفعهم الفضول لتصفح أحد المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت، التي تدعو إلى ممارسة (لعبة) من ألعاب الموت الجماعي المنتشرة حالياً بين الشباب.

يطلق الشباب على اللعبة (لعبة المشنقة)؛ حيث يقوم موقع إلكتروني بتصوير هذه اللعبة المميتة بأسلوب مشوّق، تلهب حماس الشباب الباحثين عن الإثارة والمغامرة، وتبدأ اللعبة عادة بطرح أسئلة من نوعية: «هل فكرت يوماً في الانتحار؟ تعال إلينا! فنحن نقودك إلى أقرب الطرق إلى الإثارة والمتعة».

ولا تكتفي اللعبة بممارسة الموت الفردي، بل من قواعدها الأساسية أن يكون الموت جماعياً، وذلك لتحقيق مزيد من الإثارة.. ولتسهيل اللعبة على المشتركين من مختلف أنحاء العالم، الذين يتواصلون عبر الإنترنت بخاصية «الماسينجر» والكاميرات المنزلية، فلا يشترط أن تكون ممارسة هذه النوعية من الألعاب في أندية جماعية، بل يمكن لكل لاعب أن يمارسها من غرفة نومه، يكفيه فقط أن يحضر المشنقة، وهي عبارة عن حبل يُحكمه اللاعب حول رقبته، ثم يترك جسده يتدلى في الهواء، ويكون الفائز هو من يظل في اللعبة لأطول فترة ممكنة.

ولا تقتصر ألعاب الموت على (المشنقة)، فهناك العشرات من هذه النوعية من الألعاب المبتكرة التي تتفنن في وسائل انتحار جديدة، تتسم بمزيد من الآلام لرفع معدلات النشوة التي يبحث عنها ممارسو هذه الألعاب.. منها لعبة (ماري الدموية)، التي تعتمد على تحضير الأرواح بألواح اليوجا، ولعبة (استنشاق الموت) التي تعتمد على الجلوس في غرفة محكمة الغلق، يُطلَق فيها أحد الغازات القاتلة، وتعتمد اللعبة على بقاء (اللاعب) أطول فترة ممكنة محتفظاً بوعيه، صامداً أمام الغاز القاتل.

أخلاقيات الإنترنت

وعن تفسيره لانتشار هذه الألعاب المميتة بين الشباب، يؤكد دكتور رضا محمود، خبير المعلوماتية، أن ظهور هذه النوعية الجديدة من الأفكار الغريبة على عالمنا العربي، يعد إحدى نتائج ثورة المعلوماتية والاتصالات، التي جعلت من العالم، ليس قرية صغيرة فحسب، بل بيتاً صغيراً يعرف قاطنوه جميع من فيه، غير أنه يشير إلى أن هذه النوعية من الجرائم لا تكون بهدف الانتحار في الأساس، بل تكون بهدف التسلية من خلال ممارسة هذا النوع من الألعاب القاتلة، أما ما يكون بهدف الانتحار، فيكون عادة لأسباب عقائدية، كأحد الطقوس التي تمارسها بعض الطوائف.

وحول كيفية حماية الشباب العربي من مخاطر هذه الألعاب، يؤكد أنها ليست منتشرة بشكل كبير، لأسباب عديدة أهمها أن شريعتنا الإسلامية تمنع قتل النفس بأي صورة من الصور، لكن هذا لا ينفي أن هناك بعض الحالات تم كشف النقاب عنها.

ويشير في هذا الصدد إلى أن وضع رقابة مباشرة على سبل الاتصال لمنع الأفراد من استخدام الإنترنت في مثل هذه الأغراض لن يحقق النتيجة المرجوة إن لم يؤد إلى نتائج عكسية، بل الأمر يتطلب تفعيل التشريعات التي تكفل حماية حديثي السن من الاتصال غير اللائق عبر الإنترنت. ويطالب خبير المعلوماتية بتدريس أخلاقيات التعامل مع الإنترنت في المدارس والجامعات، وألا يقتصر الأمر على تعلم الإنترنت، دون تعلم أخلاقيات التعاطي معه، لا سيما وأن هذه النوعية من المواقع متمردة..

بمعنى أن القائمين عليها إن وجدوا أي محاولات لحظر مواقع الموت، فإنهم يقومون بتغيير اسم الموقع وعرضه مجدداً، وهكذا.. والحل الأمثل هو أن يتعلم شبابنا العربي التعامل الأمثل مع الإنترنت.

انحراف سلبي

ويتفق الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي، مع القول بأن حدوث مثل هذه الحالات من الانتحار الإلكتروني في مجتمعاتنا العربية المحافظة يكشف عن غياب دور الأسرة والمؤسسة التعليمية، ومؤسسات المجتمع المدني، بالإضافة إلى الأصدقاء، ويشير إلى أن الانتحار نوع من الانحراف السلبي، كي يتخلص الإنسان من حياته..

لكن الأمر ليس كذلك في أغلب الأحيان مع الموت الإلكتروني، الذي يكون عادة بهدف الإثارة والتسلية، وقضاء وقت فراغ مع أشخاص من مختلف أنحاء العالم، ومشاركتهم ميولهم وهواياتهم. وحول سمات الشباب الذي يقدم على مثل هذه النوعية من الألعاب، يقول عكاشة:

من يتفاعل مع هذه الألعاب المميتة يتسم بالخلل الشخصي على صعيد (الأنا)؛ حيث يفشل في بلورة طاقاته الدفاعية كي يتعامل مع الناس، ومع واقعه، فيلازمه شعور بالنقص والخسارة بشكل مستمر، كما يعاني في الغالب من ضعف في الطاقة التخيلية، وعدم القدرة على التنفيس، ومن ثم تتسم شخصيته بالعنف والقسوة على الذات، الأمر الذي يدفعه لممارسة هذه اللعبة دون تردد أو رهبة من الموت.

ويضيف: إن تقبل الشباب لمثل هذه الأفكار الشاذة في مجتمعاتنا أصبح أمراً وارداً، في ظل معاناة أعداد كبيرة من الشباب من الاكتئاب المزمن، الذي يدفع صاحبه للبحث عن وسائل غريبة للخلاص من الحياة.

خلل اجتماعي

بدوره، يؤكد د. أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع، أن هذه النوعية من الأفكار المتعلقة بالانتحار الجماعي أو حتى الفردي عبر الإنترنت هي أفكار وافدة، يتعرف عليها شبابنا العربي من خلال المنتديات والمواقع الإلكترونية، بحثاً عن تغيير واقعهم الاجتماعي، وهروباً من الضغوط الكثيرة التي يعانون منها، خاصة من لديهم رغبة جارفة للتقليد، إلا أن استجابة الشباب العربي لمثل هذه النوعية من المواقع والألعاب المميتة تكشف عن خلل اجتماعي رهيب، يقع العبء الأكبر منه على الأسرة، التي من المفترض أن تتابع أبناءها بدقة لمنع تفاعلهم مع هذه المواقع، ودعمهم بالمثل والقيم الإسلامية التي تحرم الانتحار.

ويشير إلى أن وسائل الإعلام لها دور مهم في دعم هذه القيم لدى الشباب، مع أهمية تنقية الأفلام والمسلسلات من المشاهد التي تجسد الموت وطرق القتل والانتحار حتى لا يتأثر بها الشباب، لا سيما أنه وقع بالفعل العديد من حوادث الانتحار قام بها أطفال صغار لتقليد ما شاهدوه في هذه الأفلام من مشاهد للقتل أو الانتحار، وإلى جانب ذلك فالمؤسسات التعليمية عليها دور حيوي في التنشئة الاجتماعية البعيدة عن العنف.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية